الماركسية بعيون ماركس

الماركسية بعيون ماركس

* تم نشر المقال لأول مرة في 25 فبراير 2009 بجريدة العامل الاشتراكي الإلكترونية الأمريكية، تصدرها منظمة الاشتراكيين الأمميين بالولايات المتحدة

وضع كارل ماركس أفكار في زمن وهب فيه الشباب حياتهم للنضال من أجل الحصول على حقوق وحريات جديدة. في هذا المقال يتناول بريان جونس بالتحليل الأفكار الثورية لماركس.

كيف أصبح كارل ماركس ماركسيًا؟ لقد وضع ماركس أفكاره ليس فقط عن طريق الدراسة – رغم أنه كان قارئًا نهمًا (وكلمة “النهم” هنا أقل من الوصف المطلوب بكثير). إن ماركسية ماركس هي النتاج النظري لجهوده العملية لبناء حركة للتغيير الجذري، ولملاحظاته للصراعات التي تدور من حوله.

وهذا خليق بأن يسترعى انتباهنا ليس فقط لأن ماركس هو واضع مجموعة من الأفكار حول التاريخ، ولكنه وضع أيضًا أسلوبًا فريدًا للنظر عبر التاريخ. وهو أسلوب يُعرف بشكل واسع بالمذهب المادي التاريخي أو المذهب المادي الجدلي (الديالكتيكي).يخبرنا الملوك والحكام أن العالم لن يتغيّر أبدًا، وأن الكون والأرض والمجتمع ما هم إلا انعكاس إلهي منظم على الأرض شاء أن يكونوا هم على القمة. ولكن سرعان ما أثبتت هذه النظرية خطئها مع تدحرج رؤوسهم الملكية في سلال المقصلة.

أصبح ماركس تابعًا لأفكار جورج هيجيل، حيث أثبت هيجل خطأ نظرية الملوك والملكات وأثبت أن العالم دائم التغيير. والتغيير الذي حاول هيجيل أن يثبته هو نتيجة أفكار متعارضة: الأفكار الإقطاعية ضد الأفكار البرجوزاية على سبيل المثال. فبدلًا من صورة العالم الثابت الذي لا يتغيّر، قدم هيجل صورة عالم ديالكتيكي (جدلي) دائم التغيير.

اتخذ ماركس جانب هيجيل بينما أخذ يجيل جانب الثورات البرجوازية وانتصار الأفكار البرجوازية الجديدة حول الحريات (وخاصةً حرية الصحافة والاقتراع وما إلى ذلك). لقد كانت هذه الأفكار أفكارًا جديدة وخطيرة ومثيرة لاهتمام الشباب الذين وهبوا حياتهم للكفاح من أجلها. وكان فريدريك إنجلز (شريك ماركس المستقبلي)، الوريث الشاب لمصنع منسوجات، هو الشخص المثالي الذي تأثر بشكل كامل بهذه الأفكار، كما أشار هو نفسه.

ماذا بيدي أن أفعل الآن، أنا الشيطان الضعيف، هل أتفرغ للدراسة بمفردي؟ ولكني لا أشعر بالرغبة في ذلك. هل أصبح مخلصًا وأكون حينها الشيطان بالفعل!.. لا أستطيع النوم في الليل، كل هذا بسبب أفكار هذا القرن. عندما عملت في مكتب البريد سيطر عليّ هاجس الحرية تمامًا. في كل مرة أتطلع إلى جريدة فإنّي أبدء في بحث محموم عن أخبار التقدم في الحريات، حتى إنني اقتبستها في قصائدي.

أصابت حمى الثورة البرجوازية فرنسا وأمريكا. ولكن في ألمانيا ظهرت مشكلة أن الدولة البروسية ما زالت متمسكة بالسلطة ومصممة على قمع أيّ شخص ذا رأي معارض. واستسلم كثيرون ممن دعوا إلى التغيير سابقًا إلى هذا الضغط، بما فيهم هيجل نفسه. إلا أن ماركس كان من بين الذين لم يستسلموا، وأطلق المعارضون للنظام القديم على أنفسهم اسم أتباع هيجل الشباب، وعندما حصل ماركس على درجة الدكتوراه وسعى إلى الحصول على وظيفة جامعية تم حظر أتباع هيجل من قبل الدولة البروسية. وتعرض ماركس للمنع الكامل من التدريس فتحول إلى الصحافة نتيجةً لذلك.

بدأ ماركس الكتابة لصحيفة يمولها رأسماليون ذوي اتجاهات إصلاحية بعض الشيء، حيث كتب مئات المقالات حول انتهاكات الدول البروسية، وخلق انطباعًا قويًا لدى زملائه. وخلال سنة واحدة من العمل كصحفي حقق ماركس شهرة واسعة جعلت إنجلز (ولم يكن قد قابل ماركس بعد) يكتب عنه قصيدة استوحاها من القصص التي كان يسمعها عنه.

تملؤه الحماسة والعزيمة
رجل أسمر من تريير، يحارب وحوش الظلام
بخطوات وئيدة ينطلق في قفزات واسعة
بصيحات عالية يصعد لارتفاعات شاهقة
ليغطي أبواب الجنان بالتراب
بأذرع متسعة يصل إلى أبواب السماء
يهز قبضته بجنون
كما لو كانت الشياطين حوله في كل مكان

وكانت المشكلة الرئيسية لهذه المحاولات لهز قبضة الدولة البوليسية أن ماركس كان يدافع عن حرية الصحافة (من بين أشياء أخرى) في بلد لم ينال أبناؤه حرية الصحافة بعد. ومرة تلو الأخرى أغلقت صحف كان ماركس يكتب فيها وألقي القبض عليه، كما تم ترحيله بسبب الأمور التي تجرأ وكتب عنها.

والأسوأ من ذلك أن ماركس عندما كان يكتب عن أيّ أمر يتجاوز الحريات البرجوازية كان مموليه يهددون بالانسحاب؛ فمثلاً عندما كتب ماركس مقالًا لاذعاً ضد حريات تملك الأراضي التي حرمت الفقراء من جمع الحطب المجاني من ضيعات الأغنياء، اضطر ذلك أصحاب المصالح (وبالتحديد هؤلاء الذين لم يكونوا ليسمحوا للفقراء بوضع أقدامهم على أراضيهم) إلى الشكوى بأن هذه الصحيفة تزيد من وقاحتها يوم بعد يوم، وأغلقت الصحيفة نتيجة ذلك رغم ازدياد شعبيتها.

من هذه التجارب كلها، أصبح من المؤكد لدى ماركس أن العالم لن يتحرك إلى الأمام عن طريق الأفكار وحدها. لقد كان هناك شيئا آخر يجعل الأفكار تتغلب على المصالح المادية. استحوذت على ماركس فكرة أن العالم يتصف بالدياليكتية والتغيّر الدائم عن طريق الصراع. ولكن بدلًا من الصراع بين الأفكار البحتة، فقد رأى ماركس المجتمع يسير وفقًا لصراع بين المصالح المادية المتعارضة. وكانت هذه نقطة البداية لماركس في طريقه نحو وضع أسلوب مادي ودياليكتيكي للتعامل مع العالم.

منح كل هذا ماركس إمكانية أن يشرح سبب عدم استعداد البرجوازية الألمانية للنضال من أجل الأفكار البرجوازية بأيّ شكل. فقد صنعوا أموالهم من جيوش عمال الأجر المتنامية، لذلك فرغم كراهيتهم لسلطة الملوك، فقد خشوا من إمكانية إثارة أيّ نوع من أنواع الثورات بين موظفيهم. وبدا من المستبعد بشكل كبير، خاصةً في ألمانيا، أن يقوم الرأسماليون بأي تحرك يقترب من الثورة الحقيقة، على طراز الثورة الفرنسية. ولكن إذا لم يكن هم، فمن يقوم بها؟

تعرض ماركس وأسرته للمطاردة في أنحاء أوروبا، وأثناء بحثه عن ملجأ تقابل مع طبقة جديدة من عمال الأجور. تميّز هؤلاء بالعمال بالاختلاف عن الفلاحين، وحتى عن الفنانين وأصحاب الحرف، الذين كانوا جميعًا يعملون في وحدات صغيرة مكتفية ذاتيًا، بينما كان عمال الأجور منظمين في جيوش جمعية مهولة اكتشف ماركس أنها مسيّسة مع ذلك. ففي فرنسا كان لديهم تجمعات سريّة، وحضر ماركس اجتماعاتهم واستمع إلى خطبهم وخططهم، وتفاجأ بالجرأة والأمانة التي كانت عليها مناقشاتهم. حيث كتب ذات مرة:
“عليك أن تحضر أحد اجتماعات العمال الفرنسيين لكي تقدر مدى الطهارة والنبل الذي ينبع من هؤلاء الرجال المكدودين. فبين هؤلاء البربريين في مجتمعنا المتحضر ينشأ العنصر الحاسم لخلاص الجنس البشري”.

في سيسليا مثلا، ثارت مجموعة من 3000 عامل نسيج فقير بعد القبض على أحدهم بتهمة التحرش برئيسه في أغنية (تحت نافذته). حيث ذهبوا إلى منازل الرؤساء وأتلفوا دفاتر الحسابات الخاصة بهم، وبعدها جاء الجيش وكان نصيبه الضرب من هؤلاء العمال أيضًا.

إن المصالح المالية للعمال قادتهم إلى الوقوف بجانب بعضهم البعض، فقد كان التضامن والاتحاد أمرًا حتميًا وليس مثاليًا فقط. في حين أن المصالح المادية للطبقة البرجوازية تقف في طريق كفاحها من أجل الأفكار الأكثر رقيًا، وهذا عكس الحال لدى العمال المأجورين. فسواء كانوا على دراية بالأفكار النبيلة أم لا، إلا أن مصالحهم المادية اضطرتهم إلى الكفاح من أجل الحرية والمساواة.

اكتشف ماركس عن طريق تجاربه وكفاحه أسلوبًا جديدًا للتعامل مع التاريخ، ليس فقط كصراع أفكار ولكن أيضًا كصراع بين المصالح المادية. وهذا هو مبدأه هو ورفيقه إنجلز في كتابة البيان الشيوعي:
“حر وعبد، نبيل وعامي، بارون وقن، معلم و صانع، وبكلمة ظالمون ومظلومون، في تعارض دائم، خاضوا حرباً متواصلة، تارة معلنة وطوراً مستترة”.

وبهذا كله توصل ماركس إلى استنتاج جديد بخصوص التاريخ: أنه إذا كان مقدّرًا على الطبقة العاملة المعاصرة أن تحارب الرأسماليين وأن تنتصر بالفعل – أيّ أن تكون الطبقة العاملة هي الطبقة الحاكمة – فإن انتصارها يعني نهاية الطبقية. وإذا اضطرت البروليتاريا، بفعل الظروف المحيطة، في صراعها مع البرجوازية إلى تنظيم نفسها كطبقة، وإذا جعلت نفسها طبقة حاكمة، عن طريق ثورة مثلًا، وقضت على ظروف الإنتاج القديمة، فإنها، بالقضاء على هذه الظروف، تكون قد قضت أيضًا على وجود التضادات الطبقية والطبقات بشكل عام، وستنهي بالتالي تفوقها طبقة في حد ذاتها.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *