امبراطوريات الرأسمالية الجديدة   

امبراطوريات الرأسمالية الجديدة  

بقلم : سامي الساري

 لعل أبرز ما يميز الأنظمة الرأسمالية حسب وصف ماركس هو مسألة الربح،فيقول بما معناه : إن المهمة التي وجد لأجلها النظام الرأسمالي هي الربح،فعندما يكون هامش الربح مؤكداً 10% يمكن استخدام رأس المال في كلّ مكان، وعندما يصبح هامش الربح 20% يصبح رأس المال نشيطاً،أما عندما يصبح هامش الربح 50% يصبح مغامراً،وعندما يصبح هامش الربح 100% فإن رأس المال يطأ قوانين الانسانية بقدميه.

لعل هذه المقدمة تكفينا لفهم طبيعة الأنظمة الرأسمالية الجشعة التي تنبأ بها ماركس منذ زمن بعيد، والتي تتجلى بأبهى صورها في وقتنا الحالي بسبب سيطرة الرأسمالية على كل مفاصل الحياة الإقتصادية ، وأقصد هنا الاقتصاد الجديد أي كل ما يتعلق بالتكنولوجيا والذكاء الصناعي والسوشيال ميديا التي بدأت تلعب دوراً كبيراً في حياتنا اليومية ولعل أبرز تلك الأمبراطوريات هما أمبراطورية فيس بوك و يوتيوب والتي كان لها دورا كبير في مرافقة احداث هزات سياسية لم يكن يتوقع حدوثها بهذه السرعة وبهذا القدر من التأثير خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث استطاعت ان تكون منبراً لتجمعات الجماهير،إلا أنه سرعان ما تستغل الشركات الرأسمالية هذه المنابر لتحويلها إلى مصدر للربح تحت شعار أولوية تنمية رأس المال وثانوية تنمية البشر بمعنى أصح ضمان ديمومة نمو ربح رأس المال على حساب مصالح البشر وإعاقة التنمية الحقيقية للشعوب. مثال على ذلك هو ما قامت به أمبراطورية يوتيوب الرأسمالية في الآونة الأخيرة من حذف لـ آلاف الفيديوهات التي توثق جرائم الحرب التي ارتكبها النظام السوري بحق السوريين والسوريات بحجة أن هذه الفيدوهات تحرض على العنف ضاربة بعرض الحائط المسؤولية الاخلاقية والقانونية الملقاة على عاتقهم من أن هذه الفيديوهات ستكون يوماً من الأيام دلائل ومستندات سيقدم من خلالها المجرمين إلى المحاكمات، بالمقابل تسمح أمبراطورية يوتيوب بنشر قنوات محتواها أقل ما يقال عنه أن تافه، بل وتمنحهم جوائز لضمان استمرار ضخ الدعايات والاعلانات التي تدر عليهم أرباحاً طائلة،هذا عدا عن الترويج للأفكار المعادية للإنسانية كالحملات التي يقوم بها اليمين المتطرف أو التي يقوم بها دعاة تكفيريون. نستنتج من الأمثلة السابقة أن هذه الشركات الرأسمالية لم ولن يكن هدفها تطوير الإنسان وانما استغلاله لتحقيق مكاسبهم الشخصية على حساب ابقاء الشعوب الأخرى تغوص في عالم الجهل والحروب و الطائفية والمذهبية. قد يقول قائل : أن لكل نظام إيجابيات وسلبيات ومن حق هذه الشركات أن تسعى للربح طالما أنها تقدم لك خدمات، وجوابي هو التالي: بئس الايجابيات عندما يتحول الانسان إلى سلعة تباع وتشترى كما يحصل معنا الآن، فنحن الآن عبارة عن سلعة تتحكم بنا هذه الشركات وتبيع بياناتنا الخاصة للأنظمة وأجهزة المخابرات كما حصل بـ فضيحة فيس بوك والتي كشفت عن تسريب بيانات 80 مليون مستخدم (وما خفي أعظم) والتي من خلالها أصبحت هذه الشركات تسوق لمنتوجاتها عبر التجسس على معلوماتنا وما نبحث عنه كل يوم في محركات البحث.

لا شيئ أصعب من أن يتحول الانسان إلى سلعة متداولة.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *