المرأة والثورة

المرأة والثورة

* تم نشر المقال لأول مرة في 23 فبراير 2012 بالموقع الإلكتروني لمنظمة البديل الاشتراكي في أستراليا

تعد مشاركة المرأة في ثورة يناير 2011 – المحجبات منهن والسافرات، الشابات والمسنات – واحدة من أهم السمات البارزة والملهمة للثورة المصرية. لقد تحدت المرأة المصرية بمشاركتها في الثورة القوالب النمطية المتحيزة التي لطالما ظلت حبيستها داخل المجتمع، وفي الغرب على حد سواء، حيث كانت تفترض الحركات النسوية الغربية أن النساء اللواتي يرتدين الزي الإسلامي أسيرات وصاية الرجل، وبالتالي هن غير قادرات على المشاركة في العمل السياسي.

لقد فندت المرأة المصرية تلك الأوهام تماماً، فرأيناها وهي تنظم المظاهرات وتقودها، وشاهدناها وهي تتحدث إلى وسائل الإعلام العالمية. وفي ليلة الثاني من فبراير 2011، عندما هاجم بلطجية مبارك اعتصام ميدان التحرير فيما عُرف إعلامياً بـإسم (موقعة الجمل)، لعبت المرأة دوراً هاماً، فشاركت في تنظيم الدفاع عن المداخل، وفي الخدمة بالمستشفيات الميدانية لإسعاف الجرحى، كما أنخرطت في القتال على الخطوط الأمامية أيضاً.

بالنسبة للماركسيين لا تعد مشاركة المرأة مفاجأة، كما أن تلك المشاركة تؤكد صحة واحدة من أفكارنا الأساسية ألا وهي: أن التغيير يحدث في المجتمعات فقط عندما يتصدى المجتمع بكامله للطغاة. والحقيقة أن تجربة الثورة المصرية ما هي إلا نموذجاً لتجارب الثورات في العصر الحديث، مراراً وتكراراً تبرز قضية تحرر المرأة كلما هب المضطهدون للنضال من أجل عالم أفضل. وتلك هي أيضاً إجابتي على أولئك المتسائلين عن كيفية الانتصار في معركة تحرر المرأة في ظل تلك المجتمعات المتخمة بالتحيز ضدها. لذلك دعونا نلقي نظرة على الأسباب التي أدت بنا إلى مثل هذا الحال.من المعروف أن اندلاع الاحتجاجات الجماهيرية يعمل على كسر رتابة وسلبية الحياة المعتادة، ما يمكّن الجماعات المضطهدة، لا سيما النساء، من تحقيق طفرة نوعية في أوضاعهم بل ونجدهم أيضاً في طليعة النضال. فمعركة التحرر معركة مصيرية بالنسبة للمرأة دون الآخرين، وبخوضها لن تخسر الكثير، بل إن مكاسبها مؤكدة، مما يجعلها أحياناً تبدو وكأنها الفصيل الأكثر حماساً والأكثر تشدداً من بين الثوريين.

وبرصد وضعية المرأة في المجتمع المصري، خاصة فيما يتعلق بالمشاركة في الاحتجاجات، سندرك التغيير الذي أدخلته الثورة على حياتهن. ففي مظاهرات ما قبل الثورة غالباً ما كان يطلب من المشاركات أن يرجعن للوراء وأن يقبعن في الصفوف الخلفية، الأمر الذي كان يثير دوماً حفيظتهن. لكن منذ 25 يناير، اختلف الأمر، وداخل ميدان التحرير أصبحت المرأة على قدم المساواة مع الرجل، وواجهوا سوياً الكثير من الأحداث والتقلبات، كان ذلك تغييراً مجتمعياً ملحوظاً وبدا الأمر وكأن مصر أصبحت مجتمعان، مجتمع التحرير وآخر خارجه.

والحقيقة أن مهمات النضال تتحدي كل الأفكار الانقسامية التي تهيمن على المجتمع الرأسمالي. وبالتالي يصبح تضامن ومشاركة طبقات واسعة من الناس أمراً لا غنى عنه لنمو وتطور النضال الثوري. وهكذا نجد أن الفكرة القائلة بأن المرأة لا دور لها وأنها لا ينبغي لها الانضمام إلى المظاهرات، تفقدت معناها ولا يعد لها وجود على أرض الواقع.

ثم يأتي الفعل الاحتجاجي ذاته ليتحدى القوالب النمطية المتحيزة ضد المرأة. ويمكننا رصد تغييرات ملحوظة في سلوك المرأة، حيث تزداد ثقتها بنفسها إلى الدرجة التي تجبر الرجال على مراجعة موقفهم حيالها، وبالتالي معاملتهن بشكل مختلف. لقد غيّر وجود المرأة بجوار الرجل في التحرير طبيعة العلاقة بينهم، وعندما رأى الرجال النساء وهن يقاتلن معهم في الصفوف الأمامية، تغيرت نظرة الرجال لهن، وبالفعل كانوا جميعاً متساوين ومتحدين. 

التاريخ الثوري للمرأة

إن العلاقة بين الثورة وحقوق المرأة علاقة قديمة جداً. وكان أول ظهور واضح لها عندما اندلعت الثورة الإنجليزية في منتصف القرن السابع عشرن حين ناضل الرانتيرز* (أو المتشدقون) والتي تعد من أكثر المنظمات التي ظهرت من أجل تحرير المرأة جذرية.

وفي عام 1789 كانت نساء الأسواق الشعبية في باريس هن المنظمات لموجة التمرد الثانية من الثورة الفرنسية، تلك الثورة العظيمة التي قوضت عروش أوروبا الإقطاعية وبشرت بظهور المجتمع الحديث. لقد سار آلاف المتظاهرين وهم مدججين بالسلاح، نحو قصر “فرساي” لإجبار العائلة الملكية على العودة إلى باريس ليواجهوا غضب الثوار. وتعد جمعيات “النساء العاملات” هي الأكثر جذرية من بين الجمعيات الراديكالية التي تم تأسيسها في ذلك الحين.

وفي باريس عام 1871، عندما اندلعت أول ثورة عمالية في التاريخ الحديث، شاركت المرأة منذ البداية وقامت بدور حيوي في الانتفاضة التي أدت إلى ظهور ما عرف بإسم “كوميونة باريس”، التي برهنت على أن بمقدور العمال خلق مجتمع أكثر ديمقراطية بخلاف الرأسماليين.

ويمكننا القول بأن من أكثر المشاهد إلهاماً والتي ميزت “الثورة الروسية” عام 1917، هي صور النساء المطحونات اللواتي بدأن الثورة في فبراير من نفس العام بمدينة “بتروجراد”، اللاتي لعب حشدهن للعمال وتحريضهن لهم على الإضراب في ذكرى اليوم العالمي للمرأة دوراً فاصلاً في توجيه الكتلة العمالية نحو بدء النضال. ولقد أشاد “ليون تروتسكي”، أحد قادة الثورة، بدور المرأة في كتابه “تاريخ الثورة الروسية”، كتب تروتسكي يقول: “كانت المرأة هي الأشجع والأشد عزماً فيما تعلق بمناشدة الجنود على التمرد وحثهم على رفض أوامر قادتهم، ودعوتهم لترك الخدمة العسكرية والانضمام إلى صفوف الثوار. وكانت قدرة المرأة على كسب الجنود حاسمة في الإطاحة بالقيصر، الذي كان يعد واحداً من أشد الطغاة وحشية في أوروبا بأسرها”.

أثناء ثورة العمال التي اندلعت في “المجر” عام 1918، صدر منشوراً سرياً داخل وزارة الحرب، بتاريخ 3 مايو يحتوي على تلك الملاحظات: “لا تسعى النساء العاملات في كثير من الأحوال إلى تعطيل عمل المصانع عن طريق الإضراب فحسب، بل يصل الأمر إلى إلقاء الخطب التحريضية والمشاركة في المظاهرات، بل ويتقدمن الصفوف وهن ممسكات بأطفالهن، كما يتعاملن بطريقة مهينة مع ممثلي القانون”.

كما ذكرنا سابقاً، نلاحظ عبر مختلف الثورات التغيرات التي تطرأ على حياة المرأة. أثناء الثورات نرى كيف يتعلم الرجل أن يظهر المزيد من الاحترام للمرأة، ليس هذا فحسب بل تصبح المرأة أيضاً أكثر قدرة على التصدي لأي سلوك سيء من قبل الرجال.

تروي النساء الإسبانيات ذكرياتهن عن ثورة العمال بين عامي 1936-1937: “كنا نتدرب مع ميليشيات من الذكور، ونقاتل إلى جوارهم على الخطوط الأمامية لمواجهة الفاشيين، كما كنا ننام في مخيمات محاطة بالرجال، ورغم هذا لم نشهد قط محاولات للتحرش الجنسي”. وفي مصر، كان الأمر مشابه لما جرى في إسبانيا، فطيلة ثمانية عشر يوماً قضتها النساء بجوار الرجال في التحرير لم ترد أنباء عن تحرش جنسي أو إساءة معاملة للمرأة.

كتب أحد مؤرخي ثورة 1917 الروسية يقول: “تسائل أحد الجنود ذات مرة، عن إمكانية ضرب الزوجات الآن بعد الثورة، وقد رأى الرجال كيف أن نساء الأحياء اللواتي كان يقفن بجوارهم في طوابير الخبز، هن أنفسهن من نفذن بأيديهن حكم الإعدام في من كان تثبت خيانته للثورة. وكانت الإجابة على تسائل الجندي حاسمة وقاطعة، بأن الطرق القديمة في معاملة المرأة لم تعد مقبولة ولا يمكن السكوت عنها بعد الآن”.

المرأة والتقسيم الطبقي

ومع ذلك، ينبغي علينا ونحن نحتفي بالتقدم الذي أحرزته المرأة في الثورة المصرية، ألا نغفل عن حقيقة أن هناك تقسيم طبقي للمرأة، وأن هذا التقسيم هو أساس المجتمع الرأسمالي. قد تدعم نساء الطبقات العليا المطالب الديمقراطية، أو تسعى إلى بعض الإصلاحات التي من شأنها أن تضعها على قدم المساواة مع الرجال من طبقتها. لكنها ستنقلب حتماً على المرأة الثورية من الطبقة العاملة ولن تهدر أي فرصة في سبيل الحفاظ على النظام الرأسمالي قائماً.

عندما قُمعت كويمونة باريس، ألقي القبض على آلاف الرفيقات حيث وُضعن في زنازين قذرة. بينما نظمت نساء الطبقات العليا جولات تفقدية لتلك الزنازين من قبيل الترفيه، كن يتجولن لمشاهدة الرفيقات الأسيرات واضعات المناديل المعطرة على أنوفهن إتقاءاً للرائحة الكريهة، وكن يضربهن بأطراف مظلاتهن الفخمة، غير قادرات على إخفاء الفرحة والشماتة في أحوالهن المتردية. وأعرب رجال ونساء الطبقات العليا عن أملهم في أن تنجح تلك المعاملة الوحشية والإذلال الذي حاق بالعمال في إثنائهم عن التفكير في التمرد مرةً أخرى.

أثناء الموجة الأولى لأي ثورة، غالباً ما تحتجب وتتوارى الانقسامات الطبقية. على سبيل المثال، في مصر، في البداية بدا الأمر وكأن الأمة بكاملها كتلة واحدة في مواجهة عصابة الحاكم الصغيرة، الأمر الذي شاهدناه مراراَ وتكراراَ في العديد من الثورات السابقة. ولكن، فور سقوط مبارك وشعور البعض بأن قدراً ما من الديمقراطية أصبح ممكناً، لم يعد لدى الرأسماليين والطبقات الوسطى رغبة فيما هو أبعد من ذلك. أنهم يريدون مواصلة الحياة كما كانت من قبل، وأن تظل القوانين التي تنظم العمل كما هي، كي يستمروا في استغلال رجال ونساء الطبقة العاملة.

ولكن كتلة العمال والفلاحون الفقراء بحاجة ماسة إلى ثورة اجتماعية شاملة، ثورة من شأنها أن تقوم بتغيير جذري كامل في التقسيمات الطبقية للمجتمع من أجل وضع حد لأوضاعهم البائسة. فالتصويت مرة كل بضع سنوات لاختيار الساسة في العاصمة البعيدة، لن يعيد للعمال حقوقهم المهدورة، ولن يوفر لهم الطعام على موائدهم.

هذا تماماً حدث في روسيا في الفترة من فبراير وحتى أكتوبر 1917. في البداية، أظهرت نساء الطبقة الرأسمالية من أمثال المدافعة عن حقوق المرأة “أريادنا تيركوفا”** الكثير من الفرحة، حيث كتبت في مذكراتها عن مظاهر الفرح والبشر التي علت وجوه الجماهير المحتشدة في الشوارع ابتهاجاً واحتفالاً بسقوط القيصر. ولكن وفي غضون أيام، كانت “تيركوفا” نفسها هي من كانت تشير في كتاباتها بنفور إلى من أسمتهم بـ “الغوغاء” مثيري الشغب والنساء اللواتي يصرخن في الشوارع طلباً للخبز.

لقد بذلت الحركات النسوية في روسيا جهوداً حثيثة في سبيل إقناع نساء الطبقة العاملة بالانضمام إلى منظماتهم قبل الثورة، بحجة أنهم يناضلون من أجل حقوقهم أيضاً. ولكن سرعان ما فندت الثورة تلك الأكاذيب؛ أيدت “تركوفا” وغيرها من النسويات الحكومة “الرأسمالية” المؤقتة الجديدة، وساندت جهودها الرامية إلى مواصلة الحرب، مما جعلهم في وضع المعارضة الكامل مع نساء الطبقة العاملة اللواتي كان خيار السلام وإنهاء الحرب واحداً من أهم مطالبهن في ذلك الوقت، لقد أرادوا وضع حداً للمجزرة التي راح ضحيتها الأزواج والآباء والأخوة. ولكن بماذا اهتمت نساء الطبقة العليا؟ لقد أرادوا للحرب أن تستمر لكي تحمي مصالحهم الإمبريالية.

وبحلول أوائل عام 1918، بعد تولي العمال للسلطة، تحولت كل الحركات النسوية المنتمية للطبقة العليا والوسطى إلى دعم الثورة المضادة أو ما عرف بالثورة البيضاء. والتي اشتهر جنودها بسوء السمعة وبارتكابهم جرائم اغتصاب، وغيرها من الأعمال الوحشية بحق النساء العاملات والريفيات. لقد انحازت الحركات النسوية من الطبقة العليا أثناء تلك الحرب الطبقية لأي شيء من شأنه أن يعجل بسحق الحكومة العمالية الوليدة آنذاك.

واليوم في مصر، تحاول قوى الثورة المضادة السيطرة على البلاد منذ شهور. وليس من المفاجئ أن نجد بعض النساء من اللاتي شاركن في اعتصام التحرير حتى سقوط مبارك، هن من يقومن الآن بتشويه سمعة الإضرابات العمالية وكل أشكال الاحتجاجات الجارية المطالبة بتغيير اجتماعي حقيقي. والحقيقة أنهم على يقين من أن التحريض المستمر من قبل العمال قادر على الإطاحة بالرأسمالية من جذورها، خاصة إذا ما كسبوا تعاطف الكتلة العظمى من السكان.

ولإحراز النصر في معركة تحرير المرأة، لابد أن تتوحد صفوف الطبقة العاملة، رجالاً ونساء، كي يقودوا جموع الطلبة والفقراء نحو ثورة تطيح بالرأسمالية تماماً. نحن بحاجة إلى بناء مجتمع اشتراكي جديد، وإذا ما توقفت الثورة في منتصف الطريق، أو تمكنت الثورة المضادة من هزيمتها وقمعها، فإن هذا يعني عودة الرأسماليين للحكم مرةً أخرى، ستعود الحياة الرأسمالية لطبيعتها وسيستمر اضطهاد المرأة.

الرأسمالية تعزز اضطهاد المرأة

في النظام الرأسمالي، هناك أقلية ضئيلة، هم الرأسماليون، أو أصحاب الأعمال الذين يوظفون الغالبية العظمى، والتي نصفها من النساء، بأجور أقل بكثير من مقدار الثروة التي ينتجوها من خلال عملهم، ومن هنا تأتي أرباح الرأسماليين. لذلك فإن للرأسماليين مصلحة قوية في الحفاظ على تدني الأجور لضمان مضاعفة الأرباح. كما أن من مصلحتهم أيضاً تعزيز الانقسامات داخل الطبقة العاملة، مما يصعب الفرصة أمام وحدة العمال للمطالبة بأجور أعلى، أو الدفاع عن حقوقهم النقابية، ناهيك عن التصدي لحقهم في استغلالنا جميعاً.

وهكذا فإن الطبقة الرأسمالية لديها مصلحة في تعزيز كل أشكال الاضطهاد: المهاجرين، اللاجئين، والأقليات الدينية – هؤلاء جميعاً مضطهدون في أماكن كثيرة، أما اضطهاد المرأة فهو ورقة الرأسمالية الرابحة في كل مكان. على سبيل المثال، إذا ما انساق رجال الطبقة العاملة وراء الأفكار المتحيزة ضد المرأة والتي يُروج لها يوماً تلو الآخر في نظام التعليم وفي وسائل الإعلام واتسم سلوكهم تجاه المرأة بقلة الاحترام، فإن ذلك سيضعف الطبقة العاملة بأسرها وسيحبط أي محاولة للتوحد لمواجهة أرباب الأعمال.

ولكن بشكل أساسي، يحقق الرأسماليون مكاسب وثروات هائلة عن طريق توظيف نصف القوى العاملة بأجور أقل بكثير مما كان يجب عليهم دفعه لو لم تكن المرأة مضطهدة. هناك قطاعات عمالية بكاملها مثل، التمريض، الرعاية الاجتماعية، وبعض الأعمال الكتابية وذلك على سبيل المثال لا الحصر، تعاني من تدني شديد في الأجور، ما يعني أيضاً توفير المليارات التي تصب في النهاية في جيوب أرباب الأعمال.

سيحرص الرأسماليون دائماً، بسبب منفعتهم المباشرة من اضطهاد النساء، على توظيف كل ما لديهم من سلطة وثروة ونفوذ لضمان نشر الأفكار القائمة على التحيز الجنسي، وغيرها من الأشكال الانقسامية الأخرى داخل المجتمع. وهذا هو السبب في أننا ورغم محاربتنا للتمييز على أساس الجنس، إلا أننا لن يمكننا القضاء عليه تماماً في ظل المجتمع الرأسمالي.

من ناحية أخرى، فإن تجارب الثورات تعطينا لمحة عن حل ممكن. في الثورة الروسية، حين تمكن العمال من انتزاع السلطة من الحكام لبضع سنوات وجيزة، كانت هناك إمكانية حقيقة نحو تحرير المرأة. بعد ثورة فبراير، وقبل الاستيلاء على السلطة في أكتوبر 1917، سعى العمال لمنح المرأة المساواة والكرامة. وكان تصويت النساء في المجالس العمالية (السوفيتات) أمراً مفروغاً منه. وفي أماكن العمل التي كانت تتسم بتنظيم عمالي جيد، إذا فشلت محاولات العمال في إجبار صاحب العمل على دفع أجور متساوية للعمال، كان العمال الأعلى أجراً يتبرعون بأجزاء من أجورهم ومن ثم تقسم المبالغ المجمعة بين العمال ذوي الأجور الأدنى، وغالباً ما كن من النساء. لقد أراد العمال أن يظهروا أن هدفهم هو خلق مجتمع كريم ولائق إنسانياً.

وكانت الحكومة التي تشكلت من المجالس العمالية وترأسها البلاشفة قادرة على استثمار هذا الوضع. وفي أول بيان له بعد إستيلاء العمال والفلاحين على السلطة قال “لينين” عبارته الشهيرة: “يجب أن يكون كل طاهٍ قادراً على إدارة البلاد”، ولقد اختار “لينين” عن عمد استخدام الشكل الأنثوي لكلمة “طاه” في اللغة الروسية، مما يعكس إلى أي مدى كان الأمل يحدو الثوريين فيما تعلق بقضية تحرير المرأة. وضمت الحكومة الثورية آنذاك سيدتين، البلشفية “ألكسندرا كولونتاي” و”ماريا ألكسندروفنا” عضو الحزب الاشتراكي الثوري للفلاحين. لتصبح المرأة الروسية وزيرة، الأمر الذي لم يحدث في بلدان أخرى إلا بعد هذا التاريخ بسنوات.

لقد صدقت الحكومة العمالية على القوانين التي منحت المرأة الحرية الاجتماعية والجنسية. وأنهت سيطرة الأسرة على المرأة، وألغيت كلمة “غير شرعي” كمفهوم قانوني. وأصبح حصول النساء على إجازة أمومة من العمل مدفوعة الأجر، قبل وبعد الولادة واجبة بنص القانون. وفي عام 1920 وبعد عدة مناقشات، أقر السوفيت بحق المرأة في الإجهاض، في هذا البلد الذي كان خاضعاً لسيطرة الكنيسة على مدى قرون طويلة خلت. ولم ترد أي أنباء عن أية محاولات من قبل العمال لرفض أو الانقلاب على تلك الإصلاحات.

المأساة حلت عندما فقد العمال السيطرة، مع اقتصاد دمرته الحرب العالمية، ثم الحرب الأهلية مع الجيش الأبيض (الذي كان مدعوماً من كل الدول الاستعمارية الغربية). وهكذا استولى “ستالين” وثورة المضادة على مكتسبات الثورة، وبحلول أواخر العشرينيات كان قد أسس نموذجاً وحشياً من رأسمالية الدولة. وكان هجومه المنهجي على كل الإصلاحات التي حسنت من حياة المرأة، أكبر دليل على أن اضطهاد المرأة جزء لا يتجزأ من المجتمع الطبقي. مما يؤكد أيضاً وبشكل قاطع أن النصر في معركة تحرير المرأة مرهون بالثورة الاشتراكية التي سوف تقتلع الرأسمالية من جذورها.

إن معركة تحرير المرأة هي جزء لا يتجزأ بل وحتمي من الصراع الطبقي، والثورة في نهاية المطاف. وبالتخلص من الطبقة التي تعيش على استغلال الأغلبية، لن يكون لدى أية فئة أو قوة اجتماعية مصلحة ما تجنيها من وراء اضطهاد المرأة (أو أي شخص آخر). وسيصبح بالإمكان بناء مجتمع جديد يقوم على أساس الجماعية والديمقراطية، على غرار المجتمع الذي اختبره العمال والفلاحين الروس لفترة قصيرة قبل الهزيمة.

هوامش: 
* الرانتيرز: طائفة دينية ظهرت في حقبة الكومنولث الإنجليزية (1649 – 1660) واتُهم أعضاءها بالهرطقة من قبل الكنيسة آنذاك ناضلت من أجل تحرير المرأة. (المترجمة)
** أريادنا تيركوفا: كاتبة صحفية وسياسة ليبرالية داعمة لحقوق المرأة في روسيا. (المترجمة)

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *