لماذا نحتاج إلى حزب؟

لماذا نحتاج إلى حزب؟

الطبقة العاملة هي طبقة ذات نزوع ثوري وكما يراها ماركس هي الوحيدة التي تمتلك القدرة على القيام بالثورة غير أن العمال لا يؤمنون بهذه القدرة لديهم بل ولا يحسنون الظن بطبقتهم ككل بوصفها طبقة ثورية.

لو كان العمال مدركين لهذه القوة الكامنة داخلهم لكان الأمر في غاية السهولة فيما يتعلق بدور الاشتراكيين تجاههم، غير أن الحقيقة القائلة بان الأفكار السائدة في أي مجتمع هي الأفكار التي تبثها الطبقة الحاكمة تؤدى بان يسجن العمال كل ما يختلف من أفكار داخل رؤوسهم.

البعض (هم عادة أقلية صغيرة نسبيا) يقدس كل القيم الرأسمالية فتراهم يدافعون بشدة عن تقسيم البشر بين أناس ولدوا ليحكموا بينما آخرون ولدوا ليشغلوا منصب المحكومين، وهكذا فهم مؤمنون بكل أمراض المجتمع الرأسمالي من تصنيف الناس على أساس الجنس أو العرق أو القومية.

والبعض الآخر وهم أقلية لا تزيد كثيرا عن سابقتها يرفضون الرؤية السائدة للعالم تلك التي تكرسها وسائل الإعلام ونظام التعليم وكل المؤسسات الأخرى في المجتمع الرأسمالي، وهم بدلا من ذلك يحاولون تطوير تصور مختلف يقاوم هذه الأفكار ويقدم منظورا بديلا يتبدى من خلال العالم بشكل مغاير.أما الأغلبية العظمى من العمال فهم معظم الأحيان لا يتبعون أيا من هذه الرؤى فتراهم  في الوقت الذي يرفضون فيه بعضا من أفكار الطبقة الحاكمة فإنهم يسلمون بالبعض الآخر، انهم ينحازون لشكل المجتمع كما هو ولكنهم في الوقت نفسه يرغبون التخفيف من بشاعته.

هذا الخليط من الأفكار يعطى انطباعا بأنه بالرغم من أن الطبقة العاملة هي طبقة ذات توجهات ثورية محتملة فإن هناك فجوة كبيرة بين ما هو محتمل وما هو قائم بالفعل.

موقع العمال في المجتمع الرأسمالي (كطبقة مستغلة لا تملك إلا القليل من أمر معيشتها وتشعر بالاغتراب عن ما تنتجه) يقودهم إلى الإيمان بأنه لا يمكنهم تغيير ظروفهم إلا في أضيق الحدود، وفى الوقت الذي يؤهلهم فيه موقعهم لأن يكونوا منظمين بصورة جماعية من خلال النقابات العمالية والأحزاب السياسية للطبقة العاملة فإن قوة التنظيم الجماعي والعمل الجماعي ليست واضحة بالنسبة لهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن هو كيف يمكن للاشتراكيين التغلب على ذلك؟ كيف يمكن للعمال التحول من السلبية والمشاركة بفعالية في تحرير أنفسهم؟ كيف يمكن للعمال أن يدركوا حقيقة انهم قادرين على التغيير كطبقة؟

إن التاريخ قد بين في أكثر من مناسبة أن العمال عند ولادة الثورة يتحركون بشكل عفوي ويتشكل الوعي لديهم كطبقة، وأشارت دروس التاريخ أيضا إلى أن العمال في حاجة دائمة إلى نظرية ثورية وإلى منظمة تتولى مهمة تخطيط الطريق لهم منذ البدايات الأولى للثورة حتى تصبح لديهم القدرة على تأسيس دولتهم العمالية الخالية من الاستغلال والقائمة على الإنتاج من اجل إشباع الحاجات، ومن هنا فمهمة الحزب الثوري تتمثل في إمداد العمال بكل من النظرية والتنظيم.

أنواع الأحزاب المختلفة

الحزب الثوري يختلف تماما عن غيره من الأحزاب العمالية الأخرى في نواحي كثيرة، أهمها بالطبع هو أن الحزب العمالي الثوري يهدف إلى إسقاط الرأسمالية بالإضافة إلى انه مدرك للاختلاف في مستوى الوعي الطبقي لدى العمال هو ما يعتبر جوهر العملية التنظيمية له.

ويعد من الأمور الحاسمة أن حزب العمال الثوري مبنى بالأساس على الأقلية النشطة داخل الطبقة العاملة والتي ترغب في النضال ضد النظام، حتمية هذه الفكرة تكمن في أن أقلية فقط من العمال ينغمسون بشكل مباشر في الصراع، هذه الأقلية يتراوح عددها بين مئات الآلاف أو الملايين في إضراب عام أو أعداد ضئيلة في إضراب بمصنع ولكن بدون مجموعة ثورية تنظم حركة هؤلاء العمال المتعطشون للكفاح كل جهودهم ستضيع هباء بلا طائل.

كثير من الناس “خاصة هؤلاء المنتمين للأحزاب التي تسمى نفسها عمالية مثل حزب العمال البريطاني” يجدون أن الحزب الثوري هو ظاهرة غير مفهومة ومن ثم فانهم يتناقشون حول لماذا لا يكون الحزب الثوري جزءا من الحزب الكبير الذي يضم كل العمال؟!!.

إن نظرة متأنية لحزب العمال البريطاني على سبيل المثال تكشف خطأ مثل هذا الطرح، فهذا الحزب يعد ممثلا لكل العمال على اختلاف أفكارهم ونظرا لوجود التفاوت في الطبقة العاملة في ظل الرأسمالية فان تمثيل الطبقة بشكل عام يعنى تمثيل هؤلاء المقتنعين بأفكار الطبقة الحاكمة تماما كهؤلاء الرافضين لأفكارها.

هذا ما يجعل حزب العمال دائما (كمعبد فسيح) يضم بين أروقته العنصريين، وأيضاً يضم هؤلاء الذين يرفعون شعارات ضد العنصرية. ورغم أن ذلك قد يجعل منه منظمة ضخمة إلا أنها تكون زيادة كمية غير قادرة على النضال من أجل مصالح أعضاء الحزب، نظراً لأنها لا غير موحدة على فكرة واحدة، بل أفكار متناقضة في أحيان كثيرة.

بشكل عملي يعنى ذلك أيضا أن حزب من هذا النوع لا يمثل في الواقع الطبقة العاملة ككل على الإطلاق بل هو يتواطأ لصالح الصفوف الخلفية للعمال ولا يعمل من اجل كل أو حتى معظم صراعات الطبقة العاملة فهذه الصراعات عادة ما تبدأ خارج حزب العمال وهى في أحيان قليلة ما يتم تأييدها بشكل فردى من قبل أعضاء الحزب الذين لا يلقون سوى التأييد السلبي من الحزب نفسه.

على النقيض من ذلك فان الحزب الثوري الحقيقي دائما ما يطالب أعضائه بالعمل على تشجيع وتوسيع مستوى الصراع الطبقي بشكل إيجابي الأمر الذي يتطلب وجود نظرية تستخلص الخبرات النضالية السابقة للطبقة لكي تكون بمثابة المرشد للعمل المستقبلي.

مثل هذا الحزب يجب أن تمتد جذوره داخل الطبقة العاملة بوصفه حزب طليعي بمعنى انه يدفع بأفضل الكوادر وافضل الخبرات معا داخل الطبقة.

على الثوريين أن يناضلوا من اجل أفكارهم من خلال نشاطهم، لذا فعليهم أن يقاوموا النظام القائم عن طريق الإضرابات والاحتجاجات والمساجلات من يوم لآخر، ذلك لأن الحزب الثوري هو منظمة مقاتلين قادرين على العمل معا بهدف الوصول لأقصى تأثير سواء في أماكن عملهم أو في أي مكان آخر. بالإضافة إلى ذلك فالحزب الثوري عليه أن يكون بمثابة “ذاكرة الطبقة العاملة” أي المكان الذي يناقش فيه تاريخ الحركة العمالية وتُعلم فيه الدروس النضالية.

ما هي الخبرة النضالية؟ 

  نهض العمال في كل عقد من عقود هذا القرن لتحدى النظام ككل. في الأعوام ما بين 1917 و1923 حاول ملايين العمال في روسيا والمجر وإيطاليا امتلاك زمام معيشتهم عن طريق التحكم في وسائل الإنتاج في المجتمع، لقد نظموا المجالس العمالية وسيطروا على مصانعهم واسقطوا النظام القديم، وفى أواخر العشرينات ثار العمال الصينيين ضد حكامهم، واشتعلت الحرب الأهلية في أسبانيا 1936- 1939 عندما قام العمال وفقراء الريف بالتصدي لمحاولة الانقلاب اليميني وقرروا السيطرة على المجتمع وتسيره لصالحهم.

بعد الحرب العالمية الثانية حول العمال في إيطاليا واليونان القتال ضد الاحتلال النازي إلى قتال من اجل العدل والمساواة، والعقود التي تلت تلك الفترة مرت بها العديد من اللحظات الثورية، فلقد شهدنا نضالات من أول حركات التحرر الوطني ضد المستعمر السابق كما حدث في فيتنام حتى الكفاح ضد الستالينية في المجر، وأيضا نضالات باريس في مايو 1968، والثورة البرتغالية 75- 1976، ومنذ وقت ليس ببعيد شهدنا خبرة سلطة العمال في القرى على اختلافها كما حدث في بولندا وإيران، طوال هذه الفترة مرة واحدة فقط نجحت ثورة العمال في تولى السلطة في ثورة أكتوبر 1917 في روسيا.

هذا التباين الحاد في النتائج لم يعتمد على ظروف تاريخية أو قومية خاصة، على العكس من ذلك فقد نبع من قدرة الحزب الروسي الثوري (حزب لينين البلشفي) على قيادة الطبقة العاملة على طريق تولى السلطة. في بداية 1917 كان الحزب البلشفي حزب أقلية ضئيلة داخل الطبقة العاملة أما بين السكان ككل (الذي كان أغلبهم من الفلاحين) فقد كان أقلية اصغر، وعندما نهض عمال بتروجراد في ثورة فبراير فاجئوا البلاشفة تماما، الثورة في البداية لم يكن هدفها حصول العمال على السلطة بل كانت موجهة لمطالب اكثر محدودية مثل نهاية الاوتوقراطية القيصرية وإقامة ديمقراطية حقيقية ونهاية الحرب الدامية في أوروبا.

بعد سقوط القيصرية  كانت الحكومة الجديدة ضعيفة ومذبذبة والمجتمع كله يعانى من أزمة عميقة وسرعان ما ظهرت أشكال الحكم الجديدة كالسوفييتات أو مجالس العمال. في البداية كان البلاشفة معزولين داخل السوفييتات ولكنهم استطاعوا في وقت قصير كسب مساندة كبيرة لأفكارهم ولنشاطهم وبدأت الأغلبية العظمى من العمال تنجذب لشعاراتهم، فقد فهم العمال أن الطريقة الوحيدة للتقدم هي تحطيم آلة الدولة القديمة (التي دعمت الجيش ودافعت عن نظام الملكية الخاصة) وتأسيس دولة جديدة يكون أساسها سلطة العمال.

فهم البلاشفة الواضح للموقف وجذورهم الممتدة داخل الطبقة العاملة كان نتيجة لشكل حزبهم وطريقة بنائه. لقد كان حزبا مبنيا على عنصرين هامين هما الفاعلية والأفكار، نجاحهم كان ثمرة قدرتهم على اختبار الموقف والنقاش حوله والوصول إلى نتيجة موحدة كانت هي التي يتم وضعها موضع التنفيذ. من هنا نبعت قدرتهم على النقاش بين اكثر العمال المسيسين من اجل إسقاط آلة الدولة القديمة وإنشاء أول دولة عمالية. جانب آخر من نجاح الحزب البلشفي كان أساسه بنائه التنظيمي، ذلك البناء الذي ناسب وجود السوفييتات والحاجة إلى تحطيم الدولة القديمة.

هذه النقطة الجوهرية – تحطيم آلة الدولة القديمة- هي ما ميز الحزب البلشفي، فالأحزاب الاشتراكية التي سبقته كان هدفها مجرد التغلب على المؤسسات القائمة دون تغيير علاقات السلطة الجوهرية في الرأسمالية.

وبصرف النظر عن روسيا 1917 ففي كل الأحداث الثورية التي حدثت في العالم يبدأ الثوريين كأقلية ضئيلة ولكن مع استمرارها ومع تعمق أزمة المجتمع فان أفكارهم تحدث الصدى المطلوب لدى اكبر عدد ممكن من الناس، وتظهر بشكل حاد تساؤلات حول إصلاح النظام القائم أو إسقاطه. الكثير من العمال متعطشون للثورة ولكن غياب البديل يدفعهم لاعتبار قادتهم القدامى وسيلة لتحقيق مطالبهم، في مثل هذا الموقف فان وجود حزب ثوري متماسك قبل حلول الطوفان هو أمر في غاية الأهمية، مثل هذا الحزب يجب أن يشتمل على منظومة من الأفكار ويضم الآلاف (إن لم يكن اكثر) من الأعضاء والمؤيدين الذين قضوا أعواما في النقاش والمساجلات حول الاستراتيجية والتكتيكات في الوقت نفسه الذي يقومون فيه بالاشتباك في النشاطات اليومية من خلال آلاف القضايا المختلفة.

لا يعنى ذلك بأي حال أن هذا الحزب معصوم من الأخطاء خلال مشوار الثورة بل يعنى انه سيكون على استعداد تام للتعامل مع تغيرات وتحولات المواقف بصورة افضل من أن يتم ذلك فجأة في أثناء الصراع.

هذا ما يجعل تأسيس حزب ثوري ذو مبادئ أمرا هاما اليوم، وعلى الثوريين أن يستلهموا معظم نظرية حزبهم من خبرة لينين والبلاشفة، فالأعوام التي أنفقت لبناء الحزب البلشفي حتى في أحلك الظروف لم تضيع هباء، والسبب الرئيسي لذلك كان اختلاف مبادئ حزب لينين عن كل المبادئ التنظيمية السائدة في عصره، لقد طالب أعضائه بمستوى من الالتزام والفاعلية وكان ما سمح لقراراته أن تكون بهذه الفاعلية هو اعتماد الحزب الأساسي على فكرة المركزية الديموقراطية.

ما هي المركزية الديمقراطية؟

رغم أن مصطلح “المركزية الديموقراطية” يبدو للوهلة الأولى متناقضا إلا انه ليس كذلك في الواقع. فالمركزية هي النتاج المنطقي للحوار الديموقراطي الحقيقي فالقضايا تدار حولها المناقشات بل والمعارك أحيانا وحين يحسم الأمر فان كل فرد بصرف النظر عن موقفه في عملية الحوار عليه أن يلتزم بالقرار ويعمل بموجبه.

هذا ما يعد متناقضا مع الديموقراطية المزعومة في المجتمع الرأسمالي، فنحن نملك حق التصويت في الانتخابات المحلية والقومية ولكن علاقة ما نريد من مطالب بذلك الشخص الذي منحناه أصواتنا علاقة لا تمت بصلة لما يحدث على ارض الواقع فمعظم القرارات يتم وضعها بواسطة أناس لا نملك عليهم أي نوع من السيطرة، وبالتالي فنحن لا يد لنا في تلك القرارات التي تسير حياتنا، نحن لا نمتلك حق التصويت حول ما إذا كان يتوجب إغلاق مصنع أو بناء محطة للطاقة النووية أو ما إذا كان يجب وقف خط  أتوبيس مثلاً، ذلك لان الأقلية (أصحاب المال والجاه والنفوذ) وليس الأغلبية هي التي تقرر ما الذي يجب عمله في معظم الأشياء الهامة، ولان الديموقراطية تصبح غير ذات قيمة بدون اتخاذ قرارات ديموقراطية لذا فانه في ظل الرأسمالية لا وجود للديموقراطية الحقيقية.

الأحزاب أمثال حزب العمال البريطاني ربما تدار لديهم بعض الحوارات الفردية والسجالات ولكن نادرا ما يلتزم أعضاء الحزب بنتائجها إذ ليس هناك صلة بين ما يتم قوله أو فعله وبين هؤلاء الذين يمضون في طريقهم من خلال مواقعهم لصنع القرارات هذا ناتج من حقيقية أن قادة الحزب والأغلبية من أعضاء البرلمان يجهلون تماما قرارات مؤتمر حزب العمال من دون أن يوجه لهم أي لوم.

إن التكوين الحزبي لمنظمة ما ينبع من حقيقة الدور الذي تلعبه في المجتمع، أحزاب مثل حزب العمال البريطاني ترى أن دورها “على أحسن تقدير” هي تسيير أمور المجتمع القائم من خلال البرلمان والمجالس المحلية وما إلى ذلك، لهذا فان تكوينهم الحزبي يتناسب تماما مع ما يقومون به من مهام على الأقل كما يرونها هم.

أما الحزب الثوري فله دور مختلف تهيئه له المركزية الديموقراطية فهو مبني على مهمتين أساسيتين، أولهما هو أن الطبقة العاملة لا يمكنها تولى السلطة وتسييرها لأجل صالحها بسهولة، والثانية هي حقيقة أن الأفكار السائدة في أي مجتمع هي أفكار الطبقة الحاكمة، يعنى هذا أن الحزب يجب أن يُنظم للقتال من أجل سلطة العمال من أسفل وذلك في سبيل بناء المجالس العمالية وإسقاط الدولة لذا فإن على الأقلية المنظمة في الطبقة العاملة عبء النضال ضد أفكار الطبقة الحاكمة ولأن وجود حزب ثوري مرتبط بفكرة التغلب على التفاوت داخل الطبقة العاملة فإن عليه تعميم خبرة هؤلاء الذين يفهمون طبيعة المجتمع الرأسمالي ووسائل القضاء عليه بشكل أفضل إذ لا يمكن للحزب الثوري أن يكون مجرد انعكاس لمستوى الفهم السائد وسط العمال في وقت بعينه بل عليه أن يكافح بشكل واعي ضد هذه الأفكار نظريا وعمليا.

ومن أجل التغلب على التفاوت في وعى الطبقة العاملة فعلى الحزب أن يتبع طريقين اثنين، أولهما أن يكون “ذاكرة الطبقة” فكل تاريخ نضال العمال في الغالب غير ظاهر لنا حتى في الصحف ومراكز الأبحاث والمدارس والجامعات نحن لا نتعلم الكثير عن الإضرابات وانتصارات العمال، حتى عندما نعلم عن هذه الإضرابات فإن القصص تصل إلينا بشكل مشوش وبالتبعية فإننا نجهل كل شيء تقريبا عن كفاح العمال في البلدان الأخرى، لذا فإن من أهم المهام الملحة للحزب أن يتأكد من أن تاريخ الطبقة العاملة قد تغلغل في وعى العمال و أن دروسه قد تم استيعابها على نحو تام.

الطريق الثاني الذي يجب على الحزب الثوري أن يسلكه هو أن يتعلم من الطبقة العاملة. هذه المعادلة الصعبة تحدث نوعا من الحيرة إذ إنه لو كان الحزب هو حزب الطبقة العاملة وذاكرة الطبقة أليس على العمال أن يتعلموا منه وليس العكس؟! المشكلة تحدث عندما يتم اعتبار الطبقة العاملة مجموعة من المتلقين السلبيين لتعاليم الحزب حيث أن هذا يرسخ مبدأ النخبوية ويترك الفرصة لتساؤل مفاده من الذي يعلم المعلمون إذن؟

إن حقيقة العلاقة بين الحزب والطبقة هي علاقة مرنة تعتمد على تعلم الحزب من الخبرات الحية للطبقة، وهذا يستلزم أن يبذل الحزب كل جهد لخلق صلات مع العمال والحفاظ عليها، وهذا لا يعد صحيحا فقط في الأوقات التي يشارك فيها العمال في الصراع عن طريق الإضرابات والاستيلاء على المصانع وخلافه بل هو بنفس الدرجة من الأهمية عندما يكون مستوى كفاح الطبقة منخفضا (حالات الجزر).

الحزب الثوري الحقيقي هو الذي يحافظ دائما على صلاته بالعمال لهذا فإن قدرا كبيرا من الأهمية يلقى على إنتاج المجلات والنشرات والتقارير والكتيبات عن القضايا المختلفة داخل المصانع و توزيعها وإصدار كتيبات للعمال عن قضايا أخرى كالحركة النقابية أو أزمة السكن بهذه الطريقة فقط يمكن للحزب أن يصبح ذاكرة للطبقة العاملة و في الوقت نفسه يتعلم من نضال العمال.

القيادة

أحد الملامح الرئيسية لنظرية لينين حول الحزب هو مفهوم القيادة هذا المفهوم الذي يحدث أيضا نوعا من الحيرة لدى هؤلاء المعترضون على اللينينية إذ يقولون أن القيادة هي نوع من الكهنوتية والنخبوية. مثل هذه الأفكار خاطئة تماما، فالقيادة ضرورية في الحزب الثوري تحديدا بسبب التفاوت في الطبقة العاملة ولان الأفكار السائدة في مجتمعنا هي تلك الأفكار الخاصة بالطبقة الحاكمة. إن كل عضو من أعضاء الحزب يجب أن يعتبر نفسه أو نفسها كقائد سواء في موقع العمل أو في مكان السكن، القيادة يجب أن توجد بكل المستويات محليا وقوميا وأن تنبع بشكل طبيعي من المركزية الديموقراطية، يعنى هذا أن الذين يبنون الحزب هم أنفسهم الذين يقاتلون من أجل أفكارهم وتكتيكاتهم في الحزب ومع الطبقة العاملة، لهذا فان الحزب الثوري لا يضم قيادة محددة هي بالضرورة التي تعرف اكثر من الجميع.

المفهوم اللينيني للقيادة مختلف تماما عن الرؤى النخبوية المعتادة للقيادة في ظل الرأسمالية، فالقيادة تعنى معرفة كيف نواجه أفكار الطبقة الحاكمة التي يقبلها معظم العمال في أغلب الأحيان، وتعنى أيضا معرفة كيف يمكننا العمل لتحدى سلطة الطبقة الحاكمة سواء عن طريق إضراب أو تمرد.  أعضاء الحزب الثوري يجب أن يكونوا متأهبين تماما اكثر من غيرهم للقيادة بهذه الطريقة، لا يعنى ذلك انهم دائما ما يفعلون هذا أو أنهم دائما على حق، فأحيانا وخاصة في أوقات ارتفاع درجة النضال الطبقي “المد” يمكن لهؤلاء الثوريين الذين قضوا الأعوام الطوال في النقاش حول السياسات الاشتراكية يمكن أن يكونوا أبطأ من أن يدكوا حالة أو درجة الكفاح داخل الطبقة العاملة.

كان هذا صحيحا حتى بالنسبة لحزب البلاشفة عام 1917 فيصف تروتسكي في كتابه (دروس ثورة أكتوبر) كم أن اكثر القادة البلاشفة خبرة كانوا في حالة من البطيء والحذر عند قيام الثورة ويشرح السبب قائلا “كل حزب بما في ذلك اكثر الأحزاب ثورية يجب أن ينتج وسائل محافظة تنظيمية وإلا فانه سوف يفتقد استقراره الضروري ولكن لهذه المسألة درجتها، ففي الحزب الثوري الضرورة الحيوية للمحافظة يجب أن ترتبط بتحرر تام من الروتين بمبادرة في التوجه وجرأة في الفعل”، ويمضى تروتسكي قائلا “كلا من المحافظة والمبادرة الثورية تكون موجودة بشكل اكثر كثافة  لدى الكوادر القيادية في الحزب”

ولكن بصفة عامة فإن الثوريين من المأمول تواجدهم في صدارة كل صراع، يقاتلون من اجل الوصول بالصراع إلى نهاية ناجحة، تلك هي الطريقة الوحيدة التي بها يمكن للأفكار الثورية أن تختبر بشكل عملي، فالقيادة داخل الطبقة تسير يدا بيد مع القيادة في الحزب، ويطرح البعض أحيانا أنه ليس هناك وقاية ضد القيادة السيئة في الحزب اللينيني الأمر الذي بإمكانه أن يقود البعض لتخليد القيادة المخطئة سياسيا بحجة كونها (القيادة)، ويدعمون رأيهم بما حدث في روسيا الستالينية، غير أن الحزب الشيوعي الذي حكم بقيادة ستالين كان النقيض التام لكل ما كان البلاشفة ولينين يناضلون من أجله فقد ألغى ستالين الحوار الديموقراطي ومجالس العمال الحقيقية والحرية لم يكن هذا نتاج حتمي لفكرة القيادة بل هو نتاج لذلك الاتجاه الذي أتبعه ستالين في حكمه لروسيا.

القيادة الحقيقية في المنظمة الثورية تعنى أن القرارات المتخذة يمكنها أن تكون أحيانا خاطئة، في خطبة لينين الأخيرة للأممية قبل وفاته قال “لقد ارتكبنا كومة من الحماقات”.

القادة الحقيقيون ليسوا منزهون عن الخطأ ولكنهم قادرون على إدراك الخطأ وقبوله والتعلم منه، وهذا لا يمكنه أن يحدث إلا بالتعلم الدائم من الطبقة العاملة وباختبار نظرياتها وأفعالها بصورة عملية، القدرة على ذلك تمنح الثوريين الحق في القيادة داخل الحزب والطبقة، لهذا فانه ليس هناك أي نوع من الكهنوتية في الحزب الثوري.

هناك أناس من خلال المعرفة والخبرة والقدرة على التوجيه يرون في أنفسهم القدرة على القيادة إلا أنهم لا يعرفون كل شئ، على العكس من ذلك أنهم يقترفون العديد من الأخطاء لأنهم يواجهون بشكل دائما موقف ومشاكل جديدة.

كلما امتدت جذور الحزب داخل الطبقة العاملة كلما ارتبط أكثر بالصراع الحقيقي وكلما زادت نسبة حدوث الأخطاء، ولكن نسبة التعلم من الأخطاء ومعرفة احتمالات تكرار الخطأ في المستقبل تزيد هي الأخرى، أنه من السهل جدا أن تبقى ذو مبادئ ثابتة عندما لا تفعل شئ، الأصعب  أن تثبت على هذه المبادئ حين تنغرس يوما بعد يوم في الصراعات الطبقية.

لهذا فالاختبار الدائم وإعادة التقييم والحوار حول التكتيكات يعد أمرا جوهريا لتطوير أي حزب ثوري، وهذا ما تؤكده خبرة النشاط والاشتباك مع مختلف قضايا الطبقة العاملة، فهذه الخبرة أثبتت أن عملية الحوار الديموقراطي المركزي هي أمر جوهري للانغراس في الصراع الطبقي.

كيف يبني الحزب تأثيره؟

واحدة من اكثر المشكلات التي تواجه هؤلاء المعنيون بالتغيير الثوري التساؤل حول حجم وتأثير المنظمات الثورية، فالأحزاب الثورية عادة ما تكون صغيرة (حتى لو بلغت الآلاف) مقارنة بالأحزاب الإصلاحية الكبرى، الأحزاب الاشتراكية الثورية في بلدان كثيرة حتى عهد قريب أرقام عضويتها تعد غير ذات قيمة، وليس هناك طريقة سهلة لحل هذه المشكلة فإذا كان صراع الطبقة العاملة منخفض المستوى (جزر) لبعض سنوات فان المجموعات المؤسسة على السياسات ذات المبادئ الثورية والتحرر الذاتي للطبقة العاملة سوف تكون صغيرة ولكن المشكلة تتفاقم لحظة أن تعلو درجة الصراع الطبقي، فكيف يمكن للحزب الثوري أن ينمو؟

أولا، إن الأفكار تميل إلى أن تتغير في الصراع، فنشاط مثل الإضرابات أو احتجاجات الطلبة أو محاربة الطائفية والعنصرية أو أحداث مثل حرب الخليج تدفع أعداد كثيرة من الناس ليروا العالم بشكل مختلف، فتحركهم الجماعي يجذبهم لأفكار كالتضامن ومن ثم للاشتراكية، لهذا فإن نمو المنظمة الثورية يأتي متوافقا مع المستويات العليا من الصراع أو فترات النزوع إلى الحلول الجذرية، في مثل هذه الأوقات لا يكون النمو مجرد زيادة في عدد الأعضاء (كمي) ولكن عادة ما يكون وثبة نوعية أي نقلة كيفية، ذلك عندما يصل عدد ضخم من الناس لنفس النتيجة حول الحاجة لقطع الصلة بالطرق القديمة للتنظيم السياسي ويعدون أنفسهم للتغيير الثوري.

إن إمكانيات النمو في السنوات القادمة تعتمد على البناء في مواقف سياسية معينة، ومع ذلك فانه لا يكفى الثوريين أن يترقبوا الموقف المناسب وينتظرون فلول العمال لكي تنضم إليهم، بل يجب على الحزب الثوري أن يحاول زيادة عضويته في فترات انخفاض مستوى الصراع الطبقي، يتم ذلك عن طريق الانغراس في الصراعات التي تحدث وعن طريق إدارة النقاشات والحوارات لأوقات طويلة أحيانا مع هؤلاء الذين يعترضون على المجتمع الرأسمالي.

حتى في أوقات ذروة الصراع يجب أن تتم محاولة استمالت عدد كبير من العمال أعضاء الأحزاب القديمة أو القادة النقابيين نحو سياسات ثورية حقيقية، يمكن لذلك أن يحدث فقط عندما نثبت لهم بشكل عملي أن الأفكار التي وضعها الثوريين صحيحة بشكل عملي.

لهذا فانه إلى جانب التعهد المطلق ببناء حزب مستقل يجب أن يكون هناك التزام بالعمل في (الجبهات المتحدة) وهذا يعنى المحاولة للتنسيق حول قضايا معينة، وتعد الفاشية من اشهر القضايا التي دار الصراع حولها في الثلاثينات والتي أمكنها توحيد الطبقة العاملة في برنامج واحد لمطالب بعينها، وكما قال تروتسكي “فلنسير كلا على حدا ولنهجم معا”.

عن طريق الجبهات المتحدة يمكن للثوريين العمل مع هؤلاء الذين ينتمون لأحزاب غير ثورية في قضايا معينة مع التمسك بمبادئهم ووضوحهم السياسي، ولان الثوريين يملكون اكثر من فكرة حول كيفية القتال في هذه القضايا مقارنة بقادة الأحزاب الإصلاحية، لذا فأنهم يكسبون أعداد ذات قيمة من العمال على سياساتهم ومواقفهم في هذه العملية.

العودة إلى التراث الثوري 

كل سمات المجتمع التي أدت بلينين لبناء الحزب البلشفي لازالت قائمة الآن فنظام الاستغلال الذي نعيش في ظله تتم حمايته بواسطة آلة الدولة التي تحاول ضمان حكم رأسمالي مستمر وأبدي، ويمكن التصدي لذلك فقط عن طريق بناء منظمة مركزية ليست مؤسسة على النضال البرلماني (لان البرلمان لا يمكنه تحدى سلطة الدولة) ولكن عن طريق مجالس العمال تلك المجالس التي يمكنها أن تصبح مصدرا للسلطة الاختيارية السلطة النابعة من تحكم العمال في الإنتاج.

إن الحاجة لمجابهة وتدمير الدولة الرأسمالية ستكون كافية لتبرير بناء حزب ثوري، هؤلاء الذين ينتقدون بناء مثل هذا الحزب هم أنفسهم الذين يؤمنون أن الدولة هيئة طبيعية فوق الطبقات يمكن أن توضع تحت تصرف العمال، كل الخبرات التاريخية أثبتت خطورة هذا الطرح فالإصلاح السلمي قد يتحول إلى ثورة مضادة عنيفة، الدرس المستفاد من تجربة شيلى سلفادور الليندى يجب إلا يغيب عن وعى كل اشتراكي ثوري، ففي عام 1973 قام الجيش بمساندة الولايات المتحدة بالإطاحة بالرئيس المنتخب للحزب الاشتراكي، وقاموا بذبح عشرات الآلاف من الكوادر النشطة في الطبقة العاملة،  الليندى والحزب الاشتراكي تم تحذيرهم اكثر من مرة من أن هناك استعدادات لعمل انقلاب إلا انهم حتى اللحظة التى اقتحمت فيها الدبابات قصر الرئاسة ظلوا يرددون أن الجيش يدين بالولاء للنظام وانه لن يطيح بأقدم ديموقراطية في أمريكا اللاتينية!!.

وجود الحزب الثوري ليس ضروريا فقط في أوقات (المد) ذروة الصراع الطبقي بل هام بشكل قاطع في حالات الجزر حيث يعطى للاشتراكيين الفرصة لان يحدثوا نوعا من التأثير في الصراع، وذلك لأنه أولا يوثق الصلة بين الاشتراكيين والطبقة العاملة، ثانيا يسمح لهم بان يتجمعوا سويا في النقابات وأماكن العمل للتحاور حول موقف معين أو حول تكتيك ما، إن الحزب يمنح الاشتراكيين القدرة على العمل بصورة أكثر تنظيما وفاعلية.

من أدوار الحزب أيضا أنه يعمل على التغلب على الفصل بين السياسة والاقتصاد الموجود في المجتمع الرأسمالي، ففكرة أن الصراع السياسي منفصل عن الصراع الاقتصادي للعمال ليست فقط فكرة خاطئة (حيث هذا الانفصال غير متحقق أصلا في المجتمع الرأسمالي) بل هي تعمل أيضا على تفتيت العمال وإضعاف حركتهم.

الصراع الطبقي هو المفتاح الرئيسي لتحقيق التحول الاشتراكي للمجتمع، إن الصراع الطبقي يتفاقم بشكل حتمي سواء كان هناك حزب ثوري أم لا ولكن التدخل المنظم للثوريين هو الذي يؤدى إلى نتائج مختلفة، والحزب المنغرس داخل الطبقة العاملة هو الوسيلة الوحيدة لهذا التدخل هو الأداة الوحيدة للنجاح المنتظر، لهذا فعلى هؤلاء الراغبين في التغيير الجوهري للمجتمع أن يكونوا أعضاء في تنظيم لينيني.

ورغم أن التصور العام للمنظمة اللينينية قد تم تشويهه عن طريق الستالينية فان دورنا الرئيسي اليوم التأكيد على أن المنظمة اللينينية تبقى الأكثر ديموقراطية والأكثر انفتاحا للعمال والوسيلة الوحيدة الممكنة لقيادة الطبقة العاملة بنجاح في نضالها من اجل انتصار الاشتراكية. الاشتراكية الآن تعنى إعادة إرساء التقاليد اللينينية.

مركز الدراسات الاشتراكية

2005

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *