العفوية والإستراتيجية والسياسة

العفوية والإستراتيجية والسياسة

يحدث أن تكتسي أحداث ما دلالة رمزية أكبر بجلاء من عدد الأشخاص المشاركين فيها فعلا. تلك كانت حالة المظاهرات التي جرت إبان مؤتمر قمة المنظمة العالمية للتجارة بسياتل في العام 1999. لم تكن المظاهرات بذاتها كبيرة بوجه خاص قياسا على الكثير من المظاهرات التي تلت منذئذ، إذ لم يتجاوز أقصى ما بلغه عدد المتظاهرين في أقوى لحظات الاحتجاجات 30 ألفا.

لكنها أطلقت شيئا برزت لاحقا أهميته القصوى. قبل عشر سنوات، يوما بيوم تقريبا، جرى تقديم سقوط جدار برلين كنهاية للاشتراكية، تتيح للرأسمالية الانفراد بتحكم بالعالم وبالوجود البشري برمته على نحو لا يُمس. وطبعت سياتل بزوغ تحد جديد. في العالم برمته أبرزت وسائل الإعلام خادمة الرأسمالية ألوف الأشخاص الذي كانوا يعرقلون إحدى أكبر اللقاءات الدولية للقوى الرأسمالية. وبثت برامج التلفزيون استجوابات أشخاص كان ينددون بكامل عولمة الشركات متعددة الجنسية. وفي كل مصنع، ومنجم، ومكتب، ومدرسة بالعالم اجمع رفعت أقلية ممن يشاهدون تلك الصور القبضة مجازيا، قائلين لأنفسهم، وحتى لآخرين:” إلى أمام”. فجأة وجد عقد وأكثر من الحرمان، وفقد الأوهام، والخنوع، واليأس، نقطة التقاء. وانطلاقا من سياتل بدأت حركة عالمية جديدة تتحد. وبعد خمس سنوات، قلما يجرؤ أحد على وضع وجود الحركة وأهميتها موضع سؤال. واضطر من كانوا، باليمين كما باليسار، يبخسون قدرها، معتبرين أنها موضة عابرة لدى شباب الطبقات الوسطى البيض، إلى تغيير الخطاب، أو بالأقل التزام الصمت بعد المظاهرات المتلاحقة في واشنطن، وملبورن، و كبيك، وبراغ، ونيس، وغوتبورغ، وبوجه خاص بعد جينوة. كما اضطر من اعتبر تدمير برج التجارة العالمي حكما بالموت على الحركة إلى الاعتراف بالخطأ. فبعد أربعة أشهر من تفجيرات 11 سبتمبر 2001 ، استقبل المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو اليغري من البشر ضعف ما استقبل المنتدى الأول. وعندما انصهرت الحركة في حركة مقاومة أوسع للحروب الأمريكية الجديدة في أفغانستان، والعراق، شهدت انجلترا وايطاليا وألمانيا واليونان وغيرها احتجاجات أكبر من نظيرها في نهاية سنوات 1960 ومطلع سنوات 1970. وأخيرا كرس 000 100، المشاركين في شهر يناير هذه السنة بالمنتدى الاجتماعي العالمي الرابع بمومباي، حيوية الحركة، وكذلك فعلت المظاهرات ضد توسيع الاتحاد الأوربي في شهر ابريل( في وارسو ودبلن)، وزيارة بوش لأوربا بعد أسابيع ( ألوف في اسطنبول ودبلن وباريس، و2 مليون في روما) وضد مؤتمر الجمهوريين بواشنطن (000 500 شخص بالأقل). عند نهاية كل تظاهرة كبيرة للحركة يتنبأ المتشائمون بهزيمتها، وفي كل مرة جانبوا الصواب.

والحال أن كل حركة لا تتسع ولا تتعزز إلا بمواجهة معارك فكرية غالبا ما تجري محاولة تفاديها في طورها الأولي. كتبتُ في صيف 2000 بمقال بهذه المجلة: َتعبر كل حركة احتجاج ناجحة طورين. في طور أول تخرج الحركة فجأة الى العالم، مباغتة معارضيها، ومثيرة حماس المتفقين مع أهدافها. وبقدر ما طالت فترة غياب الحركة يكبر الحماس. عندها تشعر القوى المبادرة بالحركة بوجوب حمل الحركة بقوة درجة تلو الأخرى. ويساعد هذا العمل على توحيد المنخرطين في الحركة، ويقودهم إلى تلطيف خلافات الرأي القديمة والحجج القديمة حول التكتيك. لكن، في تلك الآونة، لن يستسلم ببساطة من ُوجهت ضدهم الاحتجاجات. فبعد الصدمة الأولى يشرعون في تعزيز أسلحة دفاعهم، ويسعون إلى اتقاء صدمات قادمة: يحاولون وقف تقدم الحركة. وفي هذا الطور تبرز حتما مواجهات فكرية داخل الحركة حول التكتيك الواجب، حتى بين من اقسموا على نسيان الصراعات القديمة لتشجيع الإجماع. مثل صيف 2001، من جينوة الى 11 سبتمبر، انعطافا للحركة العالمية المناوئة للرأسمالية: بات واجبا اخذ تضارب الآراء داخل الحركة بعين الاعتبار لتمكينها من التوسع. أصاب الإحباط بعضا من قادة الحركة بوجه شراسة عنف البوليس في جينوة، وتخلى عنها بعض آخر بعد 11 سبتمبر، واعتبر آخرون الحركة المناهضة للحرب حرفا للحركة المناهضة للنيوليبرالية. وبما أن تقدم الحركة متعذر ما لم تتخط طور مجرد سرد للأهوال الاقتصادية والبيئية التي تسببها العولمة النيوليبرالية، وجب فتح نقاش جدي حول ما يقع للنظام العالمي،من جهة، وحول الاستراتيجيات والتكتيكات الواجبة لمحاربته من جهة أخرى. وعلى هذا النحو كان محتما ظهور تقاطب بين مختلف المنظورات. لم يقل ماركس في حقبته غير ذلك:” لا تقدم بلا انقسام”. يمكن، ضمن مختلف كيفيات تناول الاستراتيجيات والتكتيكات التي ظهرت داخل الحركة، والتي يتوقف عليها مستقبلها، استخلاص أربع اتجاهات رئيسية. رغم أن مناضلين كثر يؤكدون على وجوب تفادي الحركة للسياسة، تتحدد كل من تلك الاتجاهات بالنسبة لموقفها من سلطة الدولة- أي بالنسبة لمقاربة معينة للسياسة. ويمكن، من زاوية النظر هذه، قول إن الحركة ولدت ذاتيا تيارات سياسية. سأتطرق في هذا المقال الى تلك الاتجاهات. ومن جهة أخرى سأتناول بالوصف كيف تصرفت إزاء بعضها في لحظات حاسمة. كما سأبرز المستتبعات السياسية الجارية في الحركة بالنسبة لكل الذين يسعون إلى بنائها والسير بها قدما.

السياسات من اجل محاربة النيوليبرالية

التيارات الإصلاحية

ينبع نجاح الحركة منذ سياتل من قدرتها على تجميع أناس انخرطوا في مختلف الحركات الاجتماعية وأدركوا، في خضم تلك التجربة،أن لهم عدوا مشتركا. لكن النتيجة الحتمية كانت جنوحا أوليا إلى السعي لإصلاح النظام القائم بدلا عن إطاحته. لا غرابة في الأمر ما دامت الحملات من أجل قضايا خاصة ترمي إلى تحويل بعض أوجه النظام القائم غير المقبولة، أي الحصول على إصلاحات. ليست الإصلاحية غرسا لجسم غريب في نضال إجمالي ما، بل هي تطابق رد فعل أوليا لكل جماعة أشخاص بدؤوا يحتجون ضد الاضطهاد والاستغلال. نشأ أفراد تلك الجماعات في مجتمع معين، ولا يعرفون بوجه عام غيره. وبالتالي يبدو لهم بديهيا أنه لا يمكن تنظيم الأمور إلا بكيفية معينة، وانه لا يمكن الحصول سوى على تقويم داخل هذا الإطار القائم مسبقا. لكن النضالات من أجل الإصلاحات تخلق أحيانا قوة دفع قد تولد وعيا بضرورة النضال من اجل تغييرات أعمق بكثير- وبقدرة الحركات على الاضطلاع بها. في السنوات الخمس الأخيرة، أدى تلاقي هذه النضالات الخاصة فيما ما يدعى”حركة الحركات” إلى خلق هكذا قوة دفع بالذات. و يُلاحظ تعزز الميل إلى التفكير في مواجهة للنظام بمجمله، بدل الاقتصار على إحدى أوجهه فقط. و بعد أن كان طابع الحركة المعادي للرأسمالية ضمنيا، أصبح معلنا وصريحا. والحال أن هكذا تجذر لم يجر أبدا بكيفية وحيدة الشكل. فليست الإصلاحية مجرد مزيج من الأفكار حول كيفية تحسين المجتمع. إنها تتجسد أيضا في مختلف المؤسسات- وبخاصة في المؤسسات البرلمانية- التي يتمثل دورها في توجيه أفكار من ذلك القبيل. يمكن في فترة أولى للمنتخبين، أو لأشخاص لهم مكانة مركزية في الأحزاب الإصلاحية، أن يقوموا بدور بالغ الأهمية لأنهم قد يشكلون نقطة تلاق خلال بزوغ الحركة. فبجذب الناس حولهم، وبالضغط لأجل تغيير الأمور، يخلقون نقطة تجميع لأنشطة سياسية – و يطلقون بذلك ميلا إلى نمو الحركات يتجاوز مجرد إصلاحات. هذا ما يستوجب ليس قبول انخراط أولئك الأفراد في إطلاق الحركات وحسب بل تشجيعه. منذ لحظة شروع حركة ما في كسب تأثير، يصبح دور هؤلاء القادة الإصلاحيين متناقضا أكثر فأكثر. فهم من جهة لا يزالون قادرين على جذب أشخاص جدد ظلوا سلبيين. لكن نزعتهم الإصلاحية تعني، من جهة أخرى، سعيهم إلى إبقاء الأمور في الإطار المطمئن للمجتمع القائم(علاوة على سعيهم إلى وضع موقفهم بالمقدمة). إنهم يجنحون إلى تليين كفاحية وثقة والتزام المنخرطين في الحركة. إن شخصيات بدت يسارية قبل وجود الحركة قد تظهر بسرعة يمينية جدا فور انطلاقها. وفي هذا الطور لن تتقدم الحركة وتتطور إلا بشرط وضع قيادة تلك الشخصيات للحركة موضع سؤال. يمكن، بقصد إيضاح هذه الظاهرة، تناول حالة برنار كاسن الخاصة في فرنسا. قام كاسن، رئيس تحرير لوموند ديبلوماتيك، بدور هام في بناء حركة ما بعد سياتل، وفي بناء جمعية أطاك Attac وبصفته مبادرا إلى المنتديات الاجتماعية العالمية. فببناء اطاك حول برنامج ” تثقيف شعبي متجه نحو الفعل” بدأ يعارض السياسات النيوليبرالية التي تبنتها الحكومات. وألح بوجه خاص على انخراط رجال السياسة (المنتخبين) وصناع رأي آخرين/ شخصيات ذات نفوذ. أتاح عمل كاسن جعل اطاك جمعية من عشرات ألوف الأعضاء. لكن بمعارضته لمشاركة جمعيته في النضال ضد الحرب، اتخذ كاسن موقف مضرا بتطور اطاك. و في الفترة حيث كانت الحكومة الفرنسية تشارك الولايات المتحدة الأمريكية الهجوم على أفغانستان، كانت كامل قوى أعضاء أطاك منخرطة في عمل ضغط من أجل ضريبة توبين. ورد بغضب على الكفاحية التي ُبذلت في المنتدى الاجتماعي الأوربي بفلورانس في العام 2002. وهكذا على سبيل المثال دعا اليسار، بقصد مواجهة قوة الامبريالية الأمريكية، إلى خلق جيش أوربي. وفي الاتجاه ذاته واخذ الحركة، أثناء القمة المضادة لمجموعة الثمانية الكبار على الحدود الفرنسية السويسرية، على جذريتها. اضطلع قادة اصلاحيون بدور متناقض مماثل داخل الحركة المناوئة للحرب في بريطانيا، واسبانيا، وايطاليا،وغيرها. لقد أمكنت التعبئات الهائلة يوم 15 فبراير 2003 بفضل مبادرات أقصى اليسار، ومنظمات المسلمين وأنصار السلام، لكن بفعل مشاركة الأحزاب الإصلاحية أيضا- تلك كانت حالة حزب اليسار الديمقراطي في ايطاليا، وحزب البازوك في اليونان، وساسة مثل روبين كوك في بريطانيا. لقد أتاح لنا حضورهم أن نكون ملايين، لا مجرد مئات آلاف في الشارع. لكن فور اندلاع الحرب لم يعبر العديد منهم صراحة عن موقف مضاد للاحتلال. واكتفوا بموقف تأييد مشاركة بالحرب تحت مظلة منظمة الأمم المتحدة بدل مظلة الولايات المتحدة الأمريكية. وبكيفية مماثلة، قام قادة حزب العمال بالبرازيل بدور بالغ الأهمية في بناء المنتديات الاجتماعية العالمية الثلاث في بورتو اليغري. لقد جعل انخراطهم من تلك الأحداث نقط تجميع لكل الناشطين بأمريكا اللاتينية وخارجها. ومن هؤلاء الأشخاص من يوجد اليوم بحكومة تطبق السياسات النيوليبرالية عبر اتفاقات مع صندوق النقد الدولي. لكن بفضل قوة دفع المنتديات الاجتماعية العالمية، تمكنت الحركات المتحدرة منها من تحدي تلك السياسات.

الاتجاهات المستقلة

لما شرعت الحركة «عفويا» في تجاوز مرحلتها الأولى الخاصة، أمكنت معاينة تنامي اتجاهات غالبا ما توصف بكونها «استقلالية».

يضم هذا التعبير الفضفاض جدا عديدا من مواقف إيديولوجية وتحركات ملموسة بالغة التباين: بناء حركات اجتماعية جماهيرية، والعمل في المنظمات غير الحكومية، والمشاركة في أنشطة مباشرة غير عنيفة، والإصرار على تنظيم الجماعة communauté على الصعيد المحلي، وأنماط حياة بديلة من نوع « do your own thing » ، وأشكال إنتاج تعاونية، ثم على الهامش، يستعمل التعبير أيضا للإشارة إلى النضالية الأقلوية لـBlack Blocks، الموجه ضد الشرطة والمِلكية. ويمكن على أي حال إبراز سمتين أساسيتين تميزان كل تلك الأشكال التي ينطبق عليها التعبير.

تتمثل السمة الأولى في رفض ممارسات التسويات والمناورات داخل الطبقة السياسية وداخل كل أشكال السياسة الإصلاحية التي تسمح بتلك الممارسات. و تكمن إحدى خاصيات التيارات المستقلة في ما توليه من أهمية لدور الفعل من أسفل ولكيفية إقدام الناس على معارضة الأجهزة البيروقراطية. وتشيد تلك التيارات المستقلة بواقع أن الناس الذين ينخرطون في النضال يبدؤون في إبداء قدرات مذهلة على الإبداع والابتكار، وفي علاقة بذلك، قدرة متنامية على التنظيم الذاتي كفيلة بتحدي مفاهيم التراتبية القائمة.

لكن التيارات المستقلة ترفض، في الآن ذاته، فكرة حزب ثوري منظم حول أهداف إستراتيجية، وموجه ضد النظام بمجمله. و تشهر باليسار الثوري بعنف يضاهي ما تبديه إزاء المبررات الوصولية للطبقة السياسية. وتتهم الثوريين بكونهم طليعيين ومتلاعبين واستبداديين، بل حتى كليانيين. وترى أن السياسة محكومة حتما، سواء كان هدفها إصلاح النظام أو إطاحته، بالبقاء مفصولة عن الحركة. طبعا ثمة تيارات مستقلة، (يمكن وصفها بـ«مستقلة معتدلة») ترى إمكان اضطلاع الأحزاب السياسية بدور على الصعيد الانتخابي. لكن يلزم أن يبقى ذاك الدور خارج الحركة، على نحو يجعل فعل الحركة الاجتماعية وفعل الأحزاب السياسية يتمان بشكل متواز. وعلى الأحزاب السياسية ألا تتدخل في الحركة.

تكمن قوة التيارات المستقلة في ما تولي من أهمية للنشاط من أسفل، وفي رفضها الأخلاقي لكل تسوية مع النظام. لكنها تجد صعوبة في تجاوز ذلك الطور. وترى أن النظام فظيع وتستدعي محاربته تطوير أشكال فعل تضمن استقلالية كلية عن كل سمات النظام. وتعتقد بإمكان محاربة النظام بمجرد تجميع مختلف المجموعات التي تتنظم ذاتيا.

نادرا ما تعبر تلك التيارات عن أفكارها نظريا. ففي الواقع، غالبا ما ترتبط النظرية بالحرص على صياغة إستراتيجيات، بينما التيارات المستقلة، بحكم تعريفها، رافضة للإستراتيجية بمبرر قيامها على أولوية بعض أشكال الفعل على أخرى. غير أن ثمة مؤلفين سعى كتابهما إلى تنظير مواقفهم، وكان لهما تأثير كبير.

المؤلف الأول بعنوان الإمبراطورية، للكاتبين، مايكل هاردت وتوني نيغري، غالبا ما ُيستشهد به أكثر مما ُيقرأ فعلا (تجدر الإشارة إلى أنه كتب بلغة مبهمة في الغالب). إن «الإستراتيجية» المفصلة فيه هي أساسا لا إستراتيجية، حيث سمي تجميع مختلف النضالات المستقلة بـ«الحشد»، وهو مفهوم مبرر باستنادات ميتافيزقية الى سبينوزا. وإن اقترحت تلك النظرية شكل ما من التراتبية، فذلك بإيلاء دور هام لـ «لعمال الإعلام». يرن هذا بالأحرى كتعظيم لانتقاء ضيق لحركات مستقلة تلقى أعضاؤها تكوينا جامعيا.

و ثاني الكتابين هو تغيير العالم دون الاستيلاء على السلطة للكاتب جون هولوواي. كتاب أسهل قراءة من كتاب الإمبراطورية. و رغم مصطلحات طريفة خاصة به، يعرض كاتبه في بعض المقاطع أفكار ماركسية متينة حول الاستغلال والاستلاب، يكملها ببعض الأفكار حول الطبقة العاملة. وبفعل تنديد الكاتب بأشكال تنظيمية استبدادية وستالينية، وجد أنصارا في بلدان (في آسيا الجنوبية وأمريكا اللاتينية) حيث هيمنت أمدا طويلا أشكال التنظيم تلك منتحلة صفة حركات ثورية. مهما كان الأمر، توصل هولوواي، فيما يخص الإستراتيجية، إلى خلاصة هاردت ونيغري عينها: رفض الإستراتيجية. وعلى حد قوله، ستقوم مختلف المجموعات التي تعارض رعب النظام بصيحات غضب، بالتكتل بكيفية غير معلومة لفك علاقات الإخضاع التي تربطنا جميعا بالنظام، وقد يتيح ذلك حتى حل الدواليب المسلحة للدولة. وبناء على ذلك، لا داعي للاستيلاء على السلطة لأن الدولة ستنهار ببساطة لحظة حلول المستقلين.

ليست حجج هولوواي في الواقع سوى صياغة جديدة للنظرية الإصلاحية القديمة. ثمة في كلتي الحالتين افتراض أن الطبقة السائدة ستضطر، إذا كان الراغبون في تغيير المجتمع ُكثرا، إلى تسليمهم السلطة دون أدنى طلقة نار. تدفع شعبية تلك النظرية، لاسيما ضمن بعض المجموعات بأمريكا اللاتينية، إلى التفكير بأن على تلك المجموعات (وهولوواي) تذكر ما فعله الجنرالات بحركات العمال والفلاحين والسكان الأصليين المستقلة بالفعل، بالبرازيل عام 1964 أو الشيلي عام 1973 على سبيل المثال.

غير أن نظرية هولوواي لا تؤكد على انحلال الدولة العفوي في مستقبل مفترض، أو على قدرة الحركة تحقيق الأمور الآن و هنا، دونما حاجة إلى الاهتمام بالدولة ولا بالمستقبل. إن نموذجها القدوة هو الزاباتيون بالمكسيك، الذين قدموا على حد قوله، مثالا عن إمكان الحصول على استقلالهم مع بقاء جهاز الدولة على حاله.

لكن الواقع، مع الأسف، مغاير تماما. إذ كان الزاباتيون في البدء حركة مسلحة موجهة ضد الدولة. واكتسوا أهمية في العام 1994 لما نظموا انتفاضات مسلحة بعدة أماكن بالتشياباس جنوب المكسيك. ولقي عداءهم المعلن للعولمة النيوليبرالية صدى عبر العالم برمته، وقدم أحد أوائل نقط التقاء الحركة التي برزت بسياتل. والحال أن الانتفاضات ذاتها أخفقت، واضطر الزاباتيون الى التراجع، متحولين إلى منظمة تدافع عن السكان الأصليين في منطقة غابات لكاندون. ومنذئذ تمكنوا أحيانا من التفاوض مع حكومة المكسيك لصالح حقوق الشعوب الأصلية، ولأجل الحق في انتخاب سلطاتهم المحلية الخاصة. و نجحت تلك المفاوضات بوجه خاص لما حصل الزاباتيون على دعم أوسع من مجموعات عمال وفلاحين مكسيكيين أخرى، كما جرى خلال المسيرة نحو ميكسيكو قبل ثلاث سنوات. لكن الأمر تعلق في جميع الحالات بتفاوض لأجل إصلاحات في إطار نظام قائم ُيفقرهم. قبل عام، وصف صحفي مقرب من الحركة الزاباتية يشتغل بالجريدة اليومية اليسارية لاخورنادا La Jornada الوضع بالعبارات التالية:

إن بنية حياة الجماعة communauté ذاتها قيد الانهيار تحت ضغط الحياة الخارجية، ضغط قوي بوجه خاص في مرحلة نيوليبرالية، وانحسار اقتصادي وهجرة كثيفة… يتعذر على المنطقة المنتفضة الانعزال عن سوق البن، والمنتجات التقليدية، والزراعة، والخشب، و غيرها من الموارد. هذا لأن الذرة والمنتجات الغذائية غير قادرة على تأمين المعيشة سوى ثلاثة أشهر، ولأنه يلزم شراء الباقي –الغذاء والأدوية والألبسة- من السوق بالمال.

إن جماعات السكان الأصليين مطوقة في الواقع بوحدات الجيش المكسيكي التي تقوم بدوريات بالطرق المؤدية إلى الغابة. أدى ذلك بدوره إلى عسكرة داخلية معينة للزاباتيين، جعلت القائد ماركوس ذاته يقول إن البنية العسكرية لجيش التحرير الوطني الزاباتيEZLN أصابت على نحو ما بالعدوى تقاليد تلك الجماعات في الديمقراطية والتسيير الذاتي. لا يصح أن نرفض بلا تقييم الإصلاحات الطفيفة التي حققها السكان الأصليون. لكن اعتبارها حلا ُمرضيا لما يسببه لهم النظام العالمي من أهوال إنما يعادل الاستسلام لأحط أشكال الإصلاحية. إن هولوواي يقترب، إذ يبجل هذا النوع من الحركة «المستقلة» كهدف بحد ذاته، من إدوارد برنشتاين، منظر الإصلاحية الاشتراكية-الديمقراطية، الذي قال قبل قرن «الحركة كل شيء، الهدف لا شيء».

إن دفاع هولوواي عن ذلك لا يبعده عن مركز نظريته. إن نظرية المستقلين، بقدر ما لا تكتفي بمبالغة الايماءات الأخلاقية، بل تحرص على القيام بشيء ما ضد ويلات هذا العالم، تتحول بسهولة إلى الإصلاحية، رغم أنها إصلاحية جذرية. يعني هذا في آخر المطاف أن كل من يؤمنون بالتنظيم الذاتي للناس من أسفل، دون تراتبية، لا يمكنهم الحفاظ على ذاك المبدأ دون وضع بعض سمات النظرية المستقلة موضع تساؤل ونقاش.

الإصلاحية الجذرية

لا بد من التذكير بأن الإصلاحية تستلزم أمورا أكثر من مجرد مناورات في إطار الهيئات السياسية القائمة. إنها تعني أيضا عمل تعبئة كامل لأناس قصد الضغط على تلك الهيئات. كما يلزم التذكير أنه عندما ينسحب بعض القادة الإصلاحيين من حركة ما، يواصل آخرون دفعها إلى أمام. في بريطانيا، تواصل بعض الشخصيات تعليق آمالها على الهيئات البرلمانية. تلك حالة توني بين وجيريمي كوربين نائب حزب العمال Labour، وكرولين لوكاس نائبة الخضر بالبرلمان الأوربي. لقد اضطلعوا كلهم بدور هام في بناء وتطوير الحركة المناوئة للحرب. إنها كذلك حالة شخصين متحدرين من الحزب الشيوعي القديم. ونهض بدور مماثل في بناء الحركة على المستوى العالمي كتاب وصحفيون مثل جورج مونبيوت، وسوزان جورج ونعومي كلاين. قاموا بدور بالغ الأهمية بالمحاججة ضد النيوليبرالية والحرب، لكن لا شك أن التغيير النهائي سيكون نتيجة ضغوط على النظام القائم. يرى هؤلاء الناس أن النقاش حول الخيار الاستراتيجي بين الإصلاح أو الثورة غير ملائم في العالم الراهن، وينطوي هذا على أن الشيء الوحيد الممكن هو النضال من أجل إصلاحات.

بوجه عام، يدرك الاصلاحيون الجذريون، على نحو أوضح من أنصار الاستقلالية الصرف، أن الحركة بحاجة إلى إستراتيجية وتكتيك. ورغم ما يطبع أحيانا وجهة نظرهم حول المطلوب عمله من عناصر تلاعبية وبيروقراطية وبرلمانية، لديهم بوجه عام مفهوم ما للإستراتيجية والتكتيك. و يدركون أن بعض الأمور أهم من أخرى وأنها تستدعي الأولوية لضمان الفعالية. إنهم يعون أن الحركة تواجه أعداء سيدمرونها ( وإن حياة المناضلين ذاتها معرضة للخطر ببعض بلدان العالم الثالث)، ما لم يحسن مناضلوها اختيار اللحظة المناسبة، والوسائل الناجعة والقوى الملائمة للنضال. إنهم يبصرون بجلاء كيف لا يمكننا السماح لأنفسنا بتبني مبدأ الحركات المستقلة، مبدأ «كل شيء جيد». ومن هنا ما يبدو من تناقض في قدرة هؤلاء الإصلاحيين،في حالات معينة،على امتلاك حس أدق بما تحتاج الحركة يفوق ما لدى المستقلين الذين يبدون أكثر جذرية.

الإصلاح والاستقلالية والثورة في الحركات الراهنة

فرنسا

تنامت جدا حركات أوربا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الخمس الأخيرة. ولحظة كتابة هذا النص، يفوق حجم المظاهرة المناهضة لبوش بنيويورك بلا شك عشر مرات ما شهدناه في سياتل. لكن النمو لم يتخذ شكل منحى تصاعدي وحسب. ففي بعض الأحيان توقّف الاندفاع إلى أمام، ولما حدث ذلك ظن عدد كبير من الناس الحركة منتهية. وحاول البعض الآخر تحليل المشاكل واقترح حلولا. و في تلك اللحظة بدأ تفاعل التوجهات الأربع يبرز.

كانت فرنسا أول بلد بدأ بها انغراس حركة مناهضة للعولمة و للنيوليبرلية. ظهرت حركات عديدة مختصة –مسماة «حركات اجتماعية»- في مطلع سنوات 90 (على سبيل المثال حركة «المهاجرين بلا أوراق ثبوتية» من أجل تسوية وضع المهاجرين القانوني، أو حركة العاطلين)، ثم بدأت موجة إضرابات القطاع العام ومظاهرات أواخر العام 1995 تخلق شعور تضامن ضد النيوليبرالية والحكومة اليمينية آنذاك: خاطب عالم الاجتماع البارز بيار بورديو عمال سكك الحديد بمحطة قطار ليون بعبارته الشهيرة، مفادها أن معركتهم أول نضال كبير «ضد العولمة». وبينما تواصل حكومة «اليسار المتعدد»، بقيادة الحزب الاشتراكي، وعضوية الخضر والشيوعيين، سياستها النيوليبرالية، عقدت أطاك لقاء تأسيسها بجامعة سان دوني ستة أشهر قبل سياتل. كانت أول تعبئة ضخمة بعد سياتل مهرجانا في المدينة الصغيرة مييو جنوب فرنسا، خلال صيف العام 2000.

غير أنه بعد جينوة، وعاما بعد 11 شتنبر ، بدت الحركة الفرنسية زائلة من الشوارع. و ما كانت ثمة، إذا صح التعبير، حركة مناوئة للحرب ضد أفغانستان (التي شاركت فيها فرنسا بشكل مباشر)، وبرزت بها الحركة ضد الحرب على العراق أضعف مما في بلدان أوربية أخرى. كان الناس يفسرون ذلك بكون فرنسا لم تشارك مباشرة، لكن ذلك لا يمكن، بحد ذاته، أن يفسر ضعف الحركة مقارنة ببلدان أخرى غير مشاركة في تلك الحرب، مثل ألمانيا أو حتى ايرلندة (التي يقل سكانها ثمان مرات عن سكان فرنسا). كان أحد العوامل الرئيسة من طبيعة سياسية. كان الناس ينتظرون أن تتولى أطاك القيادة–لكن السياسة في أطاك أفضت إلى عدم اضطلاعها بأي قيادة. غير أن الاستياء من النظام لم يزل. ذاك ما أُثبت في أبريل العام 2002 لما صوت 10% من الناخبين -3 ملايين- لصالح مرشحين ثوريين في الانتخابات الرئاسية، ولما تظاهر أكثر من مليون شخص ضد الفاشي لوبين.

استأنفت الحركة نشاطها بسرعة في أوائل صيف 2003. إذ تظاهر 000 100 شخص قادمين من فرنسا ضد قمة البلدان الثمانية الكبار بإيفيان (قرب حدود فرنسا و سويسرا) في اللحظة ذاتها حيث كانت أكبر موجة اضرابات في القطاع العام منذ 1995 تغير المناخ. وكان مهرجان في لارزاك بعد بضعة أسابيع أهم حدث مناهض للرأسمالية في البلد حتى ذلك الحين، واضعا الأسس لحضور عشرات آلاف الأشخاص في المنتدى الاجتماعي الأوربي في باريس. لكن عاما بعد ذلك، كان ثمة من جديد مناضلون اعتبروا الحركة في طريق الزوال. على كل حال، كانت الحكومة قد قضت على موجة الاضرابات واستعملت أغلبيتها البرلمانية لفرض إصلاحات مضادة. وكانت الحركة تبدو بلا وسيلة للتصدي لذلك. وجرى داخل الحركة ابتعاد عن الغبطة «الاستقلالية» لصيف عام 2003 ، لصالح إصلاحية اليسار المتعدد فاقدة الاعتبار. وكان جوزي بوفيه، أحد قادة منظمة فلاحية مناضلة، أثار غضب حكومة اليسار بتدميره مطعم ماكدونالد، قد صرح في لارزاك أن طريق التغيير لا يمر بالبرلمان. وبعد أشهر قليلة، دعا إلى التصويت لصالح الاشتراكيين والخضر. لم يكن ذلك انحرافا معزولا. قرر ملايين الأشخاص، المشمئزين من الحزب الاشتراكي واليسار المتعدد لدرجة رفض التصويت لهما في انتخابات الرئاسة (لم يحصل المرشح الاشتراكي جوسبان، سوى على 17% من الأصوات)، أن ليس ثمة سوى بديل وحيد عن اليمين: اليسار المتعدد فاقد الاعتبار للتو. منذ اللحظة حيث بدت الحركة غير قوية بما يكفي لإفشال حكومة يمينية، قام أناس كانوا انجذبوا جهة المستقلين و صوتوا لصالح الثوريين حتى، بالتراجع نحو إصلاحية برهنت مع ذلك على عجزها عن الإصلاح.

تتمثل الحقيقة المرة في أنه ليس بوسع الحركات الاجتماعية «المستقلة» ذاتها أن تهزم الحكومة. فهي إجمالا حركات أقليات، و شبكات مناضلين كانت تسعى إلى التعبير عن مصالح شرائح واسعة، لكن ليس لها أي ارتباط عضوي بها. «ان تغلغلها في الأوساط الشعبية ضعيف بفرنسا». هذا علاوة على انفصال كل حركة عن الحركات الأخرى وعن منظمات الطبقة العاملة التقليدية، أي النقابات. كان عليها أن تتجمع بما هي «حركة الحركات» في المظاهرات الكبرى، مثل التظاهرة ضد قمة الثمانية الكبار G8، أو في منتديات اجتماعية كبرى. لكن ذلك لا يتجسد في منظمة قائمة قادرة على تطوير إستراتيجية وتكتيكات في مواجهة كبرى مع حكومة نيوليبرالية. لم يكن ثمة «وحدة عفوية بين سائقي الشاحنات والسلاحف ». إن «استقلالية» كل مكون ذاتها تمنع ذلك:

إن حركة اجتماعية بلا منظمات جماهيرية حاملة لمطالبها وحججها، قصد التدخل في النقاش العام، و توضيح المصالح المشتركة لمختلف فروع عمال الياقات البيضاء ، حركة اجتماعية وجدت نفسها عاجزة عن مواجهة إستراتيجية التقسيم لدى أعداءها.

لم يكن بوسع الحركة تخطي تلك العوائق ما لم يتحد مناضلون واعون بالمشكلة ويناضلوا من أجل وضع مقاربة مغايرة. لكن ذلك كان يعني تجاوز خطاب «الاستقلالية» دون خشية التعرض للتشهير بواسطة تهمة «النزعة الطليعية». وفي غياب ذلك، لم يكن ممكنا أن يفضي النضال إلى نصر، ولا يرى العديد من أنصاره خيارا آخر سوى أن يضعوا مجددا ثقتهم، على مضض، في السياسة الإصلاحية.

إيطاليا

كان ثمة في إيطاليا شعور مماثل بالمأزق وميل إلى انزلاق نحو الإصلاحية، هذا في بداية صيف عام 2003. كان البلد شهد جملة تظاهرات شوارع ضخمة –مواكب في كل مدن إيطاليا الكبرى في يوليو/تموز عام 2001 ضد القمع البوليسي بجنوة، ومظاهرة ثلاثة ملايين والإضراب العام يوما واحدا من اجل حقوق العمال في ربيع 2002، ومسيرة مليون شخص ضد الرأسمال والحرب على العراق يوم 15 فبراير/ شباط 2003. كانت مجموعتا ناشطين متلاقيتان مركزيتين في كل ذلك – من جهة، شبكة «المنتديات الاجتماعية» المدينية المشكلة لحركة « no-global » ، ومن جهة أخرى حزب إعادة البناء الشيوعي بأعضائه المائة ألف، وتأثيره في قطاعات مناضلين عماليين وبرلمانييه.

لكن رغم مستوى الاحتجاجات المرتفع، حقق الأمريكيون انتصارا عسكريا بالعراق وواصلت حكومة بيرلسكوني هجومها على مكاسب العمال. وانتهت محاولة أخيرة لتوسيع تلك الحقوق عبر استفتاء شعبي بمبادرة من الاتحاد النقابي الرئيسي و حزب إعادة البناء Rifondazione، الى فشل أمام عداء كافة الأحزاب السياسية التقليدية (حتى المعارضة الرسمية ليسار الوسط ضد بيرلسكوني).

اجتاح المناضلين شعور بأزمة، تم التعبير عنه جليا خلال لقاء وطني لحزب إعادة البناء Rifondazione في يونيو من هذا العام. كان المتدخلون تلو المتدخلين يستعملون كلمة «أزمة» لتوصيف الوضع، منبهين الى أنه بينما كان الحزب في مركز كل الاضطرابات، انهارت نتائجه في الانتخابات الإدارية الحديثة وتوقف نمو عدد منخرطيه، و في الآن ذاته حسنت الاشتراكية الديمقراطية ليسار الوسط نتائجها الانتخابية، رغم سياستها النيوليبرالية في الحكومة ومشاركتها الأكثر فتورا في الحركة.

كان رد أغلبية قيادة الحزب على «الأزمة» مرتكزا على الخطاب الدائر حول ضرورة مزيد من «التجديد» وعلى إعلان أنها كانت تقترب من يسار الوسط بقصد مناقشة برنامج انتخابي مشترك. وراحت الصحف اليومية الإخبارية تكثر الفرضيات حول ما قد يحصل عليه الحزب مستقبلا من وزارات في حكومة يسار الوسط. كان ذلك تطورا مفاجئا، إذ أن الحزب كان قد تشكل في سياق معارضته تأسيس اليسار الديمقراطي انطلاقا من الحزب الشيوعي الإيطالي القديم –وانفصل عام 1998 عن أقلية أعضائه التي كانت تواصل دعمها لحكومة يسار وسط تطبق سياسية ليبرالية.

كانت جذور الأزمة كامنة في حدود الحركات الجديدة، رغم الدعم الضخم الذي حظيت به. وكما فسر ثلاثة من قادة الحزب معارضين للانعطاف الجديد نحو الإصلاحية:

” فيما يتعلق بالحركة، علينا قول إن لها بجلاء حدودا. (إنها) تشتغل بشكل رمزي، مرتكزة على نقد أخلاقي للواقع القائم، ومعبرة عن أفكارها حول بعض الأحداث، لكن دون أن تتحول هي ذاتها إلى حركة دائمة، و بلا آليات تجذر قد تتيح النضال من أجل أهداف محددة. إنها تفتقر إلى أهداف جلية وبرنامج للظفر. هكذا كان الأمر في جنوة، وبعد جنوة وفي فلورنسا وبورتو أليغري. و هذه الحقيقة بديهية اليوم.لا شك أن «أناس في المنتديات» صوتوا في الاستفتاء، لكنهم لم يفلحوا في خلق تفاعل متسلسل، ولم يبنوا علاقات في البلدات، وفي مواقع العمل أو مناطق أخرى حيث قد يستطيعون«نقل العدوى» إلى باقي السكان.. لسنا إزاء حركة مماثلة لحركة سنوات 1970، متجذرة في المصانع…

كان حزب إعادة البناء الشيوعي قد قام بانعطاف بالغ الأهمية نحو الحركة أثناء حقبة جنوة، مما ميزه عن العصبوية الستالينية العقيمة التي كانت تسم بعض الأحزاب الشيوعية الأوربية الأخرى. كان قد اضطلع بدور في غاية الأهمية في الحركات العارمة بايطاليا برمتها في جنوة بعد مقتل كارلو جولياني، معلنا حق الوجود في الشوارع وفي التظاهرات الضخمة التي جابت المدن الإيطالية الكبرى خلال الأيام اللاحقة. وبذلك كان تفادى تدمير قمع بيرلسكوني للحركة، ومستقطبا عددا كبيرا من الشباب. لكن انعطافه نحو الحركة ترافق مع ابتلاع عدد كبير من الأفكار الاستقلالية المهيمنة.

وفي نقاشه حول الحزب والحركة، لم يعبر أبدا بوضوح عن أن انقسامات قد تحدث في الحركة حول شكل إحراز التقدم، وعن أن هدف الثوريين تنظيم العناصر الأكثر وضوحا لكسب رهان البرهنة. كان له بالعكس موقف من نوع «عش ودع الآخرين يعيشون» تجاه من كانوا يؤمنون بما تتبناه النزعة الاستقلالية من صيغ رمزية وأخلاقية، وشعار «قم بالأمر أنت بالذات». سيكرر فاوستو بيرتينوتي، الشخصية القائدة للحزب، أفكار المستقلين الجامدة ذاتها حول عدم جدوى النقاش حول الإصلاح والثورة بمبرر أن «الإصلاحيين عجزوا عن إتيان إصلاحات، وعجز الثوريون عن القيام بثورات». ومذاك بدأ الحزب ذاته، المواجه لحدود الحركة التي يؤثر فيها المستقلون، ينزلق نحو الإصلاحية. لم يكن الانعطاف تاما، وأبدى بوضوح بعض المتدخلين في اللقاء الوطني الرغبة في دفعه أبعد من القيادة، التي تحافظ على التزام نحو النضال النشيط مختلف جدا عن مقاربة اليسار الديمقراطي.

يكشف المشهد الإيطالي أمرا آخر. إذ كان حزب إعادة البناء الشيوعي Rifondazione مدة طويلة مثالا لما بوسع أقصى اليسار تحقيقه من نجاحات انتخابية. أتاح له نشاطه تقديم أفق وطني يساري للأقلية (زهاء 5% من السكان) المشمئزة من النهج النيوليبرالي ليسار الوسط. وأتاح له ذلك الاضطلاع بدور عام في جنوة، وفلورنسا وفي الحركة المناوئة للحرب. لكن تمثيله البرلماني لا يمنحه بحد ذاته السلطة، ولم يحل دون الشعور العام بخيبة الأمل وبالضعف الذي ظهر في بداية صيف 2003. آنذاك جاء اقتراح الممارسة التافهة القائمة على استعمال التمثيل البرلماني كقوة تفاوض حول تشكيلة حكومة يسار وسط مرتقبة، حتى ولو كانت هكذا حكومة نيوليبرالية.

شهدت الحركة تجددا في ربيع 2004، مع تظاهرة مليوني شخص ضد زيارة بوش ونزاعات صناعية هامة. لكن الانحراف المتشائم في عام 2003 أبرز أن السياسة ليست مسألة خارج الحركة بل تحددها الحركة.

الولايات المتحدة الأمريكية

المسألة واضحة جدا فيما يخص الولايات المتحدة الأمريكية. تداركت الحركة التراجع الذي شهدته خلال المرحلة التي تلت مباشرة 11 شتنبر، وذلك بتظاهرات ضخمة جدا مناوئة للحرب عام 2003 (أكبر بكثير من تظاهرات حقبة الحرب على الفيتنام في شروط مماثلة). لكن تعاظمها ذاته كان يجبرها على مواجهة المسألة السياسية المركزية حول طريقة بلوغ أهدافها على أحسن وجه. بعد فشل منع الحرب بواسطة تظاهرات ضخمة ونضالات غير عنيفة، استدارت أقسام واسعة نحو الحزب الديمقراطي بما هو البديل الظاهر الوحيد عن بوش. وفي حملة تعيين المرشح الديمقراطي، في خريف عام 2003، وضع آلاف المناضلين أنفسهم في خدمة هووارد دين أبرز المرشحين المناوئين للحرب. ثم دعموا كيري بمجرد ما حصل على أحسن نتيجة في الانتخابات الأولية -رغم أنه كان صوت لصالح الحرب منذ البداية وأيد مواصلة احتلال العراق. وخصصت مقالات عديدة في Znet ، أهم موقع مناهض للرأسمالية بالولايات المتحدة الأمريكية، لهجمات على رالف نادر لجرأته في مواجهة حزبي عالم الأعمال المناصرين للحرب، رغم أن بعض استطلاعات الرأي ترقبت حصوله على 5% من الأصوات. وأبدى مايكل مور، السينمائي الجذري الذي عمل الكثير لبناء حركات مناوئة للحرب و مناهضة لهيمنة الشركات متعددة الجنسيات على النظام، تأييده لكيري بعدما دعم في البداية ويسلي كلارك، قائد عمليات حلف شمالي الأطلسي بصربيا سابقا. ودعا نعوم تشومسكي ذاته إلى التصويت للمرشح ديمقراطي في الولايات الهامشية. وقدم حزب الخضر، الذي كان ساند نادر عام 2000، مرشحه الخاص ضده، مما أدى الى مزيد من الغموض والنقاش. إن السياسة التي تم رميها على ما يبدو من باب الحركة بسياتل، تعود عبر النافذة. لم يقض نقاش من هذا القبيل على الحركة ، كما دلت التظاهرات الضخمة بواشنطن، وشبكات المجموعات المناوئة للحرب في أماكن غير متوقعة و ما حظي به فيلم موور فرنهايت 11/9 Fahrenheit 9/11 من شعبية واسعة. لكن النقاش قد يتواصل بشكل أو بآخر، أيا كان حزب عالم الأعمال الكبير الذي سيفوز بالانتخابات ويواصل الاحتلال. و لن يغني الابتهاج لحجم الحركة وتنوعها واستقلالها عن طرح أسئلة حول ما يتوجب عليها لضمان الانتصار.

الإكوادور

لم تكن أوربا مسرح أعلى مستوى من النضالات منذ سياتل، بل أمريكا اللاتينية. حيث أدت انتفاضات عفوية ضد عواقب النيوليبرالية والأزمة الاقتصادية إلى إطاحة حكومات في ثلاثة بلدان خلال ثلاث سنوات، بدءا بالإكوادور في يناير 2000.

قال ألكسيس بونس عن الانتفاضة: «كان ذلك شبيها تقريبا بالاستيلاء على قصر الشتاء[ في ثورة اكتوبر 1917 بروسيا – م]. يا له من مشهد رائع: مئات من الجنود يدا بيد مع آلاف من السكان الأصليين». كان رئيس البلد ماهواد، وهو اقتصادي خريج هارفارد، ينهج سياسة نيوليبرالية، مختصرة في مخطط قصد استبدال العملة المحلية سوكر بالدولار الأمريكي، وذاك في مرحلة كاد مستوى البطالة يبلغ 30%. شارك السكان الأصليون في ثلاث تظاهرات نضالية العام الماضي. لم تقتصر هذه المرة منظمتهم، CONAIE، على التظاهر، بل احتلت البرلمان، وقصر العدالة والقصر الرئاسي –وبذلك حظيت بدعم غير منتظر من وحدات عسكرية. فر الرئيس، وحلت محله لجنة مكونة من ثلاثة أشخاص ضمت عقيدا متعاطفا مع الاحتجاجات، وهو لوسيو غوتييريز، وممثل عن منظمة CONAIE.

لم يدم الفرح طويلا. حل قائد أركان الحرب محل غوتييريز وعين مساعد ماهواد، نوبوا، رئيسا للبلد وأعاد الانضباط العسكري. تم اعتقال غوتييريز وجنود آخرين كانوا قد دعموا الانتفاضة، بينما تحمل نوبوا مسؤولية إعادة تطبيق البرنامج النيوليبرالي لسلفه المطرود (بما في ذلك الدولرة).

شهدت السنتان اللاحقتان تجدد حواجز الطرق، ينظمها السكان الاصليون، واضرابات مديدة، ومواجهات دامية ضد ارتفاع الأسعار. ولما أطلق سراح غوتييريز سارع إلى إلقاء خطابات نارية ضد نيوليبرالية الحكومة. وصرح في المنتدى الاجتماعي الأول عام 2001: «لا نريد أن تباع مقاولاتنا الإستراتيجية، ولا التخلي عن سيادتنا المالية، نحن نعارض مشاركة الإكوادور في مخطط كولومبيا، ونحن ضد تدنيس سيادتنا بوجود القاعدة العسكرية بمانطا». جعل منه ذاك الخطاب بطلا لدى اليسار برمته في أمريكا اللاتينية وضمن له دعم حركة السكان الأصليين كوناي CONAIE واليسار لما فاز في انتخابات عام 2002 الرئاسية. حصلت منظمة كوناي على وزارة الشؤون الخارجية، والزراعة والتعليم والسياحة، و حصلت الحركة الديمقراطية الشعبية، وهي حزب ماركسي الأصول، على وزارة البيئة. احتفى القائد الأهلي ووزير الشؤون الخارجية، باكاري «بالاعتراف بالشعوب المتجاهلة تاريخيا». هكذا فإن حركات كانت قد فشلت في تغيير المجتمع بفعل انتفاضات باتت على اقتناع بإمكان بلوغ ذلك بالانتصار الانتخابي في الإطار القائم.

كانت النتائج مفجعة. خضعت الحكومة لشروط صندوق النقد الدولي ودعمت خطة كولومبيا. استقال وزراء كوناي CONAIE و جرى استبدالهم بعناصر يمينية. «خان» غوتييريز «حركة السكان الأصليين»، كما صرح القائد اومبيرتو شولانغو. وتحدث عالم الاجتماعي الماركسي الإكوادوري فرانسيسكو هيدالغو عن «الهزيمة الأولى لحركة السكان الأصليين المعاصرة».

تبرز الهزيمة عجز سياسة لا تتجاوز الاحتفاء بالنشاط المستقل لمجموعة خاصة، حتى حيث يشكل النضال بقصد الاستقلال مرحلة ضرورية لسيرورة نضال التحرر.

ومثل حركة الزنوج بالولايات المتحدة الأمريكية في سنوات 1960، ارتكزت حركات السكان الأصليين بجمهوريات أمريكا الجنوبية على أناس يقاومون الميز والاستغلال الماديين، وفي الآن ذاته يعبرون عن اعتزاز بجذورهم- أي بعناصر ثقافية سابقة للغزو الأسباني. إن تلك الحركات تؤلف الاستغلال والاضطهاد. وبفعل طريقة تفاعل العنصريين، قد تكون ثمة في مثل تلك الحركات اتجاهات قوية لا ترى مصالحها المشتركة مع الطبقات الشعبية الناطقة بالأسبانية، الملونين، التي تتعرض لإفقار متزايد، و تشكل القسم الأكبر من نصف السكان الآخر.

يكتب بونس عن انتفاضة يناير 2000:

كان ثمة عصبوية وتشبت بالرأي منظمان… ضد… فئات شعبية ومنظمات اجتماعية لها تماثلات وتجانسات مع القضية… لكن كان ثمة إقصاء لقطاعات اجتماعية وسياسية أخرى. ما من عمل مسبق لخلق دعم اجتماعي للانتفاضة… لم يدمج نقابيو المدن الكبرى، كالجبهة الموحدة للعمال FUT، والمدرسون والطلاب التابعين للجبهة الموحدة صراحة في الانتفاضة، لا بل كانوا مهمشين.

وكانت النتيجة: « حظي السكان الأصليون في المحاولات الثلاث التي تلت انتفاضة عام 1969 بتهليل السكان على نطاق واسع، لكن لما وصلوا على الأقدام إلى كيتو، لم يحدث شيء من ذلك في يناير 2000».

وبعبارات أخرى، حالت انفصالية و«استقلالية» بعض قادة الحركة دون بلوغ الانتفاضة تأثيرها الأقصى، و تركتها في آخر المطاف دون دفاع أمام عزم الطبقة الحاكمة القضاء عليها. لكن سرعان ما بينت الأحداث بجلاء حاجة الانتفاضة إلى حلفاء. وإذا تعذر إيجاد أولئك الحلفاء في الفئات الشعبية، لزم البحث عنهم في مكان آخر. ذلك كان مصدر الثقة في غوتييريز في ليلة 21 يناير – والثقة الممنوحة للتحالف الحكومي معه بعد سنتين من ذلك. وكما يقول فرانسيسكو هيدالغو، «كانت منظمة السكان الأصليين الرئيسة تعاني من غياب قيادة سياسية».

وبليغ أن يصل بونس إلى نتائج مماثلة. كان قبيل الانتفاضة ، يمدح الزاباتيين الذين «غيروا» المفاهيم السياسية لـ«يسار القارة» قبل «سنوات 1980 و1990» ولم يعتبروا « السلطة السياسية مسألة مركزية».

لم يكن للنضال غنى عن تأكيد «الاستقلال»، بمعنى إمساك شعب بزمام قراراته والقطع مع 500 سنة من الخضوع للآخرين، لكنه ما كان كافيا. تظهر حتما في كل «مساحة مستقلة» مواقف سياسية متباينة فيما يخص النهج المطلوب. ويحدد المجتمع الرأسمالي حيث يوجد المضطهَدون طبيعة تلك المواقف السياسية. لا يمكن أن يقتصر النضال ضد الاضطهاد على خطابات حول إثبات الذات والاستقلال. ولا بد له، إن وجب عليه تجاوز نقطة معينة، من مواجهة المسألة الرئيسية المتعلقة بإصلاح المجتمع أو الثورة الإجمالية- وبما يستدعيه حل تلك المسألة من أشكال تنظيم مخترقة للمجتمع. إن من يدعي أن «الاستقلال» يعني عدم تدخل الأحزاب بقصد التأثير على الحركات، إنما يدعو في الحقيقة إلى وجوب التزام من يعارضون الانحراف الإصلاحي الصمت بينما يتحول النصر إلى هزيمة.

دروس الأرجنتين

كانت الانتفاضة الأرجنتينية في 10 و20 كانون الأول (ديسمبر) 2001 عفوية، دون ما كان قائما بالإكوادور في يناير عام 2000 من محور تنظيم مركزي. انفجر غضب مختلف المجموعات الاجتماعية المتراكم –عاطلي ضواحي بيونس أيرس، والياقات البيضاء بالعاصمة، وأقسام عريضة من الطبقات المتوسطة- انفجر في الشوارع وأجبر الرئيس دي لارووا على الفرار على متن طائرة مروحية. ومر شهر قبل أن يكون ما يشبه حكومة مستقرة قادرا على أن يحل محله.

برزت بعد الانتفاضة أشكال تسير ذاتي شعبية. وفي المنطقة الصناعية (وفي عدة مدن صناعية للولاية) ازداد عدد منظمات العاطلين، البيكيتروس، ونزلت إلى الشوارع طلبا للمؤونة وتعويضات «خطة العمل»، وفرص عمل. وفي بيونس أيرس، ظهرت تجمعات من 50 إلى 100 شخص في كل حي، منسقة عملها بواسطة «تجمعات التجمعات» أسبوعيا في كل أرجاء المدينة. كانت تلك الهياكل مراكز نُظمت انطلاقا منها احتجاجات متتالية وأخذت على عاتقها بعض الوظائف اليومية الضرورية لمساعدة الناس على مقاومة الأزمة: كانت مجموعات من البيكتروس تزرع خضرا في أراضي خالية، وتعد الخبز جماعيا، وتوزع ما قد تحصل عليه من إعانات الدولة. وأقامت تجمعات نواد مقايضة حيث كان الناس يتبادلون الوظائف والخدمات دون اللجوء إلى النقد الذي يعوزهم. كانوا ينظمون منتديات للناس المشمئزين تماما من الأحزاب السياسية القديمة التي دعموها حتى ذلك الحين. و بين استطلاع للرأي ،في أوج تأثير التجمعات، أن 40% من سكان بيونس أيريس ترى فيها نموذج تسيير البلد مستقبلا.

قاد مستوى التسيير الذاتي العجيب وتعظيم الحركة عددا كبيرا من اليساريين، بالأرجنتين و بالعالم، إلى استخلاص انتفاء الحاجة إلى تنظيم سياسي. وتبنى مثقفون مرموقون ببيونس أيرس أفكار هولواي ونيغري. وبلور ثامورا، التروتسكي سابقا، الذي جعلته هجماته الضارية في البرلمان ضد الحزبين الكبيرين أحد أكثر الساسة شعبية بالبلد، صيغة الاستقلالية الخاصة به. كما كانت الأفكار الاستقلالية بالغة القوة بأحد أهم منظمات البيكتروس، Coordinadora Anibal Verón . ولما كنت أحاجج مايكل هاردت، الذي شارك نيغري في كتاب الإمبراطورية، كان النموذج الأرجنتيني مثال أنصاره المستشهد به بكثرة.

ومع ذلك جرى استتباب الاستقرار السياسي حاليا (على الأقل في الوقت الحاضر)، وما عادت التجمعات قائمة مطلقا، ويواجه البيكتروس نارا كثيفة من وسائل الإعلام ودرجة قمع متعاظمة من الدولة، وفي الآن ذاته من مجموعات متنفذة مرتبطة بالبيرونية.

كانت لحركات العامين 2001 و2002 قدرة شل أنشطة الدولة ودفع الطبقات الرأسمالية الأرجنتينية إلى موقف دفاعي. كما استطاعت التلويح بشبح تسيير مغاير للمجتمع. لكنها لم تكن واضحة كفاية بشأن ما تريد تحقيقه أو تنسيقه لإطاحة الطبقة الحاكمة وإرساء بنية اقتصادية واجتماعية جديدة مرتكزة على التسيير الذاتي الديمقراطي من أسفل والإنتاج لتلبية الحاجات وليس الأرباح. يتمثل فشلها الذريع في عجزها عن تطوير إستراتيجية تجذب أقسام الطبقة العاملة المستخدَمة إلى النضال. كان الخوف من فقدان العمل يبعد تلك الفروع من الانخراط في نضالات العاطلين، بينما كان البيروقراطيون البيرونيون المتحكمون في الاتحادين النقابيين الرئيسين يضطلعون بالإنابة عن الحكومة المؤقتة التي شكلها في آخر المطاف أدولفو دوهالدي شهرا بعد الانتفاضة. ظل نصف الطبقة العاملة المحروم من العمل تابعا للحكومة للحصول على التعويضات (مهما كانت هزيلة) التي تتيح البقاء على قيد الحياة. استعمل دوهالدي بعض تلك التعويضات لإخماد فتيل أقسام من البيكتروس. واستعمل بعضها لإعادة بناء شبكاته الخاصة. أُستكمل الاستقرار السياسي بانتخاب بيروني آخر، كيشنر، في منتصف عام 2003. و بعد ثمانية عشر شهرا من الإخفاق في إتيان حل للأزمة خاص بها، انضمت إليه أقسام من الحركة بصفته ممثلا للبديل الوحيد الذي يبدو ذي مصداقية قياسا باليمين(وبوجه خاص الرئيس السابق منعم). وكان يحظى خلال تنصيبه بدعم الاتحاد النقابي الثالث CTA، المفترض أنه يسار غيره، وبعض منظمات البيكتروس مثل باريوس دو بي و MIJD لراوول كاستيلس، وقسم منظمة أمهات ساحة مايو التي تقودها هيبي بونافيدي ومجموعات حقوق مدنية أخرى. كانوا يرون أن «كيشنر ينافس شافيز المحبب إليهم على لقب الرئيس الأكثر يسارا في القارة، وحامل صورة أكثر “تمردا” من صورة لولا».

لم يكن بوسع «استقلال » الحركة التي أطاحت الرئيس دي لارووا إتيان بديل عنه، فكان الناس، بفعل ذلك، يميلون في آخر المطاف إلى الاعتقاد بأن الخيار الوحيد قائم بين تنويعات النظام القديم. لم يمكن إبقاء السياسة خارج الحركات. وكانت المسألة الحاسمة متمثلة في معرفة أي سياسة قد تنتصر. وكما حدث في الإكوادور، ما لم ينجح ثوريون ذوو إستراتيجية توحيد للحركات وتوسيع لها في استقطاب المناضلين الأكثر نشاطا وعزما، تنتصر الإصلاحية، ومعها رجوع «الركام القديم» بكامله. إن من كانوا يقتصرون على تقديس الحركات، أو يعلنون بإلحاح ضرورة استبعاد الأحزاب السياسية، تصرفوا على نحو منح الغلبة للأفكار الأقل تهديدا «للحس السليم» للمجتمع البرجوازي.

بوليفيا

تكتسي نتائج الانتفاضة البوليفية في تشرين الأول /أكتوبر 2003 عددا كبيرا من أوجه الشبه مع الأوضاع بالإكوادور والأرجنتين. فر الرئيس «غوني» لوزادو، من البلد أمام محاصرة المقرات الحكومية بالعاصمة لاباز من قبل عشرات آلاف المتظاهرين،منهم مجموعات من مدينة الفقراء إل ألتون بضاحية العاصمة، وفلاحون ومزارعو الكوكا وعمال مناجم مدججون بالمتفجرات. لكن نائبه ميزا تمكن من الانتصار وإقناع المتظاهرين بالعودة إلى ديارهم.

صرح أليكس غالفيز، ممثل نقابة نسيج ، في تجمع موسع للاتحاد النقابي COB بعد يومين من ذلك:

ميزا أداة بيد البرجوازية. وعلاوة على ذلك، تهيمن نفس الأحزاب النيوليبرالية على الكونغريس. تخلصنا من الرئيس، لكن مازال شركاؤه بالسلطة. أطيح غوني، لكن يبقى النموذج الرأسمالي النيوليبرالي ساريا. انتصرنا في معركة، لكننا لم ننتصر في الحرب.

وبعد تسعة أشهر، ما بقي ميزا في السلطة وحسب، بل نجح في الفوز في استفتاء شعبي حول المسألة المركزية التي أثارت الانتفاضة، مسألة بيع غاز بوليفيا الطبيعي لشركات أجنبية متعددة الجنسيات.

كانت الانتفاضة ذروة موجة نضال من ثلاثة مكونات أولية. كانت ثمة حملة ضخمة لعمال وفلاحين ضد خصخصة الماء (والزيادة في سعره) بمنطقة كوتشابمبا، بقيادة النقابي اوسكار اوليفيرا. وكان ثمة حركة مزارعي الكوكا بقيادة إيفو موراليس وحزبه، الحركة نحو الاشتراكية MAS. وكانت ثمة الحركة لأجل إثبات حقوق السكان الأصليين بقيادة فيليب كيسبي من كونفدرالية الفلاحين.

كانت منهجية كيسبي تركز على المطالبة بقيام أمة أيمارا مستقلة ومتمتعة بحكم ذاتي، و كان يشهر بالماركسية بما هي تعبير للفكر «الأوربي» بل «الأبيض». وكان إيفو موراليس –أحد نجوم عدة اجتماعات للحركة المناضلة من أجل عولمة بديلة –ينزع نحو الانتخابوية (حقق نفس نسبة 21% التي حصل عليها لوزادا في انتخابات عام 2002 وحسم الكونغريس مسألة من المنتصر). كان أوسكار اوليفيرا مناضلا عماليا حازما، لكن كان يرفض كل خطاب حول الثورة. وهذا لم يمنعهم من الاضطلاع بدور حيوي في اضطرابات أعوام 2000 و2001 و2002، مع سلسلة اضرابات متوالية، وإغلاق طرقات وتظاهرات ومواجهات ميدانية مع قوى الدولة. لكن حدودهم برزت عام 2003. رغم أن مجمل ضاحية لاباز الضخمة ، إل ألتو، كانت تحت رقابة شعبية و كان عمال المناجم المسلحين قد انخرطوا في النضال، ما من أحد أمكنه معارضة استبدال لوزادا بميزا. إن بنيات وأفكارا كانت بدت كافية لما كان الأمر يتعلق ببناء حركات جماهيرية «مستقلة»، ما عادت تصلح لأي شيء لما طرحت مسألة الجواب عن سؤال ما العمل لما كانت سلطة الدولة في الميزان.

وجدت الحركة نفسها، بعد الأشهر التي تلت أعظم انتصاراتها، متخبطة في بلبلة عميقة. دعم إيفو موراليس و حزبه MAS الحكومة الجديدة، ودعيا إلى التصويت بنعم لصالح الاستفتاء الشعبي. وانتظر قادة آخرون مترقبين ما قد يحدث، بينما كان مناضلون نقابيون بالعاصمة لاباز وإيل ألتو يتحدثون عن النضال للاستيلاء على السلطة، لكن دون أن توجد حولهم القوى التي تتيح ذلك.

خلص عدد كبير من المشاركين في الاجتماع الموسع للاتحاد النقابيCOB إلى أن «بعد المشاركة في انتفاضة اجتماعية كبيرة خلفت 70 وفاة مأساوية، لم ينتزع العمال والفلاحون والأمم المضطهَدة والطبقات المتوسطة المفقرة السلطة من الطبقات المهيمنة لأن ما كان بوسعهم الاعتماد على حزب ثوري». من الصعب إيجاد إثبات أوضح لحدود فعالية «استقلالية» الحركات. ورغم كل شيء، يترك ذاك الإثبات دون جواب مسألة البديل، أي «الحزب الثوري» وسبل بناءه.

بادرة تاريخية أولى: ألمانيا 1919

عادة ما يعتقد أناس منخرطون في نضالات كبرى أن فعلهم شيء جديد تماما. وغالبا ما يطورون فعلا أشكال نضال جديدة. لكن ثمة أيضا دوما ترسيمات تطور شبيهة بتلك التي شوهدت سابقا. وبوجه خاص، يواصل فكر عدة أشخاص مشاركين في المعارك الجديدة انطباعه بكيفية نظرهم إلى المجتمع الذي يناضلون ضده. إن موقفهم خليط من احترام الأفكار القائمة ومن تجذر متأت من اكتشافهم التدريجي لقدرتهم الجماعية. إن وعيهم متناقض، ثوري جزئيا و إصلاحي جزئيا.

يوجد المثال الكلاسيكي في أوربا خلال مرحلة المد الثوري في سنوات 1918-1920. كانت أغلبية القيادات الإصلاحية القديمة قد دعمت الحرب العالمية الأولى، وحاربت بكره التجذر الجديد الذي كان ينتشر في الطبقة العاملة تحت تأثير الثورة الروسية وانهيار الإمبراطوريات القديمة بأوربا الوسطى. كان نوسكيه القائد الاشتراكي الديموقراطي الألماني يقول:«أمقت الثورة كما الطاعون». ولا تفاجئ رؤية عدد كبير من العمال يهجر قادة من ذاك القبيل. لكن اليسار الثوري كان صغيرا جدا ( 000 3 مناضل بألمانيا أثناء انهيار الإمبراطورية) وغير منظم. أضف الى ذلك أن الكتلة العريضة من العمال، حتى المتحمسين لفكرة الثورة، لم تترسخ لديهم بعد ثقة كبيرة في قدرتهم على القيام بالثورة بنضالاتهم الخاصة. وما كان تحقيق ذلك ممكنا سوى كنتيجة لنضال مديد. كان وعيهم بالتالي خليط مفاهيم ثورية وإصلاحية.

في أهم الحالات، أي ألمانيا، برز حزب سياسي جديد خلال الحرب[ الاشتراكيون الديمقراطيون المستقلونUSPD] تعبيرا عن تلك الأفكار الغامضة. كانت قيادته شخصيات سابقة في الحزب الاشتراكي الديموقراطي القديم طُردت لعدم مشاطرتها نفس حماس تأييد الحزب للحرب. لكن الحزب الجديد ما كان ثوريا بجلاء. كان يضم شخصيات يسارية مثل كلارا زتكين، ولكن أيضا ممثلين من التيار الوسطي في الحزب القديم مثل كارل كاوتسكي، وحتى مسالمين متحدرين من اليمين «المراجعاتي» مثل إدوارد برنشتاين. كان الموقف الرسمي للحزب يرتكز على موقف وسطي بين الإصلاح والثورة (سمي ذاك الموقف آنذاك «الوسط» أو الموقف «الوسطي»)- داعيا على سبيل المثال إلى إدراج المجالس العمالية في الدستور الجديد كغرفة ثانية موازية للبرلمان القائم. كانت قيادة الحزب، سواء بحفز من رغبة الحفاظ على تأثيرها على الأنصار أو بالأقل في بعض الحالات، أو بفعل غموض أفكارها، تلقي خطابات وتكتب مقالات وتنشر برامج تثمن التجربة الروسية والنزعة البرلمانية على حد سواء. وكانت بذلك تضم إلى صفوفها عددا متعاظما من العمال. انتقل عدد أعضاء حزبها، الحزب الاشتراكي الديموقراطي المستقل من 000 300 عضو في مطلع عام 1919 إلى 000 800 في متم عام 1920، وأصواتها الانتخابية من 2.3 إلى 4.9 (بعد 5 مليون صوت حصل عليه الحزب الاشتراكي الديمقراطي القديم). وفي الآن ذاته، ثمة الثوريون المنتمون للحزب الشيوعي المؤسس حديثا، ورغم أن الشهيدين الثوريين الأكثر شهرة، كارل ليبكنخت وروزا لوكسمبورغ، قاما ببنائه، فإنه لم يتجاوز 000 50 عضوا.

كانت السياسة المعتدلة لقيادة حزب الاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين كارثية في لحظات النضال الرئيسية. إن كونهم مهيئين للانضمام بسرعة إلى حكومة اشتراكية ديمقراطية فور اشتعال ثورة تشرين الثاني (نونبر) عام 1918 أتاح للحزب الاشتراكي الديمقراطي تهدئة أقسام عمالية هامة مع السعي لوضع حد للثورة. وعلى نحو مميَّز، خلال 18 شهرا من شبه الحرب الأهلية التي تلت، تمكن قادة حزب الاشتراكيين الديموقراطيين المستقلين USPD من الانعطاف يسارا تحت ضغط أعضاء الحزب، مقدمين شعارات فعل نضالي، ثم التراجع فجأة، متخليين عن القاعدة المناضلة دون دفاع بوجه انتقام الدولة. وقد لخص الثوري اوجين لوفيني دورهم قبيل إعدامه على إثر دوره في جمهورية السوفييتات ببافيير: «ينطلق الاشتراكيون الديمقراطيون، ثم يفرون ويخونوننا، ينخدع المستقلون وينضمون إلينا ثم يتركوننا، ونحن الشيوعيون من يوضع بوجه الجدار. نحن الشيوعيون موتى في إجازة».

لكن الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل كان أيضا حلبة يختبر بها عدد كبير من العمال أفكارهم بوجه الواقع –ويجدونها أكثر فأكثر ضعفا. وفي ذروة نمو الحزب وتأثيره بالضبط ، احتدم نقاش في صفوفه حول اتجاه سيره، وصوتت الأغلبية في متم عام 1920 لصالح اندماجه في الحزب الشيوعي لتشكيل حزب كبير، موحد وثوري بجلاء.

فسر ليون تروتسكي فيما بعد كيف كانت الأفكار «الوسطية» المبلبلة لقادة مطلع عام 1919 مطابقة لتبلبل أفكار عدد كبير من العمال الألمان. لكن بينما كانت البلبلة عيبا «طبيعيا» لقادة عاجزين عن فعل سياسي خارج إطار شكل أو آخر من البرلمان (أو مفاوضات نقابية)، فإنها كان مجرد مرحلة في تحول وعي العمال المنتقل من رؤية إصلاحية إلى منظور ثوري. لم يحدث ذاك التحول في الوعي عفويا. كانت تجربة النضالات الصعبة تخلق مجال تطوره. أثار ذلك تقاطبا عفويا وسط الحركة. لكن ما كان ممكنا تجاوز التقاطب سوى عبر نقاش دائم بين اتجاهات سياسية. تدخل لينين وتروتسكي ولوكسمبورغ ( في الأسابيع القليلة قبل اغتيالها في منتصف كانون الثاني (يناير) من العام 1919 ) في النقاش، منتقدين من كانوا يرفضون تبني موقف ثوري كامل، ومفسرين بوضوح أن على الثوريين أن يكونوا ضمن فرق حراسة الإضراب وفي المتاريس مع رفاقهم.

السابقة التاريخية الثانية: الولايات المتحدة الأمريكية في سنوات 1960

ويتمثل مثال آخر ملائم اليوم في حالة الحركة الطلابية بالولايات المتحدة الأمريكية في النصف الثاني من سنوات 1960. إن المنظمة الرئيسية، طلبة من أجل مجتمع ديمقراطي SDSبدأت نضالاتها بمعاداة شديدة لما كانت تعتبره السياسة «القديمة». كانت مقاربتها مختصرة جيدا في تقرير مؤتمر شيكاغو عام 1969:

قبل بضع سنوات، كانت منظمة الطلبة من أجل مجتمع ديمقراطي SDS في غالبيتها الساحقة مناهضة للمركزة وللإيديولوجية. وحده الممارسة كانت مهمة. كانت الماركسية مرفوضة بما هي «يسارية قديمة». وكانت الطبقة العاملة غير موجودة، وعديمة الفائدة وخائنة. كان تنظيم الجماعات communautés والديمقراطية بالمشاركة الجملتين الرئيسيتين المحددتين للمنظمة.

وفي الشهور التي تلت تظاهرة 100000 شخص أمام البانتاغون في أواخر عام 1967، لوحظ تجذر في منظمة الطلاب من أجل مجتمع ديمقراطي SDS، لكن مع رفض دائم للـ«إيديولوجيا». شهد ذاك الطور انفجارا لكل أنواع الأفكار اللاسلطوية، مع مجموعات مثل Yippies و Motherfuckers إلخ –وهو ما قد نسميه حاليا «الاستقلالية». لكن بعد هجمات الشرطة العنيفة على التظاهرات أمام مؤتمر الحزب الديمقراطي بشيكاغو، وموجة قمع تضمنت اغتيال أعضاء حزب الفهود السود Black Panthers Party، تبين لمناضلي اليسار الجديد أن «القيام بالأمور على طريقتهم» لم يعد كافيا.

كان النضال ضد الحرب على فيتنام ومن أجل تحرر السود يكشف طبيعة الدولة الرأسمالية الأمريكية ويقود إلى إدراك ضرورة إطاحتها. إن ما بدأ كحركة تشبه كثيرا حرب أطفال فائقة المثالية لانقاذ العالم أصبح أكثر فأكثر خطورة وجدية. هكذا ازدادت الرهانات، مما أجبر الحركة الجذرية على حمل ذاتها، وبالتالي أفكارها، على محمل الجد… وبينما كان مناضلو منظمة طلاب من أجل مجتمع ديمقراطي SDS يشرعون في البحث عن تعريفات سياسية خلال مرحلة المد السريع تلك، كانت جهودهم الأولى مطبوعة بسمة اليسار الجديد المناهضة للإيديولوجية. كان كل طور جديد لمختلف الحركات المنبثقة من المجتمع الأمريكي، ولكل مرحلة من تطور الأزمة، يُحلل بما هو خاصية من الخصائص الدائمة للعالم… وسرعان ما تحولت الإيديولوجية «المناهضة للإيديولوجية» إلى إيديولوجية «البحث عن الإيديولوجية». وانتشرت على نطاق واسع أسطورة مفادها أن منظمة طلاب من أجل مجتمع ديمقراطي SDS كانت، بفعل تجربتها الخاصة، على وشك تطوير توليف سياسي جديد تماما وأمريكي محض. ولما غدا واضحا بأن ذاك التوليف الكلي والأصيل ما كان على وشك الظهور، بدأت الحركة البحث عن إمكانات الاستيراد.

آنذاك انضمت مجموعة كان يبدو أنها تقدم الإيديولوجية المفقودة إلى منظمة الطلاب من أجل مجتمع ديمقراطي SDS. تلك المجموعة هي المنظمة الدوغمائية الماوية الستالينية Progressive Labour PL.

«كان أول رد الفعل على منظمة PL بين أعضاء منظمة طلاب من أجل مجتمع ديموقراطي SDS معارضا للغاية». لكن سرعان ما «كان واقع أن منظمة PL تحمل نظرة للعالم منسجمة اسما على الاقل ميزة هامة». بدا أنها تقدم إجابة قوية ومتماسكة على وضع اليسار الجديد المتفاقم. كان الرد الوحيد الممكن لقيادة منظمة طلاب من أجل مجتمع ديموقراطي SDS –ولآلاف الأنصار- هو تبني خط متزايد التشدد. ومنذ مؤتمر عام 1969، كانت مجموعة من المناضلين الذين كانوا ينهجون ما قد نسميه حاليا سياسة «استقلالية» استسلمت لصيغة أو أخرى من «الماركسية» الستالينية. وبمجرد إسقاط قناع الإمبريالية الأمريكية، كان الناس يرغبون في النضال –وبالتي بحاجة إلى أفكار ومنظمة. تمثلت المأساة في أن اليسار الماركسي حقا كان ضعيفا جدا (و اقترف أخطاءه الخاصة به)، تاركا المجال شاغرا لمن كانت أفكارهم ومنظمتهم خاطئة تماما.

فرص وتحديات

النموذج الحزبي السيئ

لا يكفي إدراك ضرورة الحزب. يجب أن يكون حزبا من النوع الجيد، حزبا يتطور في الحركة ويوحدها، لا حزبا يحبسها مفرغا إياها من طاقتها وإبداعيتها. وذلك بوجه الدقة ما قامت به غالبا بعض نماذج الأحزاب المنتشرة جدا. إذ بدل اجتذاب أفضل المناضلين، قامت بإبعادهم، مقوية بذلك الاستقلالية والإصلاحية.

هذا، ما حدث على سبيل المثال مع بعض المنظمات الثورية بأمريكا اللاتينية. كان ثمة في الإكوادور تاريخ منظمات ماركسية حاولت الحلول محل الحركات- من جهة مجموعات حرب غوار صغيرة تناضل خارج كل حركة جماهيرية، ومن جهة أخرى، في حالة أحزاب شيوعية خاضعة لموسكو، دعم أحد الحكام الطغاة. وفي الأرجنتين بلغت عصبوية أكبر منظمتين انبثقتا من إحباط سنوات 1990 حدا باتت به كل منهما تناور لفرض شعاراتها على حركة البيكتروس والتجمعات عام 2002 – و انتهى بهما الأمر إلى المواجهة الجسدية في تجمعات جماهيرية و توجب على الحشد تفريقهما. وفي بوليفيا، كان وضع الانتفاضة في السنوات الأربع الأخيرة مغايرا لنضالات سنوات 1950 و1980 بعناصر جديدة، تأكد من أن حزب العمال الثوري POR التروتسكي عاجز عن الارتباط بها.

تنجم هكذا مقاربات عن نموذج مشترك لحزب خارج النضالات الواقعية والملموسة. حزب يعتبر نفسه تجسيدا للوعي الاشتراكي وتُختصر مهامه في إقناع العمال بالسير خلفه.

إن الصيغة الكلاسيكية لذلك المسعى هي الاشتراكية الديمقراطية قبل الحرب العالمية الأولى. اعتقد ابرز منظريها على الصعيد العالمي، كارل كاوتسكي، أن الاشتراكية ستتحقق لما يقنع الحزب أغلبية العمال بالتصويت له. ليست مهمة الحزب، بناء على ذلك، قيادة النضالات المباشرة، بل القيام بالدعاوة المتأنية لأفكاره حتى بلوغ الهدف. إن غلبة تلك الرؤية للحزب، حتى لدى الاشتراكيين الديمقراطيين اليساريين، هو الذي قاد إلى السلبية بوجه حالات المد الثوري، مثل احتلال المصانع في إيطاليا عام 1920. اعتبر أصحاب تلك الرؤية عدم تصويت مجموع الطبقة العاملة لصالح الثورة استحالة للثورة.

يوجد معادل ثوري لتلك الرؤية، يعتبر الحزب الثوري طليعة صغيرة يتوجب عليها حماية صفاءها من أحزاب أوسع غير ثورية قائمة في الطبقة العاملة، فيما ينتظر أن تدفع الأحداث الشعب الى الاستدارة نحوه. إنذاك ُيفترض أن يتيح له صفاءه الإقدام على إطاحة ثورية للرأسمالية لصالح العمال. عبر القائد الأول للحزب الشيوعي الإيطالي، أماديو بورديغا، عن تلك المقاربة على نحو أوضح. ووصف أنطونيو غرامشي ما يعني ذلك عمليا:

جرى اعتبار مشاركة الجماهير في نشاط الحزب وحياته الداخلية، خارج المناسبات الكبرى والمراسيم الشكلية للمركز، خطرا على وحدة الحزب ومركزيته. لم يكن يُنظر إلى الحزب بما هو نتيجة سيرورة جدلية تتضافر فيها الحركة العفوية للجماهير الثورية وإرادة المركز المنظِّمة والموجهة. كان الحزب كأنه معلق في الهواء، حاملا لتطوره الخاص المستقل والمتكَون ذاتيا، شيئا تنضم إليه الجماهير لما يكون الوضع جيدا، والموجة الثورية في ذروتها أو لما يقرر مركز الحزب شن هجوم و يجنح إلى الجماهير لتعبئتها و اقتيادها إلى الفعل.

غالبا ما ظهرت اتجاهات من ذلك النوع منذ بورديغا. وشجعتها الستالينية بفكرة وجوب انتظار الحزب الأوامر من موسكو. لكن شجعتها أيضا عزلة منظمات ثورية فعلا خلال مراحل هزيمة وإحباط الطبقة بمجملها. انطلاقا من أهمية ُتولى عن حق لمسألة الحفاظ على التقليد الثوري في فترات ندرة العمال المهتمين، كان من السهل الوقوع في اعتقاد أن الحزب مجسد للوعي «الحقيقي» للطبقة وأن الثورة مرتبطة بقدرته على فرض أفكاره على المنظمات العامة للطبقة العاملة بطريقة أو بأخرى. نموذج الحزب هذا هو ما يجعل الناس في الحركة، يرفضونه. أنهم يعتقدون أن تدخل الأحزاب يعني مقاربة تراتبية حيث يُخضع الحزب الحركة لأوامره.

ثمة رغم كل شيء نموذج حزب مغاير تماما. إنه يعظم كل حركة نضال عفوية إلى هذا الحد أو ذاك وينخرط فيها. لكنه يقر أيضا بما قد تثيره سبل التقدم من خلافات بين من يناضلون. سيختار البعض طريقا توفيقيا يبدو سهلا. وسيرغب آخرون في دفع النضال أبعد وربطه بنضالات أخرى. يسعى الحزب الثوري إلى إضفاء تماسك على المجموعة الثانية. إنه نموذج الحزب الذي نجد في كتابات لينين وفي كتابات أحد أوائل قادة الشيوعية الإيطالية، أنطونيو غرامشي (الذي قطع مع بورديغا عام 1924). يلح غرامشي على أن الحزب ليس الطبقة برمتها. «يجب التمييز بجلاء بين مفهومي “الطبقة” و “الحزب”». إنه «عنصر من الطبقة العاملة، عنصرها الأكثر تقدما، والأكثر وعيا وثورية من الناحية السياسية» ويسعى للعمل مع الطبقة، محاججا ضد التيارات الإصلاحية، لكسب الناس إلى منظوراته. و يقر بأن خلافات تنشأ كل لحظة بين الراغبين في دفع النضال إلى أمام ومن يريدون الغوص في الأفكار المبتذلة. ذاك ما يعنيه مصطلحا «الطليعة» و«المؤخرة» المعرضين غالبا لانتقادات المستقلين والإصلاحيين. لا يستتبع مسعى بناء الحزب فرض شيء ما على الحركة من خارج. إنه محاولة ربط العناصر الأكثر التزاما في كل نضال، لتتمكن من تنسيق جهودها والعمل لكسب عناصر أخرى إلى آراءهما فيما يتعين فعله. إن ما يُجلب إلى الحركة «من خارج» هو، من جهة، معرفة النضالات سواء من زمن أو مكان آخر، معرفة ليست في متناول الناس المباشر، ومن جهة أخرى، الرغبة في زعزعة رواسب أفكار النظام في أذهان الناس (العنصرية والميز الجنسي، احترام المالكين، على سبيل المثال). إن كل من يبدي اعتراضا على قيام الحزب بذلك لا يدفع الحركة إلى أمام، بل يكبحها.

ثمة في التراث الثوري كتابات تتناول بدقة مسألة كيفية ارتباط الأقلية المناضلة التي بلغت خلاصات ثورية بالحركات الأوسع وبالنضالات –إن نص لينين “مرض الشيوعية الطفولي”، ونص تروتسكي” سنوات الأممية الشيوعية الخمس الأولى”، ونص غرامشي، “أطروحات ليون”، من الكتابات الرئيسية بهذا الصدد. إنها تشير إلى كل الخطر الكامن في مقاربة عصبوية قوامها الابتعاد عن النضال، وما يلازمها من قصوية يحاول بها الثوريون فرض آرائهم على النضالات من خارج. تتجلى هكذا مقاربة عندما يطبق الثوريون صيغا جاهزة ويُكبون على تشهير مجرد لا يرتبط بوعي الجماهير قيد التحول، عوض انخراطهم في المشاكل الحقيقية بما هم مشاركون في نضالات قيد التطور. غالبا ما تتحول عمليا تلك المقاربة إلى عكسها الظاهري، أي الانجرار خلف الحركة، وهو ما سمي غالبا «اقتفائية». يحدث ذلك حين لا يفسر الثوريون «بأناة» لأفضل المحيطين بهم مقتضيات النصر في الأمد البعيد، ولا يطرحون مسألة المرحلة التالية. يمثل هذا، مثل العصبوية، إخفاقا في بناء المنظمة الثورية في النضالات، ورفضا للإقرار بإمكان اجتذاب عناصر جديدة إلى السياسة الثورية.

طور النضال القادم

بلغت كل الحركات التي شهدنا تطورها في السنوات الخمس الأخيرة انعطافات أصبحت بها مسألة القيادة السياسية هامة. وأدى إخفاقها في الإجابة عن تلك المسالة إلى مواجهتها كلها لمشاكل. لكنها لم تتكبد بعد هزائم فادحة في أي مكان.

لم تتمكن انتفاضات أمريكا اللاتينية من تركيع رأسمالية تلك البلدان، ولا منعت هجمات جديدة على العمال والفلاحين وفقراء المدن والشعوب الأصلية. لكن الحكومات لا تشعر بعد بقوة كافية لفرض عودة إلى الوضع السابق لتلك الأحداث. إنها مجبرة على التذبذب بين الضغط من أسفل من الطبقات الشعبية التي أدركت قوتها و الضغط من أعلى من الرأسمالية المحلية ومصالح إمبريالية مثل صندوق النقد الدولي. لن تواصل هذا السعي إلى التوازن إلى ما لا نهاية، وفي وقت ما ستستأنف تلك الحكومات هجماتها المباشرة. لكنها ستفعل ذلك في ظروف حيث سيكون انبعاث النضالات محتملا جدا. لا شك أن الحركات بالأرجنتين وبوليفيا والإكوادور (وفنزويلا، كما يبين مايك غونزاليس في مكان آخر من هذه الجريدة) وتأثيرها في بلدان أخرى لم تقل كلمتها الأخيرة بعد. شهد الصيف الماضي مواجهات جديدة بين متظاهرين وقوى الدولة. إن أمريكا الجنوبية برمتها، من جزر الكاريبي إلى أرض النار، باستثناء الشيلي ربما، في وضع عدم استقرار سياسي.

لم تكن الحركة المناوئة للحرب قادرة على وقف العدوان الأمريكي على العراق. لكنها سببت مشاكل عويصة لتحالف بلير-بوش، ويفاقم صعود المقاومة بالعراق تلك المشاكل. اجتاحت الولايات المتحدة الأمريكية العراق بقصد فرض تحكمها بالمركز الاستراتيجي لمنطقة تنتج أهم مادة أولية بالعالم. و ذلك سيمدها بوسائل السيطرة على باقي الرأسمالية العالمية في إطار «قرن أمريكي جديد». وبدل ذلك، أوحلت في حرب استعمارية تزعزع استقرار باقي المنطقة. وسيكون كل تراجع إهانة لها –حتى إن أُستبدلت باحتلال إمبريالي متعدد الأطراف تحت رعاية الأمم المتحدة. وقد تؤدي محاولة البقاء إلى همجيات جديدة ومغامرات عسكرية جديدة، من شأنها إحياء الحركة المناوئة للحرب. وبرزت استمرار مركزية الحرب في استفاقة الحركة المفاجئة باسبانيا مع تأثيرها الحاسم على الانتخابات.

حققت الحكومات الأوربية نجاحا في جهودها لفرض إصلاحات مضادة نيوليبرالية – انتصارات بيرلسكوني في تقليص حقوق الأجراء، وانتصارات شيراك- رافران بفرنسا في هجماتهما على معاشات التقاعد بالقطاع العمومي، أو شرودر بألمانيا في تقليص هام لتعويضات البطالة. لكن أيا من تلك الانتصارات لا ُيقارن بما تكبدت الحركة العمالية البريطانية خلال سنوات حكم تاتشر من هزائم مدمرة ( سحق الأقسام العمالية الثلاث الأشد كفاحية واحدة تلو الأخرى -عمال المناجم وعمال المطابع وعمال الموانئ). لكنها لم تكف لتمكين الرأسماليين الأوربيين من بلوغ نسبة الاستغلال (ومستويات المنافسة) لدى منافسيهم الأمريكيين والآسيويين (يزيد متوسط ما يشتغل الناس بتلك المنطقتين بـ 400 أو 500 ساعة عما في فرنسا وألمانيا ).

باتت الحكومات الفرنسية والألمانية والإيطالية، لحظة كتابتي لهذا النص، معدة لخطط هجوم جديد على شروط العمل. و في هكذا ظروف، قد يضطر حتى الأكثر إصلاحية من القادة النقابيين إلى الدعوة إلى التحرك –كما جرى لما نظم القادة اليونانيون والإيطاليون والأسبان إضرابات عامة من 24 ساعة عام 2002. سيسعى القادة النقابيون إلى حصر تلك النضالات في تظاهرات رمزية، لكن لن يمكنهم منع تجربة ملايين العمال الفاعلين معا، بحد ذاتها، من مد النقابيين العاديين بالثقة للتقدم أكثر. مازلنا لم نشهد في بريطانيا إضرابا عاما من 24 ساعة، لكن الالتزام الإيديولوجي لحزب العمال الجديد مع الهجمات على شروط العمل، وبوجه خاص في القطاع العام، أدى في السنوات الخمس الأخيرة إلى بروز سلوك بعض القادة النقابيين الذين يستعملون لغة الصراع الطبقي، رغم أن الأغلبية لا تطبقها.

تقدم إيطاليا وألمانيا فكرة مسبقة عما يمكن توقعه في مكان آخر. إن التأليف بين انبعاث احتجاجات شعبية ضد الحرب وبين نضالات صناعية جديدة (وبوجه خاص بمناسبة احتلال معمل فياط الجديد في ميلفي الذي شل كل إنتاجه) في الربيع الماضي أزال إلى حد كبير سقوط معنويات أقصى اليسار في السنة الماضية. وكذبت الأحداث من اعتبروا تراجعات هزيمة نكراء. وفي ألمانيا، نجح فرع جمعية أطاك، بالاشتراك مع نقابيين في تنظيم موجة ضخمة من إضرابات أسبوعية ضد اقتطاعات الحكومة من تعويضات البطالة، وبوجه خاص في ألمانيا الشرقية.

إن للضغط على البيروقراطية النقابية تأثير آخر حيث يوجد الاصلاحيون في السلطة، إذ يؤدي إلى انشقاقات في الأحزاب الإصلاحية التقليدية القديمة، مما يضعف تأثيرها على فئات عمالية عريضة. يمثل أغلب القادة النقابيين الوطنيين مصدر تهديد فيما يخص علاقاتهم مع الأحزاب التي تقود تلك الحكومات، أو تتذلل إزاءها. لكن في الفئات السفلى يطفح الاستياء في شكل إنهاء للولاء السياسي. ويوجد في ألمانيا عدد من بيروقراطي المستويات الوسيطة يدعمون نداءات بناء حزب جديد معارض للحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD بقيادة شرودر ويتعاونون مع نشطاء الحركة المناهضة للرأسمالية لترشيح حزب جديد في انتخابات عام 2006، اسمه عماليون من أجل بديل انتخابي والعدالة الاجتماعية. علاوة على ذلك، قاد الغيظ ضد بلير ببريطانيا نقابتين (عمال السكك الحديدية في RMT ونقابة المطافئ FBU) إلى القطع مع حزب العمال، ودفع عدة فروع هامة إلى دعم التحالف الاتحادي Respect أو الحزب الاشتراكي الاسكتلندي Scottish Socialist Party.. ثمة إمكانات حقيقية للغاية لكي يمارس اليسار الجديد الذي ينبثق من حركات مناهضة الرأسمالية ومناوئة للحرب تأثيره على فئات واسعة من الناس تماثلت تقليديا مع الأحزاب الإصلاحية الرئيسية.

وفي الآن ذاته، يأتي صعود نضالات صناعية، رغم تقلصه ومحدوديته، بإمكانية جذب اليسار لعدد أكبر من العمال المنظمين ، وبوجه خاص الشباب غير الحاملين ندب الهزائم السابقة، التواقين للنضال بشكل يصطدم غالبا مع البيروقراطية النقابية. هكذا بات عدد كبير منهم يتأثر بالحركة المناوئة للحرب. يوجد بناء منظمات قاعدية داخل النقابات القائمة على جدول الأعمال على نحو غير مسبوق في سنوات 80 و90. وتظل النقابات أكبر المنظمات الطوعية بأكبر البلدان الغربية، رغم تراجع عدد منخرطيها خلال العقدين الأخيرين.

سياسية توسيع الحركات

إن مبادرات من ذاك القبيل قادرة على مد ناشطي الحركات المتحدرة من سياتل بفرص هامة. تمثلت قوة تلك الحركات في شدة تحديها لتدمير النظام لحياة البشر. وكان ضعفها في اكتساء ذاك التحدي أساسا شكل أحداث كبرى، وتظاهرات ومنتديات ضخمة، دون ارتباط مستمر وعضوي بجماهير الناس ضحايا ذلك التدمير حيث يعملون ويعيشون. تقترح المبادرات وسائل تجاوز هذا البون وجمع مناضلين من نضالات مختلفة ثم جذب عدد أكبر من العمال اليهم. لكن بناء مجموعات من ذاك القبيل لن يجري عفويا، بمجرد تكرار الخطابات حول «استقلالية» الحركات. بل يتطلب ممن يشعرون بالحاجة إلى مجموعات مناضلة مركزية أن يتنظموا للقيام بحملة لصالحها، ويحاججوا آخرين في ذاك الاتجاه –ويساجلوا من لا يشاطرونهم الرأي. سيجري ذلك بأكبر فعالية حيث يوجد تنظيم – في شكل حزب- للعناصر الأكثر ثورية في الحركة.

و كلما نجحت هكذا مبادرات، تبرز نقاشات جديدة. فمثلا، تضم الشبكات القاعدية في بعض النقابات والصناعات حتما أناسا لهم قدر من الثقة بالقادة النقابيين يساريي الخطاب –أو بمناضلين نقابيين معروفين تواقين إلى الحلول مكانهم. يعني هذا أن ثمة دوما ضغوطا للاستدارة نحو الأجهزة النقابية القائمة، التي تقوم بنيتها على تراتبية متفرغين يرتكز وضعهم على مفاوضات التسوية مع أرباب العمل والحكومات. لا بد من جهد واع للسير في اتجاه مغاير، قائم على خلق شبكات مناضلة على صعيد الورشة أو المكتب، تعارض التذبذبات الممكنة من مسؤولين على استعداد للخضوع لضغوط أرباب العمل أو ما تبقى من البيروقراطية. إن بإمكان الثوريين المنظمين كأقلية تحاجج لصالح منظوراتها الخاصة داخل شبكات واسعة الإسهام في تفادي تلك الأخطار.

إن انشقاقات انتخابية في الأحزاب التقليدية ناتجة حتما عن فعل مناضلين رافضين سياسة الحكومات القائمة، دون أن يقطعوا مع التصور الإجمالي للاشتراكية البرلمانية. فيظل إمكان عودة قسم كبير منهم إلى الحزب واردا إذا بدل سياسته أو قيادته فقط. وكما رأينا، ذاك ما حدث مع الشخصيات الأبرز في الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل بألمانيا بعد عام 1920، وكذا مع من كانوا غادروا حزب العمال لتأسيس حزب العمال المستقل عام 1932.

ويشكل حزب التحالف في نيوزيلندا مثالا أحدثعن الظاهرة عينها. تأسس الحزب عام 1991 ردا على تجربة مريرة لحكومة عمالية كانت وراء زيادة مذهلة في نسبة البطالة، وخفض نسبة تعويضات الحماية الاجتماعية وخصخصة كل ما يتحرك. جرى انشقاق في حزب العمال، بقيادة جيم أندرتون، رئيس الحزب سابقا، واتحد مع الخضر وحزب ماوري (ماوري: من السكان الأصليين بنيوزيلندا) ومجموعة أخرى قصد مواجهة العماليين والحزب الوطني المحافظ معا. كان مؤسسو التحالف يفتخرون بأن « لم تظهر بأي مكان بالعالم الغربي الناطق بالإنجليزية قوة بذلك الحجم على يسار الطيف السياسي ». استفاد الحزب في البداية، على نطاق واسع، ممن خاب ظنهم في حزب العمال، محققا نسبة 18,7% من الأصوات في انتخابات عام 1993 التشريعية و10,3% عام 1996. فحصل بالبرلمان على مقاعد كافية ليشكل قوة هامة –و سبب مشاكل جسيمة لما شكل الحزب المحافظ تحالفا حكوميا مع اليمين المتطرف. كان ثمة ضغط هائل على حزب التحالف Alliance Party لتليين معارضته لحزب العمال قصد التخلص من اليمين، و شكل حزب التحالف في آخر المطاف تحالفا مع حزب العمال عام 1999، وعين أندرتون نائبا للوزير الأول. و بعد أن استرد حزب العمال طهارته المفقودة بدعم من التحالف، ساند حرب بوش على أفغانستان- وزكى أندرتون كل ذلك، مؤديا إلى انهيار الحزب الذي أسس.

ما من أمر محتوم في ذاك النوع من المسار. يبين فقط أنه ثمة، عندما تسوء الأمور، ضغط بين المناضلين المتحدرين من الإصلاحية التقليدية نحو العودة إلى طرق التحالفات البرلمانية. والحاسم هو وجود قوى أخرى بجنبهم، قوى واعية بأن ليس الحساب البرلماني هو الأهم في آخر المطاف، بل ميزان القوى في المجتمع برمته.

وفي ألمانيا عام 1920، أبعد مستوى النضال خارج البرلمان، ووجود منظمة ثورية منخرطة في معركة وحدوية بجانب الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل، أغلبية هذا الحزب عن القادة الذين عادوا إلى الحزب الإصلاحي التقليدي. وفي سنوات 1930، تم كسب معظم الأعضاء الأكثر نشاطا في الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل إلى الحزب الشيوعي (وعدد صغير جدا إلى التروتسكية) قبل انضمام القادة إلى الحزب الاشتراكي الألماني SPD بكثير. ليست الكارثة في نيوزيلندة ناتجة عن حزب جديد تقوده شخصية ظلت وفية لأفق إصلاحي كليا، بل كان سببها غياب اتجاه ثوري منظم في الحزب، مناضل معه في جبهة موحدة طالما كان يفتح آفاقا سياسية يسارية لمن خاب أملهم في حزب العمال، لكنه ساع في الآن ذاته الى كسب الناس إلى رؤية تمكنهم من مقاومة كل تراجع.

لا توجد صيغة سحرية لمنع الناس الذي قطعوا مع حزب في الحكومة من السقوط في أوهام جديدة عندما يغير هذا الحزب لغته في المعارضة. أبرزت ذلك الضغوط على حزب إعادة البناء الشيوعي بإيطاليا لعقد اتفاق مع تحالف «الزيتون» من يسار الوسط. وكما صرح أحد المتدخلين في اللقاء الوطني خلال السنة الماضية: «تظل هيمنة اليسار الديمقراطي على الطبقة العاملة كما هي إجمالا». و قد بينت انتخابات حديثة في أوربا تجدد دعم الاشتراكية الديمقراطية ببعض البلدان بينما يتراجع على نطاق واسع ببلدان أخرى. ففي أسبانيا، عاد ملايين الأشخاص، بعد رفض دعم الحزب الاشتراكي العمالي الأسباني PSOE في الانتخابين العامين الأخيرين، الى التصويت عليه نفورا من حكومة أثنار اليمينية. وفي فرنسا صوت 10% من الناخبين على المرشحين الثوريين في انتخابات عام 2002 الرئاسية. وفي عام 2004، انخفضت نسبة الأصوات إلى أقل من 3%. وحتى في بريطانيا تقلصت أصوات الحزب الاشتراكي الاسكتلندي إلى النصف، في انتخابات 2004 الأوربية، قياسا على الانتخابات التشريعية في السنة السابقة. تُثبت تلك التجارب خطأ اعتقاد أن «الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، وكذا الشيوعية، كفت عن التعبير عن تطلعات الطبقة العاملة». واضح أن الأمل فيها يخيب على نطاق واسع وهي في الحكومة، لكن ذلك لم يمنع عودة إليها عندما تقدم وجها يساريا في المعارضة.

إن القطع مع حزب إصلاحي بعينه لا يعني القطع آليا مع الإصلاحية. الإصلاحية تتغذى من كيفية ترعرع أعضاء طبقة مستغَلة في مجتمع يستغلهم و يقبلون إلى حد كبير أفكاره حرفيا. إن قطيعة كلية مع الإصلاحية غير ممكنة سوى لما يفتح تآلف تجربتهم الخاصة و معرفة بالأفكار الثورية أعينهم على رؤية للعالم مغايرة تماما. يستوجب الأمر أن يكون الثوريون منخرطين في النضال للقطع مع الأحزاب الإصلاحية القديمة، ويمروا من تجربة السعي لبناء بديل مع الناس الذين ما زالوا بالأقل شبه متأثرين بالأفكار الإصلاحية –لكن دون إخفاء رؤيتهم المغايرة وينتهزوا كل الفرص لكسب الناس إليها عبر منشوراتهم ولقاءاتهم ونقاشاتهم الفردية.

للأسف، لا تبدو حصيلة أقصى اليسار بأوربا جيدة بهذا المضمار، لا سيما في الفترة الأخيرة. وكما شاهدنا في إيطاليا دخل حزب إعادة البناء الشيوعي حقبة أفول قبل سنة. يقول مايك غونزاليس عن الحزب الاشتراكي الاسكتلندي:« ظلت أعداد المنخرطين بمستواها قبل سنة- ونصف الأعضاء فقط يدفعون اشتراكاتهم». إن هكذا أفول متوقع عند التركيز أساسا على النشاط الانتخابي، وتلك عما يبدو بجلاء متزايد حالة الحزب الاشتراكي الاسكتلندي. وحققت العصبة الشيوعية الثورية LCR بفرنسا نتائج أفضل بقليل. إذ تضاعف حجمها على الأرجح بعد أن صوت 3 ملايين لصالح اليسار الثوري عام 2002. ورغم كل شيء يظل عدد 3000 «مناضل» نسبة ضعيفة جدا قياسا بمن يعتبرون أنفسهم في استطلاعات الرأي «قريين جدا» من اليسار الثوري. إن بقاء أقصى اليسار في الهوامش ناتج عن إخفاقه في نسج علاقات مع قسم بالأقل ممن صوتوا لصالحه، و في إيجاد وسيلة خرطهم في نضالات غير انتخابية، وكسبهم إلى مواظبة قراءة صحفه. وفي بريطانيا وألمانيا (وفي البرازيل مع الحزب الجديد الاشتراكية والحرية)، يجب بذل أقصى الجهد لاقتياد الناس إلى بناء التدخلات الانتخابية الجديدة. لكن ذلك غير كاف. إذ يتعين أيضا تشجيعهم على المشاركة في أشكال نضالية أخرى. وليس ذلك بالأمر السهل دوما. غالبا ما يعتبر الناس المتحدرون من التزام في سياسة إصلاحية أن النشاط يتحدد بوتيرة المواعيد الانتخابية. لكن ما لم يقم أقصى اليسار بذلك سيظل يبني على أسس واهية.

بناء الحزب بقصد بناء الحركة

تبرز الحاجة إلى منظمة سياسية وللتدخل عند كل منعطف نضالات. لوحظ ذلك مرارا عديدة في بريطانيا خلال السنوات الثلاث الأخيرة. كان تدخل حاسم لحزب العمال الاشتراكي SWP أساسيا في بناء الحركة المناوئة للحرب بعد أحداث 11 سبتمبر. وحتى برنار كاسان يعترف «بالفعالية المذهلة لحزب العمال الاشتراكي SWP، القادر على تنظيم تظاهرات جماهيرية ضد الحرب» رغم ما سماه «أعدادنا المحدودة». لكن فعاليتنا كانت وقفا على قدرتنا على رد الفعل بسرعة وسياسيا في كل مرحلة. عقدنا اجتماعا حزبيا لنستعد لحرب بوش ثلاثة أيام بعد أحداث 11 أيلول (شتنبر)، ومن ثمة بادرنا إلى دعوة أناس آخرين إلى اجتماع أوسع بقصد مقاومة العدوان الأمريكي على أفغانستان. ثم وجب علينا خلال أولى لقاءات تنظيم الحملة الجديدة تأجيل نقاشات لمنع تبني الحملة شعارات ضيقة للغاية بقصد استقطاب عدد كبير من الأشخاص. وفيما بعد أثيرت نقاشات حول معرفة إذا ما كان يجب توجيه الاهتمام نحو النشاط الجماهيري أو أشكال عمل مباشر لأقلية، وحول مدى لزوم مواصلة الأنشطة بعد نهاية الحرب على أفغانستان. وعلى نحو متواصل، طرحت حجج ضد من كانوا على استعداد، بشكل أو بآخر، لتقديم تنازلات لنزعة كره الإسلام. ومؤخرا طرحت نقاشات حول مدى ملاءمة تأسيس تحالف Respect – نقاشات في الآن ذاته مع من يدافعون دوما عن مسعى «إحياء» النزعة العمالية (نسبة إلى حزب العمال) ومع العصبويين الذين لا يدركون أهمية برنامج محدود قادر على جذب أكبر عدد من الناشطين.

ما من نقاش ُفرض على الحركة الجارية من خارج –سواء النقاش بجنوة مساء قتل كارلو جيليوني حول مسألة التخلي عن النضال (كما اقترح عمدة اليسار الديمقراطي بجنوة) أو العودة إلى الشارع اليوم التالي بعدد اكبر (موقف دافع عنه فوستو بيرتونيتي من حزب إعادة البناء الشيوعي، وأنيوليطو من المنتدى الاجتماعي بجنوة). إن من يتحدثون عن «تلاعب» أو «تدخل خارجي للأحزاب في الحركة» في تلك الحالات يشتكون، في الواقع، من عجزهم هم على «التلاعب» بالحركة لحملها على اتخاذ اتجاه مغاير.

لكن، إن كانت هكذا نقاشات تطرح «عفويا»، فإن إدراك سبل الرد عليها، يتوقف بالعكس، على نظرة عامة للوضع لا تتأتي سوى بدمج أحداث آنية في إطار نظري عام. هكذا كان رد فعل حزب العمال الاشتراكي SWP على ما برز من حجج في كل مرحلة من مراحل بناء الحركة المناوئة للحرب منذ 11 سبتمبر يتغذى من نقاشات سابقة داخل الحزب (بما في ذلك في جريدته) حول الإمبريالية، والإسلام السياسي والجبهة الموحدة. إن النجاح في بناء احتجاجات ضخمة، متعلق جزئيا، بحجج جرت بلورتها سابقا في لقاءات غالبا ما كانت صغيرة.

وكما يقول غرامشي:

إن عنصر الوعي ضروري، أي العنصر

كريس هارمان

2008

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *