عن الانضباط التنظيمي في الحزب الثوري

عن الانضباط التنظيمي في الحزب الثوري

الحزب الثوري ليس منتدى ثقافي أو شلة أصدقاء أو نادٍ رياضي تنفّس فيه عن طاقة زائدة أو غضب بالاشتباكات مع الدولة في أي موقف كان.

الحزب الثوري هو أقرب في بنائه إلى الجيش منه إلى جماعة أو تيار فضفاض. هو جيش مركزي من جنرالات وضباط وصف ضباط وجنود، يفرقه عن جيش النظام أن قيادات الحزب ومعظم ضباطه منتخبين من الجنود ويخضعون دوريا للحساب والمساءلة والتغيير إذا أخفقوا في تحقيق المستهدفات التي أنتخبهم القواعد لتحقيقها أو اتسم أداءهم بالفشل الإداري المتكرر أو الانحراف السياسي.

الحزب الثوري ليس أيضا جزيرة منعزلة من “الطليعة الثورية”. ففور توسع المنظمة الثورية الصغيرة المكونة من عناصر من المثقفين الثوريين والطلبة إلى حزب متواجد “جغرافيا” في الأحياء العمالية والمهمشة كما يتواجد “قطاعيا” في مواقع عمل (شركات، مصانع، مصالح حكومية) في عدة محافظات، يضع ذلك أي منظمة صغيرة أمام تحديين كبيرين:

أولا: التماسك السياسي:
من الطبيعي عند توسع الحزب الثوري في كسب عضوية جديدة وشابة من صفوف الثوار في الجامعات وأماكن العمل أن تأتي معظم تلك العناصر بأمراض المجتمع الذي نعيش فيه. نحن لا نعيش “المجتمع الاشتراكي” ولا يحاول الحزب الثوري أن يحاكي أو يخلق فقاعة منعزلة “اشتراكية” يعيش بها أعضاءه في كوكب منعزل عن البشر الطبيعيين الذين نحيا معهم في نفس الشركة والشارع والبيت. هنا يتحول الحزب الثوري إلى طائفة أو شلة يميزها السلوك الاجتماعي (والذي قد تكون بعض ممارساته مرفوضة في مجتمعنا المحافظ) أكثر من كونها منظمة منغرسة في الواقع المصري بكل مميزاته وقاذوراته معا.

في حالة ما بعد 25 يناير 2011 يصبح من العبث الإنغلاق واتباع نفس أساليب التسعينيات في العمل السري. القمع لم يختفي، والآلة البوليسية للدولة أكثر توحشا وتطورا من التسعينيات، ولكن فرص الحراك العلني في الشارع والمصنع والجامعة مفتوحة على مصراعيها لجميع القوى السياسية. ولا تلوموا إلا أنفسكم عندما يذهب العمال وجماهير الفقراء لتأييد الأحزاب الإصلاحية والرجعية، فهم لم يجدوك وأنت تقدم البديل الثوري ليرفضوك. ويظل دائما أفضل حماية للكيان وكوادره هو مدى الجذور التي يخلقها وتوسع الحزب ودوائر متعاطفيه المستعدة للتضامن والرد في حالة توجيه ضربات أمنية.

ولكن إذا فتح الحزب أبواب قبول العضوية، بحذر أو على مصراعيها، للعناصر المتقدمة في الجامعات ومواقع العمل فهذا لا ينفي وجود أخطار، وليس بالضرورة أخطار أمنية، بل أخطار انحراف سياسي وذلك أكثر خطورة من أي ضربات أو اختراقات أمنية بسبب التوسع.

هناك الكثير من العناصر الشابة المخلصة انضمت للحزب الثوري في معارك واشتباكات لأنهم وجدونا معهم في مقدمة الصفوف. هم من خيرة شباب الثورة وأنقاها وعلى الاستعداد للاستشهاد في مواجهة قوات الأمن أو أي عدو للثورة. من الطبيعي أن يسعى الحزب الثوري لكسب تلك العناصر المقاتلة ويتشرف بذلك، كما من الطبيعي أن يستهدف ضم قيادات الاضرابات العمالية الجماهيرية. ولكن إذا فرحت ونمت هنيئا بعد كسب هذا العنصر المقاتل أو القيادي العمالي “تنظيميا” وتغافلت عن بذل المجهود الكافي لكسبه “نظريا وسياسيا” عبر التثقيف والإصدارات والمطبوعات السياسية والنظرية، فستستيقظ بعد فترة لتجد أن لديك شبابا في قواعد الحزب أقرب في تصرفاتهم للأناركيين في قضية المواجهات مع الشرطة أو الموقف من الانتخابات، وقيادات عمالية هي أقرب إلى النقابوية الإصلاحية منها إلى الاشتراكية الثورية.

وجب التوضيح أن الحديث هنا لا يعني ذمًا فيمن يصر على مواجهة الشرطة في مواقف استبدالية بدون ظهير جماهيري، أو من يقود إضرابا عماليا سقفه اقتصادي ولا يريد تسييسه. ولكن ببساطة ليست تلك هي العناصر التي تستطيع الاعتماد عليها في بناء الحزب الاشتراكي الثوري سياسيا وتنظيميا. وأي تخبط نظري وتشوش يؤديان إلى شلل تنظيمي وفقدان القدرة على اتخاذ موقف سياسي موحد بدون انفجارات تنظيمية.

وإذا كانت الأناركية والنقابوية من بين القضايا السياسية الواجب تناولها نظريا وسياسيا ضمن قراءات أوسع للعضوية عن مشروعنا السياسي، فهناك أيضا سلوكيات وممارسات تجدها في عناصر حديثة العضوية قد تحمل رواسب ذكورية أو عنصرية واستخدام مصطلحات لا يصح أن تصدر من مناضل اشتراكي ثوري.

قبل أن يسن الجميع أسلحتهم ضد تلك العناصر يجب فهم ذلك، مرة أخرى، طبيعي عند توسع الحزب خارج دوائر المثقفين الذين تناقشهم بالشهور والسنين وتقرأ معهم تلالا من الكتب النظرية قبل دخولهم الحزب. وكل شخص ينضم لمشروع يحمل معه تناقضاته الحياتية ودرجات متفاوتة من الوعي والمهارات. إن مواجهة تلك الأداءات تكون “سياسية” بالمقام الأول وليس بالضرورة “تنظيمية” سواء بالعقوبات التنظيمية أو بالفصل. إنك أمام تحدٍ سياسي، كيف تكسب هذا الرفيق أو الرفيقة الجديدة لموقفك السياسي والنظري من قضية ما؟ وعند كسبك لهم سياسيا يترجم ذلك نفسه في تطور أدائهم التنظيمي وانضباطه، وليس العكس. فقبل أن تتأفف من سلوكيات رفيق أو رفيقة، ابذل كل جهدك أولا في توضيح ما تراه انحرافا سياسيا عن خط الكيان وسلوكيات أعضاءه المنتظرة والروح الرفاقية المطلوبة بين الجميع.

ولا يعني كلامي هذا أنه لا توجد هناك خطوطا حمراء وأجراس خطر تستطيع أن تعرف من خلالها أنك أمام قضية خاسرة وكادر لن يتخلى أبدا عن سلوكيات غير اشتراكية، وهنا يجب الحزم وابعاد العناصر الفاسدة تنظيميا حتى لا تؤثر مخالفاتها وانحرافاتها سلبا على زملائها.

ثانيا: التماسك التنظيمي:
تتعرض جميع التنظيمات والأحزاب والحركات، يسارا ويمينا، لحالة ارتباك إبان وقوع الثورات. هذا ما يشهد به التاريخ ومن الطبيعي حدوثه حتى في أعتى التنظيمات صلابة وقوة… فتجد نفسك في وضع سياسي يتغير كل ساعة وأحيانا كل دقيقة.

وفي فترات المد الثوري والحراك الاجتماعي والسياسي المتصاعد تتجذر الجماهير (أو قطاع كبير منها) سريعا. وتجد الجماهير “العادية” على يسارك في مواقف، وتسبق حركتها حركة الحزب الثوري الذي نادى بتلك الثورة لسنوات طويلة. هذا طبيعي جدا، وشهدته جميع الثورات السابقة.

قبل الثورة، وبالذات في أوقات التراجع مثل حقبة التسعينيات، قد تجد صعوبة كبيرة في إقناع شخص ما بفكرة الثورة أو بقدرة الطبقة العاملة على التغيير، أو إمكانية رؤية دولة اشتراكية في المستقبل تقوم على الإدارة الذاتية للشركات والديمقراطية المباشرة (لا النيابية) وعمودها الفقري المجالس العمالية وروابط الأحياء والفلاحين. قد يبدو هذا دربا من الجنون لأشخاص ولدوا وعاشوا حياتهم في مجتمع رأسمالي ولم يتسنى لهم رؤية بديل ويتعرضون لغسيل مخ يومي من الإعلام الرأسمالي الموجه، وحتى في ذروة اللحظات الثورية لا تتخلص الجماهير بسهولة لوحدها عفويا من كل شوائب الإصلاحية وتظل حتى اللحظة الأخيرة متشبثة بإمكانية حل إصلاحي “سريع” من السماء لمشاكلها.

مهما بذلت من مجهود لنشر أفكارك الثورية عبر إعلام بديل ثوري، يظل الظرف الموضوعي هو المحدد لسقف نجاحك. فمهمتك وقدرتك على الإقناع تصبح أكثر سهوله وفاعلية عندما تبدأ الطبقة العاملة نفسها في الحراك وتقوم بإضرابات جماهيرية واسعة وتفرض نفسها على الأجندة السياسية والإعلامية للجميع، وتبدأ قطاعات من الشعب تشعر بالثقة على قدرتها في إحداث التغيير المنشود إن نزلت الشارع أو شاركت في الاعتصام.

المد الثوري يخلق أرضية خصبة لأفكار اليسار الثوري، كما أن التراجع في الحركة على الأرض يترك الساحة مرتعا للأفكار الرجعية والإحباط واليأس.

وعندما يفتح الحزب أبواب العضوية للجماهير التي تتحرك يسارا، فإن “النشاطوية” تظهر كخطر معلق دائما فوق رؤوس الجميع. فينهمك الجميع يوميا في المشاركة وتنظيم المظاهرات والإضرابات والمسيرات والوقفات، ونهمل القراءة النظرية، ونغفل ضرورة (أحيانا) الرجوع للخلف خطوتين لتقييم الموقف وماذا حققنا في الفترة الماضية وماهي الخسائر، وننسى تدعيم البناء التنظيمي الداخلي وتقويته وتطويره لاستيعاب فعال للأفواج الجديدة من راغبي الانضمام للحركة.

الحالة الثورية كفيلة بدفع أكثر الكوادر خبرة إلى النشاطوية، فما بالك بعضو حديث انضم على إثر اشتباك مع الشرطة أو مواجهات جماهيرية في مكان ما؟ النشاطوية وغياب الاهتمام بالقراءة النظرية يؤثران سلبا على التماسك التنظيمي لأي كيان ثوري في لحظتنا هذه، ويؤديان إلى سيولة تنظيمية في القواعد قد تصيب في النهاية الكيان بشلل عند كل منحنى سياسي أو تؤدي إلى بطء في عملية اتخاذ القرار وضعف القدرة على تنفيذه.

بعد إندلاع الثورة في مصر، وحدوث إنفراجة نسبية في المساحة المتاحة للعمل بالشارع، قد يشعر الكثيرون أن لا حاجة لتدعيم البناء التنظيمي أو أن لا حاجة للحزب من أساسه. ألا يستطيع أي شخص منفردا الآن تنظيم مظاهرة أو وقفة عبر إيفنت على الفيسبوك؟ هل الطبقة العاملة في انتظار الحزب الثوري للقيام بإضرابات للمطالبة بالحقوق المهضومة؟ هل عضويتك في كيان ثوري ما تتلخص في الهتاف بسقوط النظام (كما كان يتطلب الوضع في التسعينيات مثلا؟) ما الحاجة للحزب الثوري إذا؟.

الفارق البسيط بين عضويتك في حزب ثوري أو عدمها هما شيئين:
1- القدرة على تنسيق الحركة بين المجموعات الثورية المتناثرة في محافظات ومواقع وقطاعات مختلفة لتتحرك بشكل مركزي في مواجهة عدو مركزي، وذلك عامل أساسي لضمان نجاح الثورة.
2- تقديم “ذاكرة الطبقة العاملة”، حسب وصف تروتسكي. فإذا كان تاريخ الرأسمالية على كوكب الأرض يقارب الـ300 عام، فتاريخ النضال العمالي أيضا يساويه في العمر، ولن نعيد اختراع العجلة كل مرة تندلع فيها ثورة، ونكرر أخطاء الماضي. وبالتالي يفترض بالحزب الثوري أن يلعب دور ذاكرة الطبقة العاملة حيث تتركز الخبرات المتراكمة للطبقة عبر عقود وقرون.

إهمال التماسك التنظيمي والقراءة النظرية لهما عواقب وخيمة، وفي الوقت ذاته الميل للنشاطوية يعني أيضا وقوع العضوية الجديدة بكل سهولة في مستنقع الإحباط عند أي تراجع للحراك الجماهيري في الشارع والجامعات، وهي تراجعات يعلم جيدا الاشتراكي الثوري الذي قرأ تاريخ الثورات السابقة في مصر والبلدان الأخرى أنها مؤقتة، ولا تحسم أي ثورة في 18 يوم ولا 18 شهر، بل تستغرق سنوات، تتخللها الانتصارات والهزائم والمد والجزر قبل اعلان الانتصار النهائي أو الهزيمة النهائية أيضا.. فلا يوجد أي شئ حتمي في قاموسنا.

ولا يكاد يمر يوم إلا وسمعت فيه دعاوى من زملاء في اليسار المصري لفكرة “اليسار الواسع”، و”الحزب اليساري الموحد” الذي يضم جميع “أطياف اليسار” في مواجهة ذاك أو كذا.

وحقيقة الأمر أن تلك الدعاوى ليست جديدة. وقضية شكل التنظيم وآلياته مثار نقاش الثوار الماركسيين على مدار نحو القرنين الماضيين، وتعددت فيها الاجتهادات. ولكن تبقى أهم الدروس المستفادة أن غياب الاستقلال التنظيمي للاشتراكية الثورية لا يؤدي إلى شئ سوى الذوبان والتحلل في الكيانات الأكبر الإصلاحية حتى بالرغم من توهم بعض المخلصين من الثوريين على قدرتهم كأفراد على إحداث تغيير جذري من الداخل ودفع هذا الكيان الإصلاحي إلى خط “أكثر يسارية”.

لا يعني ذلك أن الحزب الثوري يجب أن ينغلق على نفسه ويرفض التحالف والتنسيق مع قواعد القوى الأخرى اليسارية الثورية والإصلاحية معا، بل ذلك مرحب به وضروري جدا كلما أتيحت فرصة لذلك طالما أن هناك عمل حقيقي مشترك سيتم على الأرض يدفع بعجلة الثورة أماما، وهذا يحتم على الرفاق أيضا التعامل بـ “روح زمالة عالية” مع نظرائهم في الحركات الأخرى، وألا نستعمل أسلوبا متعاليا أو هجوما شخصيا كما يحدث من البعض على فيسبوك وتويتر، ولا يعني ذلك التوقف عن النقد السياسي الصارم للأحزاب والحركات التي ننسق معها، ولكن يختلط الهزل بالجد ويصعب تنفيذ أي عمل مشترك عندما يتحول النقد السياسي إلى تشهير شخصي وشتائم.

وعند عملنا الجبهوي لا نتخلى عن رايتنا السياسية ولا نخفي هويتنا.

ولكن هل يعني ذلك أننا في انتظار نمو الكيان إلى أن يصبح الحزب الثوري الأوحد الذي يقود الثورة وحده في يوم من الأيام؟ الإجابة بالطبع لا، وهذا تصور حالم وكاريكاتوري لدى البعض كما لا تتواجد له أي سوابق تاريخية في عمليات بناء الأحزاب الجماهيرية الضخمة.

الحزب الثوري الجماهيري الذي نسعى له سيتحقق عندما على الأقل ننجح في تكوين نواة صلبة له، تستطيع أن تلعب دور القطب الجاذب ليس فقط لـ”أفراد”، بل لجماعات وحركات وأحزاب تدخل ككتل جماهيرية وينصهر الجميع في كيان ثوري واحد بخط سياسي واحد حتى ولو كانت هناك اختلافات وتباينات في التقديرات الإستراتيجية والتكتيكات. وجود تلك النواة المتماسكة لهذا الحزب ضرورية للغاية حتى ولو كان الحزب الثوري الجماهيري الممتد في محافظات الجمهورية بأكملها سيعاني بالضرورة من سيولة تنظيمية في أطرافة بانتشاره الجغرافي (وهنا تأتي تكنولوجيا الاتصالات لتوفر حلولا في محاولة لخلق قنوات اتصال داخلية سريعة وفعالية لمحاولة مواجهة هذه السيولة).

وفي غياب تلك النواة الصلبة وغياب التنظيمات الجماهيرية اليسارية الثورية على الأرض، يظل الحديث عن “وحدة اليسار” في حالات لا يعدو أكثر من وحدة “اتلم المتعوس على خايب الرجا”، فلنركز جهودنا على بناء كيان ثوري حقيقي على الأرض بدلا من تضييع الوقت في التباكي على “الوحدة المفقودة”، فليركز كل كيان ثوري جهوده في البناء في الموقع المتواجد به أولا ولنسعى للعمل المشترك في أي موقع نتواجد به مع قوى سياسية أخرى صديقة، وعبر هذا العمل القاعدي المشترك والنمو على الأرض ستفرض الوحدة نفسها على تيار اليسار الثوري والعناصر المناضلة.

الماكينة التنظيمية:
“إذا فقد المسمار فقدت الحدوة، وإذا فقدت الحدوة سقط الحصان، وإذا سقط الحصان سقط الفارس، وإذا سقط الفارس فقدت المعركة”.. حكمة عربية قديمة لا يحضر ذهني غيرها حين نتناول موضوع الماكينة التنظيمية ومشكلة غياب الإنضباط التنظيمي والترهل في تأدية المهام والتكليفات.

هذه “النواة الصلبة” أو قلب “الماكينة التنظيمية” لا يتحمل على الإطلاق الاهتزاز في الأداء، وأصغر ترس في تلك الماكينة بنفس قدر أهمية أكبر ترس، وإذا حدث خلل أو تقصير في مهمة قد تشعر أنها صغيرة وثانوية، لكن هذا الخلل له دائما تبعات أكبر وسيؤدي حتما إلى أعطاب أكبر في الماكينة التنظيمية.

الكل يسعد عند رؤية مواجهات جماهيرية مع قوات النظام أو عند المسيرات المليونية، ولكن القليل من الصبر والدأب على العمل التنظيمي المرهق والذي قد يشعر البعض بأنه رتيب، لا يقل أهمية عن الأول. ولنتذكر أنه ما من فشل “كبير” إلا وكان نتاج تراكم فشل “صغير” تلو الآخر.

يصف توني كليف (في كتابه “لينين: بناء الحزب”) ورشة الطباعة الخاصة بحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي في 1904، والتي آلت للبلاشفة في منتصف 1905:
“كانت تلك حقاً أكبر ورشة طباعة في روسيا، كانت حرفياً سرية (في قبو تحت الأرض). كان يعمل بها سبعة من أعضاء الحزب شديدي التفاني والتضحية، وكانوا يعملون 10 ساعات يومياً، وعدد لا محدود من الساعات في حالات الطوارئ، بينما لم يكن للقبو أية وسائل تدفئة أو تهوية. ولعدم إثارة الشكوك، لم يكن يُسمح لأي من العاملين بالخروج من القبو خلال ساعات النهار، بينما كانوا يغادرونه فقط أثناء الليل لساعتين من الزمن في الهواء الطلق”.

لا نعلم أسماء أعضاء الحزب السبعة المشار لهم في كتاب كليف، ولكن التضحية التي قام بها هؤلاء السبعة من العمل الرتيب في ظروف غير إنسانية أملتها المخاطر الأمنية كان لها تأثير محوري في نجاح الحزب البلشفي كله، ووصول جرائده ومطبوعاته وأفكاره لأرجاء روسيا المترامية الأطراف. فشل هؤلاء السبعة في مهمتهم كان يعني تعطل الماكينة التنظيمية للبلاشفة في روسيا بأسرها. ولا يختلف الحال في مصر اليوم، فعدم اكتمال تنفيذ أي مهمة صغيرة يكلف بها أي كادر بالاحتراف المطلوب يؤدي إلى توابع أكبر قد تشل حركة الجميع.

ولكن شئنا أم أبينا، سيظل دائما هناك تفاوت في الالتزام التنظيمي، ولا تتوقع من جميع أعضاء الكيان الثوري نفس درجة الالتزام والتضحية في العمل التنظيمي، فهذا يرجع ليس فقط لدرجة اقتناعهم وإيمانهم بالمشروع السياسي، ولكن يرجع الترهل في أوقات أخرى لظروف شخصية قهرية وطبائع البشر المختلفة.

يجب أن يضع الجميع في الاعتبار أننا نتعامل مع بشر وليس أبطال من قصص أسطورية أو قديسين. يمر كل شخص بفترات إحباط لأسباب شخصية أو سياسية، ومن المهم تفهم ذلك واستيعابه، وخصوصا أن مشروعنا طويل المدى وأمامنا سنوات (نعم سنوات وليس أسابيع أو شهور) لحسم الثورة المصرية. والعمل التنظيمي هو المقياس الحقيقي لفرز الكوادر، فالكل مرة أخرى يسعد بالمواجهات والمليونيات، ولكن قليل من لديه الصبر على العمل التنظيمي الذي قد لا يرى نتائجه مباشرة.

هناك دوائر من المتعاطفين واسعة أو أعضاء حديثي الانضمام، لا يستطيعون أداء مهام تنظيمية نظرا لظروف عملهم أو لظروف شخصية وحياتية. وفي نفس الوقت لا تسمح الظروف لسبب أو لآخر بقيامهم بنشاط في موقع عملهم أو سكنهم. يجب علينا دائما البحث باستمرار عن أطر واسعة، حول الماكينة التنظيمية، لاستيعاب طاقتهم بقدر ما تسمح به طاقتهم والتواصل معهم قدر المستطاع بصورة منتظمة ولو حتى بقوائم البريد الإليكتروني، حتى لا نفقد الصلة بهم على الإطلاق، ومن لا تسمح ظروفه بالنشاط اليوم قد تسمح الظروف له بعكس ذلك غدا.

القيادات التنفيذية:
في ظل الظروف الأمنية التي أملت عمل القيادات السياسية للبلاشفة من خارج روسيا، كان سبل الاتصال بين القيادة السياسية في الخارج والتنفيذية في الداخل محدودة وضعيفة بل ومقطوعة في حالات كثيرة، وكانت هناك رسائل كثيرة للينين تنتهي في أيدي شرطة القيصر.

في ظل إنقطاع التواصل وضعفه، استمر الحزب البلشفي في عمله بروسيا لأنه امتلك ماكينة تنظيمية قوية بقيادات تنفيذية متفانية في العمل ومتماسكة أيضا على المستوى النظري.

ولا يفوتنا هنا تعريف القارئ بأحد أكثر المناضلين إخلاصاً وتفانياً في تاريخ البلشفية الروسية، وهو يعقوب ميخائيلوفيتش سفيردلوف. انضم سفيردلوف لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي في 1901، وبعدها أعلن تأييده للبلشفية في 1903، واختير عضواً في اللجنة المركزية للحزب البلشفي عام 1913. وخلال الأشهر الثورية العصيبة للعام 1917، لعب سفيردلوف من وراء الستار دور المنظم الفعلي للحزب بأكمله. يقول عنه أناطولي فاسيليفيتش لوناتشارسكي في كتيبه “لوحات ثورية”: “عندما صدر الأمر بإلقاء القبض على لينين وزينوفيف، واعتقلت أنا وتروتسكي وكثير من البلاشفة، ظل سفيردلوف طليقاً. وجعل هذا الظرف من سفيردلوف القائد الفعلي للحزب في تلك اللحظة المصيرية والرجل الذي شد عزيمته رغم الهزائم التي حلت به”. كان سفيردلوف وافر المجهود إلى حد أذهل رفاقه وجعله محل إبهار لجميع الثوريين الروس. وفي عام 1919، “انهار سفيردلوف متوفياً (عن عمر يناهز 34 عاماً فقط) تحت وطأة المهام الفائقة لطاقة الإنسان التي أخذها على عاتقه” (لوناتشارسكي). وفي تأبينه، قال لينين: “إن أشخاصاً مثله ليس لنا غنى عنهم، وسنحتاج إلى فرقة كاملة كي تحل محله”.

حتى ولو تعرضت القيادة السياسية لأي كيان ثوري للتخبط أو الإنقسام أو الاعتقال، ما يحمي الكيان ويضمن استمراره وعدم تأثره هو وجود قيادات تنفيذية حقيقية متماسكة سياسيا تشرف على قيادة الماكينة التنظيمية على الأرض. هم الضباط وصف الضباط المنتخبين والمعينين في الحزب الثوري، هم الكوادر الوسيطة، هم من يقيمون أي كيان أو يهدمونه. بدونهم تظل الرؤية السياسية حبيسة الأوراق ولا تترجم نفسها إلى عمل ملموس على الأرض، وبدونهم تهترأ الماكينة التنظيمية وتتفتت القواعد وتستمر حالة السيولة ويغيب التماسك التنظيمي من أي نوع.

لقد قطعنا شوطا طويلا مقارنة بالعام الماضي في النمو، ولكن ما زال أمامنا الكثير من المهام لتطوير ماكينتنا التنظيمية، وقدرتنا على الاتصال الداخلي السريع، وخلق صف ثانٍ من القيادات السياسية والتنفيذية في كل موقع وقطاع، وتلك مسائل ملحة لا تحتمل التأخير في التناول ولا يجب أن نتناساها في ظل الانشغال اليومي بالعمل في الشارع والحملات المشتركة.

تموز  ٢٠١٣

بقلم حسام الحملاوي

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *