العمال في مواجهة الأحزاب الفاشية

العمال في مواجهة الأحزاب الفاشية

* تم نشر المقال لأول مرة في 14 يونيو 2011 بالموقع الإلكتروني لمجموعة الاشتراكيين الأمميين باسكتلندا

يلجأ الاشتراكيون إلى تطبيق استراتيجيات وتكتيكات مختلفة في حربهم ضد الرأسمالية، والاختيار هنا يكون وفقاً للوضع الذي نواجهه. ولكن، أياً كانت الخطة التي نعتمدها، فإن هدفنا دائماً هو إضعاف الطبقة الحاكمة في مقابل تعزيز وتمكين الطبقة العاملة.

ولكن، مع وجود وانتشار الأفكار والأحزاب الفاشية يزداد الوضع تعقيداّ. الفاشيون دائماً يكونون منفصلين عن الطبقتين الرئيستين في المجتمع – الطبقة الحاكمة والطبقة العاملة – ونظراً لأن الفاشية تعتمد في تكوينها بالأساس على الطبقة الوسطى، فإن ذلك لا يجعلهم أداة طيّعة في أيدي الرأسماليين فحسب، بل أنهم أيضاً وبطبيعة تكوينهم دائماً هم ضد المصالح والتنظيمات العمالية تماماً. لذا يجب على الاشتراكيين اختيار الاستراتيجيات والتيكتكات المناسبة للتعامل مع هذا الخطر. ولكن هل هذا يعني أننا يجب علينا أن نكرس كل جهودنا الرامية إلى تعزيز وتوطيد الطبقة العاملة، فقط من أجل هزيمة الفاشية؟

إن إلمامنا بالأخطاء التي وقع فيها الحزب الشيوعي الفرنسي في ثلاثينيات القرن العشرين ربما تساعدنا في الإجابة على هذا السؤال. في السادس من فبراير عام 1934 حاولت الأحزاب الفاشية الفرنسية استغلال الأزمة الاقتصادية العالمية ونجاح “أودلف هتلر” في الوصول إلى سدة الحكم بألمانيا، وذلك بفرضهم حصار حول البرلمان، وتلى ذلك ليلة من القتال الضاري بين الشرطة والفاشيين. وبالرغم من هزيمة الفاشيين وإجبارهم على فض الحصار على يد الشرطة، إلا أن نتيجة لهذا الضغط تم استبدال حكومة اليسار المعتدل القائمة آنذاك بأخرى تنتمي للتيار اليميني المعتدل.

حتى تلك المرحلة، كان الشيوعيون في فرنسا قد رفضوا الدخول في وحدة مع حزب “العمال” الاشتراكي الديمقراطي، واصفين أعضاءه بـ”الفاشيين الاجتماعيين”. وفي ألمانيا كان الوضع مشابهاً لفرنسا؛ فالحزب الشيوعي الألماني ونتيجة لوقوعه تحت تأثير الديكتاتور الروسي “جوزيف ستالين”، عمد إلى انتهاج سياسات مماثلة عززت من الفرقة والعزلة، الأمر الذي هيأ الوضع أمام النازيين للوصول إلى السلطة. وفي 12 فبراير في باريس تظاهر كلٌ من الاشتراكيين والشيوعيين وأعضاء النقابات العمالية التابعة للكنفدرالية العامة للشغل (CGT)* ضد النازيين، ولكن كلاً على حدا. في نهاية الأمر التقت المسيرات والتحمت معاً وتعالت أصوات الأطراف المشاركة مطالبة بالوحدة الوطنية بهدف التصدي للمد الفاشي القادم، وكان أن استجاب قادة الكيانات الثلاثة لمطلب الوحدة على مضض.

سرعان ما انتشر هذا المثال الوطني الوحدوي في جميع أرجاء فرنسا. وتشكلت لجان مناهضة الفاشية في كل مكان. وغزت الثقة الوليدة نضال العمال وأججته، كما اندلعت الإضرابات والاعتصامات داخل المصانع. وجاءت استجابة الشوعيين لمطلب الوحدة في شكل استراتيجية مغايرة تماماً لمواقفهم السابقة. فلم يكتف الشيوعيون بالوحدة مع حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي، بل واتحدوا أيضاً مع ” الحزب الراديكالي” الحاكم، حزب الطبقة الوسطى. وفي تلك “الجبهة الشعبية”، خضع الشيوعيون للجناح الأكثر يمينية في هذا التحالف.

في المقابل، كان الثوري الروسي المنفيّ**، ليون تروتسكي، قد انتقد تلك “الجبهة الشعبية” بلا هوادة، تماماً كما سبق له أن انتقد النهج الانقسامي الذي انتهجه الشيوعيون قبل الوحدة. كان “تروتسكي” يرى أن الأزمة الاقتصادية الضارية تعني أن الطبقة الحاكمة تأخد المجتمع نحو حالة من “الإفلاس الكامل” وأيضاً نحو “حقبة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المضادة”. ووفقاً لهذا الوضع، فإن الرأسماليين لن يتحملوا نظامهم الديمقراطي هذا طويلاً. واعتقد الرأسماليين أن النظام بحاجة إلى إعادة هيكلة بالشكل الذي يخدم مصالحهم على نحو أفضل، وتلك هي اللحظات المثلى لازدهار الفاشية التي لطالما كانت وظيفتها التاريخية هي سحق الطبقة العاملة.

وازدهار وترسخ الفاشية يتطلب وجود أزمة عميقة تعصف بالرأسمالية. وإذا تمكنت الفاشية من أن تثبت للرأسماليين أنها القوة التي تستطيع تحطيم وتدمير التنظيمات العمالية، عندئذٍ سيسمحون لها بالاستيلاء على السلطة، وهذا تحديداً ما حدث في إيطاليا وألمانيا. ولنجاح الوحدة أمام الفاشية، يجب أن يكون توجهنا نحو تعزيز وتدعيم النشاط الذاتي للعمال في الشوارع كما في أماكن العمل.

يقول تروتسكي: “لكن الجبهة الشعبية اعتمدت نهجاً مغايراً تماماً، لقد افترضت أن على العمال انتظار معجزة ما تهبط عليهم من أعلى، بدلاً من العمل على خلق الحل الثوري القادم من أسفل”. لقد منحت وحدة “الجبهة الشعبية” في البداية الثقة للعمال، وبحلول مايو 1935 اندلعت أكبر موجة من الإضرابات في تاريخ فرنسا. وكانت الإضرابات ذات توجهات سياسية واضحة، ورفضت القطاعات المتقدمة والأكثر تشدداً كل الإصلاحات التي قدمتها حكومة الجبهة الشعبية المنتخبة حديثاً والتي طرحتها في محاولة لتهدئة العمال. ولكن في نفس الوقت كان هناك حاجة إلى قيادة ثورية والتي من شأنها دفع النضال إلى الإمام.

وقد أدى التزام الحزب الشيوعي تجاه الجبهة الشعبية إلى مطالبة العمال بالتهدئة، وبالتالي تحول تشدد وقتالية العمال إلى خيبة أمل، وازدادت قوة الفاشيين. وبحلول أبريل 1938، تراجعت أخيراً حكومة الجبهة الشعبية تاركة الساحة شاغرة، وانتقلت السلطة إلى اليمين.

نعم، يجب أن يتحد الاشتراكيين مع أولئك الذين يناهضون الفاشية، ولكن يجب أن يكون هذا جنباً إلى جنب مع العمل على تجذير وتعميق النضال العمالي. نحن بحاجة إلى طبقة عاملة موحدة وقوية كي نتمكن من سحق الفاشية وهزيمة الرأسمالية معاً على حد سواء.

هوامش:
CGT: الكنفدرالية العامة للشغل وتعرف اختصاراً باسم (CGT) هي منظمة نقابية فرنسية، ظهرت في مدينة ليموج في 23 سبتمبر 1895. تعتبر الأهم من بين المنظمات النقابية الفرنسية الخمس الموجودة على الساحة.

تروتسكي في المنفى: تم تهجيره عام 1929 خارج الاتحاد السوفيتي إلى تركيا، وفي عام 1936 هاجر تروتسكي إلى المكسيك حيث أقام في منزل الفنان دييجو ريفيرا.

 

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *