عن العلمانية وفصل الدين عن الدولة

عن العلمانية وفصل الدين عن الدولة

يعتبر مارسيل غوشيه أن هناك علاقة بين التحديث والعلمنة ويرى أنّ العلمانية هي القطيعة مع الدين حيث أنّ القارة الأوروبية الغربية كانت مسكونة سطحاً وعمقاً بالدين وما كان لها أن تشق طريقها إلى التحديث إلا بالقطيعة مع النظام المعرفي الديني للقرون الوسطى “التحديث هو الخروج من الدين” حسب غوشية. هذه القطيعة مع الدين كانت على مراحل، فقد شهدت آوروبا في القرون الوسطى أسوأ فصول تاريخها التي تخللها إنشاء محاكم التفتيش من طرف الكنيسة البابوية التي كانت تلاحق أهل الفكر والتنوير وتزج بهم في مقصلة هذه المحاكم.

وتعززت هذه القطيعة بواسطة أنشتاين سنة 1900 حيث تعدّت العلمانية كونها مجرد حركة إصلاحية فقط في أوروبا، إنما أصبحت رسالة لتحرير الإنسان من سلطة الرهبان وتحرير العقول من التحليلات الماورائية والتفسيرات الميتافيزيقية التي جمّدت الفكر الأوروبي لزمن طويل في أنفاق فكرية ضيقة.وقد كانت مقالة فولتير (في التسامح) صرخة تاريخية في وجه الاضطهاد الكاثوليكي للأقلية البروتستانتية. بينما لم تصدر في تلك الفترة مقالات مشابهة في عالمنا الإسلامي الذي كان يشهد صراعاً مريراً بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية راح ضحيته مئات الآلاف. فبدلاً من التركيز على نشر ثقافة التسامح وقبول الآخر، طغى على الأدبيات في تلك الفترة مئات العناوين التي تدعو الى الكراهية والتكفير.

لا يجوز خلط العلمانية بالإلحاد كما يحاول البعض عن عدم معرفة أو عن سوء نية، فالعلمانية ليست مذهب أو دين، إنها نظام حكم يعتمد على التعددية و التنوع في الممارسة الفكرية و السياسية. في الدولة العلمانية، تُحترم حق ممارسة جميع الأديان ولكن الدين يبقى خصوصية فردية لا دخل له بالحياة السياسية. فالدولة العلمانية لا تفرض الإلحاد كما يحاول البعض تصويره، بل إنها دولة تُحترم المعتقدات الدينية فيها مهما كانت، ولكن “تحترم” فقط ولا “تُطبق” هذه المعتقدات لأنها حرية فردية”. الاسلاميون يعتبرونها وجه آخر من أوجه الالحاد و الكفر و التهجم على رجال الدين و المقدسات الدينية وأنها وسيلة لنزع الصفة الاسلامية عن الشخصية العربية وهم يحاولون تسويق هذه الصورة المشوّهة عن العلمانية.

العلمانية هي فصل الدين عن السياسة أو فصل الحياة الدينية عن الحياة المدنية، فكُل ما يتعلق بالدولة و طريقة حكمها هو مُستقى من الحياة المدنية، مؤسسات الدولة مستقلة تماما عن المؤسسات الدينية. فصل السلطات المدنية عن السلطات الدينية هو مبدأ من مبادئ الدولة العلمانية. السياسة فيها من اختصاص البشر أمّا الدين فهو من اختصاص المقدّس. العلمانية تحترم حق الاختلاف في الدين فهي لا تفرض أي دين على آخر ببساطة لأننها لاتتدخل بالدين حيث أن قانون الدولة هو قانون مدني جامع يحترم الجميع بصفتهم مواطنين ولا يميز بينهم، والمواطنة هي الأساس في الدولة المدنية العلمانية. المواطنة تعتمد على الجنسية فقط و ليس على الاعتقاد الديني او العرقي.
إذاً لا يجب الخلط بين “الخروج من الدين” و “الخروج على الدين” فمقولة مارسيل غوشة ليست اعلان حرب على الدين أو نهاية الدين كما فعل نيتشة ولكنها فقط بمثابة اعلان فصل الدين عن الحياة العامة و أن الدين محصور بالمجال الشخصي. ومن هذا المنظور فإن “الخروج من الدين” أي العلمانية و الحداثة يكون ضروريا لحماية الدين أو عدم “الخروج على الدين” لأن ذلك –الفصل بين الدين و السياسة- هو الطريقة الوحيدة لعدم تعارض الدين والايمان الشخصي مع الحداثة و الحياة المدنية و السياسية. إنّ عدم زجّ الدين في السياسة هو إعلاء من شأنه ولقد أصبح ضرورة حتمية، حيث أثبتت التجربة – كما يشير د. نائل جرجس : بأنّ الدول تستغل الدين للاستبداد والقمع ولذلك يقول المفكر الإسلامي خالد محمد خالد في كتابه المشهور “من هنا نبدأ” (1974) : إذا مزجنا الدين بالدولة فسنخسر الدين ونخسر الدولة.

البعض يعتبر العلمانية حركة إنسانية تدعو للإيمان بالتعددية ومبدأ التسامح وإخضاع المنظومة الدينية بمفاهيمها لسلطة العقل والعلم، وهذا هو نفس المبدأ الذي كان ينادي به أعلام الفلسفة العربية ـ الإسلاميّة (الكندي – الفارابي – ابن رشد – ومتكلموا المعتزلة) قبل فلاسفة التنوير في أوروبا بأزمنة

عزام أمين

2012 / 5 / 4

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *