تحليل لطبيعة الانتفاضات الطلابية

تحليل لطبيعة الانتفاضات الطلابية

 سلمى رشدي

يناير 1994

لقد كان التعليم العالي في مطلع القرن العشرين هو التدريب الذي يتلقاه أبناء الطبقات الحاكمة وجزءًا صغيرًا من أبناء الطبقات المتوسطة، في مخلتف بلاد العالم في ذلك الوقت، حتى يتمكنوا من لعب الدور المطلوب منهم في خدمة الطبقة الحاكمة على المستوى الفكري والأيديولوجي فكان التعليم العالي موظفًا بشكل أساسي في إنتاج المحامين وكبار الموظفين والمديرين، وبالتالي كان شكله المطروح يناسب هذا القطاع الاجتماعي الذي يعيش على فائق القيمة، وكانت الصفة الأساسية لهذا النظام التعليمي الموجه إلى الصفوة هي بعده التام عن الحقيقة، من خلال تركيزه على كلاسيكيات المعرفة، والأشياء “العظيمة” في التاريخ، والهدف الأساسي منه هون توجيه فكر أشخاص سوف يتحولون ليصبحوا نوى الاستغلال، إلى إدراك حقيقتين هامتين، الأولى هي الانتماء للصفوة، والثانية هي الإيمان بحق المرء فيما يفعله وقدرته على القيادة.

في مثل هذا النظام لا يمكن أن يصبح الطلبة ثوريون إلا في تمرد البرجوازية ذاتها على النظم الإقطاعية والملكيات المستبدة ولكن عندما تواجه البرجوازية تهديدًا ثوريًا من قبل الطبقة العاملة، سيتخذ هؤلاء الطلاب موقفًا رجعيًا، مثلما حدث في فرنسا 1848، وفي روسيا 1917، وفي ألمانيا في سنوات 1919 ـ 1923، وسنوات 1930 ـ 1933.لكن احتياجات النمو الرأسمالي في القرن العشرين تطلبت نظامًا جمعيًا مختلفًا فالرأسمالية التي كان أساسها هو المنافسة بين شركات خاصة وتطورت إلى أشكال احتكارية تعتمد على الأسهم ثم أصبحت تحتاج إلى تدخل الدولة عبر عمليات التأميم، ازدادت ارتباطًا بالدولة مع الوقت، وأصبح التراكم الرأسمالي الناجح يحتاج إلى التطبيق المستمر والمنظم للعلم والتكنولوجيا في الصناعة، وأصبح في حاجة إلى جماهير من الموظفين يعملون داخل الأجهزة البيروقراطية في أعمال خاصة بالتحكم ، وفي مساعدة البرجوازية في المحافظة على هيمنتها الأيديولوجية، وأصبح بالتالي على الجامعات أن تتوسع لتوفر هذه الحاجات.

كان التوسع الكمي في أعداد الطلاب بطيئًا في البداية ثم زادت معدلاته بشكل سريع في فترة الازدهار الاقتصادي التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ولم يكن التوسع كميا فقط، لكن كان هناك أيضًا توسعًا كيفيًا، فعلاقة الجامعات بالمجتمع تغيرت، وكان عليها أن تخرج أعدادًا هائلة من التكنوقراط والموظفين، إلى جانب الحكام والمفكرين، أي كان عليها أن تصبح مصانع للمعرفة.

لم تعد الجامعات مجتمعات صغيرة لأبناء الطبقة الحاكمة ومعلميهم، لقد ظل مديرو الجامعات وعدد من أساتذتها من أبناء تلك الطبقة، لكن التركيبة الاجتماعية لغالبية المحاضرين والطلبة قد تغيرت نتيجة للوضع الجديد، فلم تعد البرجوازية هي الأصل الطبقي للطلبة، لكن أصبحت الغالبية العظمى منهم من أبناء الطبقات المتوسطة، وأصبحت المواقع الطبقية التي صوف يشغلها هؤلاء الطلاب بعد تخرجهم، هي مواقع الطبقات المتوسطة، وسوف يعمل أغلبهم كأجراء داخل المؤسسات الرأسمالية الكبرى، إن هذا لا يعني أيضًا أن الطلاب كانوا جزءًا صغيرًا منهم يتنقل بعد التخرج إلى صفوف الطبقات الحاكمة.

سوف يكون من الخطأ نتيجة لتنوع الأصول الطبقية للطلبة والمواقع الاجتماعية التي سيشغلونها بعد تخرجهم أن نعتبرهم طبقة اجتماعية موجودة بالفعل فهم مجموعة من الشباب في مرحلة انتقالية لم تحدد بعد مواقعهم الطبقية.

خلال تلك المرحلة الانتقالية سنجد بعض العوامل المشتركة التي تجمع بين الطلبة أهمها أنهم مركزون في أعداد كبيرة، ومعظمهم يواجه نفس الصعوبات الاقتصادية، والأهم أنهم جميعًا يواجهون نفس نظام الامتحانات الغاشم، هذا النظام الذي كان في فترة الستينات ومطلع السبعينات، أي أثناء ازدهار رأسمالية الدولة على مستوى العالم، أحد العوامل الرئيسية في تحديد من من هؤلاء الطلبة سينتقل بعد تخرجه إلى مواقع طبقية متقدمة، ومن سينتهي به الحال إلى وضع لي أفضل كثيرًا من العمال اليدويين إن نظام الامتحانات لم يكن أبدًا أداة لربط وتوحيد الطلبة بقدر ما كان أداة لتفرقتهم، حيث يرى كل منهم نفسه مفصولاً عن الآخرين، في إطار تحديد موقعه الطبقي المستقبلي.

إن الطلبة جماعة من البشر لا تتمتع بأي علاقة محددة بعملية الإنتاج، سوف تتحدد مواقعهم الطبقية بناءًا على عوامل خاصة بسوق العمل، وإنجازاتهم الفردية داخل نظام الامتحانات، لكنهم جماعة مضطهدة، فمن جهة يواجهون نظامًا للامتحانات يخنق آية إمكانيات فكرية، ومن جهة أخرى يسردهم شعور بعدم الأمان بالنسبة للمستقبل في ظل ظروف اقتصادية صعبة يعيش فيها معظمهم، بالإضافة إلى الأزمة المعرفية الناتجة عن نوع الدراسة التي يتلقاها الطلبة داخل الجامعة، التي يلقنون بها، حتى يكونوا قادرين على نقلها إلى غيرهم بعد تخرجهم، في ذات الوقت الذي يكتشفون فيه تناقض تلك الأيديولوجيا مع المواقع، بسبب احتكاكهم بهذا الواقع من خلال مواقعهم الطبقية المختلفة.

إن حالة من الاغتراب العام تسرد بين الطلبة نتيجة للأشكال المختلفة من الاضطهاد التي يعانون منها، وهذه الحالة تعبر عن نفسها بشكل سلبي أحيانًا، مثل محاولة الحرب باللجوء إلى المخدرات وأشكال الإدمان المختلفة، وأحيانًا أخرى تعبر عن نفسها بشكل إيجابي في انفجارات وحركات احتجاج واسعة ومفاجئة تواجه السلطات داخل الجامعة وخارجها، فحالة الاغتراب تلك تساعد الطلبة على تبني كافة الأفكار المعارضة والرافضة للنظم الحاكمة، وأيضًا تساعدهم على الاستجابة السريعة لأي مؤثر سياسي خارجي، لكن نتيجة لتنوع الأصول الطبقية للطلبة، وبسبب تغير الفئات الاجتماعية السائدة بينهم في فترات التاريخ المختلفة، سنجد الحركات الطلابية في حالة تذبذب دائم بين الاتجاهات السياسية المختلفة، وفي حالة صعود وهبوط حاد، ولأن الحركات الطلابية الصاعدة تمثل قوة سياسية على الساحة، فإن الحكومات البرجوازية سوف تسعى إلى السيطرة عليها طول الوقت، من خلال نظم الامتحانات، وترويج مفاهيم بعينها داخل المناهج التعليمية، وفرض الوصاية السياسية والإدارية على كافة المؤسسات الطلابية.

شهد العالم صعودًا حادًا في الحركات الطلابية في الستينات ومطلع السبعينات، واتسمت هذه الحركات منذ بدايتها بطابع يساري معادي للأنظمة الحاكمة، لكنها في ذات الوقت كانت تتمتع بفقر شديد في وعيها الطبقي، ومعادتها للأنظمة الحاكمة لم تكن تأييدًا للصراع الطبقي، فهم ـ أي الطلبة ـ كانوا يرون أنفسهم في موقع متميز لتهديد السلطة، وإن الحلف القادر على مواجهة السلطة يشمل الطلبة وشرائح من الطبقات “الوسطى والفقراء” وأن النظام الرأسمالي العالمي أصبح مغلقًا لا يمكن تهديدة غلا من قبل المجموعات الهامشية وشعوب العالم الثالث، أي أن تحرير العمال لا يمكن أن يكون مهمة العمال أنفسهم، لكنه يستلزم وجود عناصر من المثقفين تقوم برفع الغطاء عن أعين العمال، وكان نتيجة لهذه الرؤى التي سادت الحركات الطلابية في بدايتها، ظهور قيادات كاريزمية تعبر عن العداء للسلطة، وتدعي غالبًا نهاية عصر القادة من أي نوع، وكان نتيجتها أيضًا تذبذب الحركات الطلابية في اتجاهات حادة طول الوقت وتراجعها في النهاية.

في جامعة بركلي الأمريكية كانت توجد في مطلع الستينات حركة صغيرة للدفاع عن الحقوق المدنية للسود، ونتيجة لموقف الإدارة الجامعية من هذه الحركة، صعدت في ديسمبر 1964 حركة طلابية واسعة ضمت مجموعات راديكالية واشتراكية ومنظمات سلام وأيضًا مجموعات دينية ويمينية، ذات مطلب أساسي هو الدفاع عن حق الطلبة في تنظيم أنشطة سياسية داخل الجامعة، خاصة ضد التفرقة العنصرية.

وانتشرت الحركة الطلابية من جامعة إلى جامعة حول العالم، فانفجرت في الجامعة الحرة في برلين الغربية في يونيو 1966 حركة طلابية واسعة، بدأت باحتجاج الطلبة على رفض الإدارة السماح بعقد محاضرة، كان مقترحا أن يلقيها أحد الكتاب المعادين للنظام، وتصاعدت الحركة احتجاجًا على حرب فيتنام، وعقاب الإدارة لبعض قادة الاحتجاج، وكانت تقود تلك الحركة منظمة ماركسية تتبنى تحليلات مدرسة فرانكفورت، ومنظرين مثل هربرت ماركوز، حول دور الطلبة والمجموعات الهامشية في تغيير النظام الرأسمالي القائم، وانتشرت تلك الحركة بعد ذلك في معظم جامعات ألمانيا في عام 1967.

وفي مارس 1967 انفجرت حركة أخرى في مدرسة لندن للاقتصاد السياسي احتجاجًا على تعيين أ؛د المتواطئين مع النظام العنصري في روديسيا، مديرًا للمدرسة، وبعد الإجراءات العقابية التي اتخذت ضد ممثلي الطلبة، انتشرت الحركة في معظم جامعات بريطانيا في 1968، وفي البداية كان الماركسيون يلعبون دورًا محددًا في الحركة، لكن بعد عامين من صعود الحركة في بريطانيا، وبعد صراع وحوار لم ينقطع، أصبح لهم دورًا كبيرًا، وأصبح شعار الحركة الرئيسي موجه ضد البرجوازية، لكن أيضًا كان الماركسيون في ذلك الوقت يتوجهون أساسًا لخلق قواعد حمراء لهم في الجامعات.

وفي خريف 1967 صعدت حركة طلابية واسعة في إيطاليا، بدأت في جامعات تورين وتورنتو والجامعة الكاثوليكية في ميلانو، وانتشرت في كل جامعات إيطاليا في يناير وفبراير 1968، وكان هدف الحركة في البداية الاحتجاج على زيادة عدد الامتحانات المطلوب أدائها، ثم تطورت سريعًا وأصبحت حركة احتجاج سياسية واسعة، وساعد في ذلك قمع الإدارة الجامعية والبوليس للحركة.

وفي فرنسا من مارس 1968 انفجرت حركة طلابية في جامعة تانتر احتجاجًا على منع الطلبة والطالبات من زيارة بعضهم البعض في المدن الجامعية، وانتشرت في كل جامعات فرنسا في مايو 1968، وتحولت سريعًا إلى حركة احتجاج سياسي واسعة، وساعدت على انفجار حركة عمالية كبرى، تحدثنا عنها بالتفصيل في العدد السابق، وعلى الرغم من أن الحركة الطلابية منذ البداية كانت معادية بشدة للسلطة، إلا أنها في بدايتها لم تتعدى في الشعارات التي ترفعها مفاهيم “السلطة للطلبة” و “من أجل تحرر الإنسانية”.

وانفجرت في مارس 1968 أيضًا حركة طلابية في جامعة كولومبيا الأمريكية، احتجاجًا على طرد عدد من السود من مساكنهم لتوسيع المنشآت الرياضية للجامعة، وانتقلت الحركة سريعًا لتصعد مرة أخرى في جامعة بركلي، ثم انتشرت في عدد من الجامعات الأمريكية، وكان اليسار الجديد يهيمن على الحركة في أمريكا، ويطرح بدائل أخلاقية دوجماتية، وحتى بعد ضرب فيتنام وسقوط أوهامهم عن الحزب الديمقراطي، لم يتبنوا أي استراتيجية طبقية لمواجهة الإمبريالية، وظلت مواقفهم تنطلق من مساعدة الفقراء ودور الطلبة في مواجهة الصفوة الأمريكية وبناء العالم الجديد.

وفي مارس 1968 أيضًا انفجرت حركات طلابية واسعة في جامعات وارسو في بولندا، ومدريد وسانتياجو في أسبانيا الفاشية، وفي مارس 1968 أيضًا انفجرت حركة طلابية في مصر احتجاجًا على هزيمة 1967، التي فضحت الدعاية التي روجها النظام الناصري عن نفسه طول الوقت حول قدرته في تحقيق المشروع القومي المستقل، وكانت هذه الحركة أول مواجهة طلابية مع النظام الحاكم في مصر منذ يوليو 1952.

الحركة الطلابية في مصر

كان موقف النظام الناصري من الطلبة بعد انقلا يوليو، ينطلق أساسًا من ضرورة كسبهم والسيطرة عليهم، واعتمد في ذلك على سياستين، الأولى خاصة بالمناهج والنظم التعليمي، حيث تم تسييس المناهج في اتجاه المزج بين الفخار الوطني والولاء السياسي للدولة، والتأكيد على الطابع القومي والوطني للنظام، بالإضافة إلى دعم نموذج الحياة السياسية الخالي من المشاركة بتكريس سلطة المدرس وأسلوب الحفظ والأحادية والروتين، أما السياسة الثانية فكانت الدعاية للنظام برسم صورة غير حقيقية لدور الطلبة في المجتمع الجديد، نتيجة للتوسع في التعليم العالي، التحقت أعداد واسعة من أبناء البرجوازية الصغيرة بالجامعة، حتى أصبحوا يمثلون غالبية الطلاب، وفي محاولة من النظام للسيطرة على تلك الطبقة كان يروج لوهم مشاركتها في الحكم عن طريق الجيل الجديد من أبنائها خريجي الجامعات.

إلا أن ممارسات النظام الاستبدادية وسياساته الاقتصادية، بدأت تفضح تدريجيًا كل تلك الأوهام، وبعد هزيمة 1967 وانهيار المشروع الناصري، انفجرت سلسلة من حركات الاحتجاج الطلابية، المعادية بدرجات متفاوتة للنظام بدأت بانتفاضة 1968 واستمرت بعد طوال عهد السادات.

في مطلع عام 1972 صعدت حركة طلابية جديدة، كان سببها الرئيسي عدم تنفيذ السادات لوعده بأن يكون عام 1971 هو عام الحسم، وتشكلت في قيادة الحركة “اللجنة الوطنية العليا لطلاب جامعة القاهرة”، التي طرحت وثيقة مطالب، عبرت عن برنامج سياسي للحركة، وتحددت المطالب في النقاط التالية:-

1. ضرورة خوض حرب تحرير شعبية شاملة لاستعادة الأراضي المحتلة بالقوة، وعدم جدوى القرار 242 والوسائل الدبلوماسية.

2. المطالبة بالديمقراطية عن “طريق حرية الصحافة والمشاركة في الحكم، ولم تطرح الحركة في ذلك الوقت مبدأ التعددية الحزبية.

3. ضرورة قيام اقتصاد حرب، تقدم فيه كل طبقة اجتماعية تضحيات نسبية تحدد على أساس قدرتها على المساهمة.

4. وسوف نلاحظ بعض الخصائص الهامة في الحركةالطلابية لعام 1972 مثل:

أولاً: انفردت الحركة الطلابية بمطلب حرب التحرير الشعبية في مواجهة إسرائيل وبهدف تحرير الأرض مما أعطاها أهمية كبيرة بين الجماهير في ذلك الوقت.

ثانيًا: كانت مطالبة الحركة بالديمقراطية والمشاركة في الحكم، تعكس انهيار الوهم الذي حاولت البرجوازية ترويجه، بالسماح للبرجوازية الصغيرة بالمشاركة في الحكم عن طريق الجيل الجديد من أبنائها المتعلمين.

ثالثًا: هيمنت فصائل اليسار الستاليني على الحركة الطلابية واستطاعت أن تبتدع أشكالاً تنظيمية ناجحة، كجماعة أنصار الثورة الفلسطينية واللجنة الوطنية العليا للطلاب، وساعدت هذه الأشكال على ربط الحركة في جميع الكليات وفي توحيد المطالب السياسية والطلابية.

رابعًا: افتقار الحركة إلى رؤية طبقية صحيحة لطبيعة السلطة الحاكمة في مصر، وأعربت عن ثقتها في وطنية تلك السلطة بمحاولاتها تقديم الوثيقة الطلابية إلى رئيس الجمهورية في ذلك الوقت، ويعود الطابع الوطني لمطالب الحركة وغياب الرؤية الطبقية داخلها، إلى عدم وجود تلك الرؤية لدى الفصائل الستالينية ذات الطابع الوطني المهيمنة على الحركة.

وفي عام 1973 اشتعلت الحركة الطلابية مرة أخرى، لكنها في هذه المرة كانت موجهة أساسًا لقضية الديمقراطية وضد استبداد النظام، بعد تلويحه ببداية حل القضية الوطنية، وخوضه الحرب في مواجهة إسرائيل، وفي عام 1973 بدأ التيار الإسلامي في الظهور داخل الجامعة، وخلال فترة قصيرة من الوقت لم تتعد عدة سنوات أصبح يسيطر على معظم الاتحادات الطلابية، ولقد نضج في البداية في التعاون الحذر التكتيكي مع النظام الذي أبدى الرغبة في ذلك لكسر شوكة اليسار داخل الجامعة، واستطاع التيار الإسلامي أن يستثمر تلك الفرصة بفاعلية، حتى أصبحت له شعبية واسعة بين الطلاب.

ويمكن أن نحدد ثلاث عوامل أساسية ساعدت على نمو التيار الإسلامي وسط الطلبة الجامعيين في مصر:-

أولا: الضوء الأخضر الذي أعطته الدولة للجامعات الإسلامية في البداية، بالإضافة لقانون اتحاد الطلبة مما ساعد الجماعات في السيطرة على اتحادات الطلبة، ووجدت منبرًا شرعيًا لدعايتها مكنها من توطيد صفوفها.

ثانيًا: تراجع تأثير اليسار داخل الجامعة، نتيجة للتراجع النسبي للقضية الوطنية، التي كانت محورية بالنسبة لليسار وعلى رأس جدول أعمال الحركة الطلابية التي هيمن عليها، وساعد ذلك على نمو التيار الإسلامي دون وجود منافس حقيقي.

ثالثًا: تكتيك تقديم خدمات عملية واجتماعية للطلبة، الذي اتبعته الجماعات الإسلامية، مثل طباعة مذكرات بأسعار رخيصة أو تسيير أوتوبيسات خاصة للفتيات، هذه الخدمات التي تعالج مشاكل يومية مزمنة بالنسبة للطلاب، تزينها مجموعة من الشعارات البسيطة شديدة القرب من عواطفهم، تخلق نفورًا بينهم وبين المجتمع الذي يعيشونه، وترغبهم في مجتمع إسلامي حقيقي يحققون فيه كل أمانيهم.

وعلى الرغم من نمو التيار الإسلامي، إلا أن اليسار الستاليني ظل له وجود داخل الجامعات المصرية، طوال السبعينات والثمانينات، وإن كان وجودًا محدودًا، إلا أن ذلك لم يمنعه من المشاركة بشكل أو بآخر في الحركات الجماهيرية، يأتي على رأسها انتفاضة 18 – 19 يناير 1977، التي لعب فيها دورًا كبيرًا، وإن لم يكن قد تخلص بعد من أوهامه حول وطنية السلطة، ففي اللحظة التي كانت الجماهير فيها تحطم كل ما يرمز إلى السلطة الطبقية في مصر، خرجت المظاهرات الطلابية من الجامعة يقودها الطلبة اليساريون باتجاه مجلس الشعب، للمطالبة بإلغاء القرارات التي أدت إلى الانتفاضة.

وخلال الثمانينات اشتعلت انتفاضة طلابية صغيرة في 1985 و 1987 وفي يناير 1991 اشتعلت انتفاضة طلابية أكثر حدة، بسبب حرب الخليج، انتشرت في عدد من الجامعات، وشارك فيها عدد كبير من الطلبة، وشهدت مواجهات دامية مع الشرطة أدت إلى مصرع أحد الطلبة، سيطرت عليها الشعارات القومية، ولم يستطع اليسار أن يطرح أي برنامج طبقي في تلك الحركة، أو يستثمرها في كسب عدد أكبر من الطلاب، نتيجة لغياب الأطر التنظيمية والبرامج الثورية التي يمكن أن تلعب هذا الدور، في مواجهة الشعارات القومية والدينية.

إن ما يسمى باليسار الجديد والذي ظهر في إطار الانتفاضات الطلابية في أوروبا في الستينات، كان يطرح أن الطلبة هم القوة الاجتماعية البديلة للطبقة العاملة التي فقدت ثوريتها، وأنهم بتحالفهم مع المثقفين، قادرين على تحرير العمال وتحرير العالم من النظام الرأسمالي، ونحن كاشتراكيين ثوريين نرى في هذا الطرح تمييعًا للصراع الطبقي واستبدالية فجة، فالطبقة العاملة هي القوة الاجتماعية الوحيدة القادرة على تدمير الرأسمالي، وتحرير نفسها وتغيير العالم، والطلبة ليسوا طبقة اجتماعية ولا يمكن أن يكونوا، فهم ـ كما ذكرنا من قبل ـ جماعة من الشباب من طبقات اجتماعية مختلفة في مرحلة انتقالية مضطهدون ويعانون من أزمة معرفية وحالة اغتراب عامة، وهذه الأزمة وحالة الاغتراب تسمح لأعداد كبيرة منهم أن يتبنوا رؤية ماركسية ثورية، لكن هذا لا يمكن أن يتحقق، دون أن يكون مطروحًا عليهم برنامج ثوري في إطاره السياسي والتنظيمي، يبتعد عن الأوهام القومية، ويطرح استراتيجية طبقية ثورية.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *