الثورة الماركسية في الآلفية الجديدة-الجزء الثاني

الثورة الماركسية في الآلفية الجديدة-الجزء الثاني

الفصل الثالث

أهمية النظرية الماركسية

لقد أكد لينين مراراً وتكراراً أن “لا منظمة ثورية بدون نظرية ثورية”. والماركسية، بحسب تعريف ماركس وإنجلز، هي الاشتراكية العلمية، ومثلها مثل أي علم آخر، كالفيزياء أو الكيمياء، لا يمكن فهمها عن طريق حفظ مجموعة من القواعد أو الشعارات الثابتة، إنما يجب دراستها بجدية وعمق.

أشار ماركس وإنجلز إلى أن على الثوريين أن يسعوا لتعميم الخبرة التاريخية لحركة الطبقة العاملة العالمية. إلا أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا على أساس نظرية ثورية ودراسة متعمقة للنضالات المختلفة؛ فلا يمكن أن يعلم المرء شيئاً عن كوميونة باريس من خلال خبرة الحياة اليومية التي يعيشها، ولهذا السبب عليه أن يقرأ ويدرس التاريخ والنظرية الثورية. استطاع ليون تروتسكي أن يصيغ الفكرة بشكل مختلف حين أشار أن الحزب الثوري يمثل ذاكرة الطبقة العاملة، كما عليه أن يكون مدرسة ينشأ فيها كوادر تلك الطبقة.على المرء أن يدرس الماضي من أجل الاستعداد للمستقبل، هذا أمر بديهي. وصف الزعيم البلشفي كارل راديك، في مذكراته، كيف أن لينين، في وسط كل الأحداث العاصفة عام 1917، أوصاه بقراءة أحد الكتب عن الثورة الفرنسية الكبرى حيث سيساعده ذلك في فهم وتحديد المهام الثورية في الفترة القادمة. وخلال نفس الفترة العصيبة يُذكر أن لينين قد كتب واحد من أهم أعماله النظرية: الدولة والثورة. وفي خضم الثورة الفرنسية الكبرى، بلوّر سان جوست رؤيته عما يحث بشكل واضح حينما قال أن “من يحفرون نصف ثورة، يحفرون قبورهم بأيديهم”.

الثورة لا تبدأ وتنجز كل مهامها في غمضة عين، ولا تطيح بكل شيء بين ليلة وضحاها، بل إنها تبدأ دائماً كأنصاف ثورات، حيث يتواجد ما هو جديد جنباً إلى جنب مع ما هو قديم. هكذا استطاعت ثورة فبراير 1917 الإطاحة بالقيصر والشرطة، كما استطاعت تأسيس سوفيتات (المجالس العمالية المنتخبة)، وكل ذلك كان جديداً. وعلى الرغم من ذلك كان هناك الكثير من الأمور القديمة التي ظلت في مكانها كما هي، حيث استمر الجنرالات الكبار في أماكنهم في الجيش، وحافظ الرأسماليون على ملكيتهم للمصانع، والإقطاعيون على ملكيتهم للأراضي، كما استمرت الحرب الإمبريالية على قدم وساق.

في أبريل 1917، عندما عاد لينين إلى روسيا، كان هناك 10 آلاف عامل وجندي في استقباله في محطة فنلندا في العاصمة بتروجراد. في وسط الحضور، استقبله رئيس سوفييت بتروجراد وقتها، الزعيم المنشفي تشيخيدزه، بباقة من الورود، وقد صاح قائلاً: “نحن نرحب بك باسم الثورة الروسية المنتصرة”. أما لينين فقد أزاح الورود جانباً والتف إلى آلاف العمال والجنود الذين حضروا لاستقباله، وقال: “أي ثورة منتصرة تتحدثون عنها؟ لقد أطحنا بالقيصر! والثورة الفرنسية أطاحت بالملك في 1792. الرأسماليون لايزالوا يمتلكون المصانع، والإقطاعيين لايزالوا يمتلكون الأراضي، والحرب لاتزال مستمرة.. فلتسقط الحكومة المؤقتة.. فلتسقط الحرب.. الأرض والخبر والسلام.. كل السلطة للسوفيتات”، هكذا يصف المؤرخ الشهير سوخانوف المشهد.

من السهل أن نظن أن آلاف العمال والجنود رحبوا بكلام لينين وهتفوا مؤيدين له، لكن هذا ما لم يحدث، حيث وقف العمال مذهولين ومستنكرين لما قاله لينين. كانت الجماهير منبهرة بإسقاط القيصر وجهازه البوليسي، ولم يفهم أحد لماذا يوجه لينين النقد في هذه اللحظة. أما الصوت الوحيد الذي ظهر في ظل صمت جماهير العمال والجنود، كان صوت جولدنبرج، العضو السابق في اللجنة المركزية للحزب البلشفى، حيث صاح متهماً لينين بالجنون. لقد فهم لينين ما أشار إليه سان جوست في الثورة الفرنسية جيداً، وهكذا شق، هو وحزبه، الطريق لقيادة الثورة من أجل انتصارها النهائي.

ومنذ 1917 حتى الآن، لا شك أن الكثير من الثورات قد اندلعت في أغلب بلدان العالم، إلا أن كل هذه الثورات توقفت في منتصف الطريق، وبالتالي انتهت بثورة مضادة قضت على المكتسبات التي حققتها.

لنأخذ بعض الأمثلة على ذلك. في نوفمبر 1918، استطاعت الثورة في ألمانيا الإطاحة بالقيصر وبناء مجالس عمالية مثل السوفيتات في روسيا، إلا أن الجنرالات وملاك المصانع قد حافظوا على مواقعهم في المجتمع. وفي 1919 اغتال ضباط الجيش كل من  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/4384” روزا لكسمبرج وكارل ليبكنخت وعدد آخر من القادة الشيوعيين، وبعد عدد من السنوات اعتلى النازيون السلطة في ألمانيا. هكذا تحولت ثورة الجماهير إلى ثورة مضادة عليهم.

في 1979، تطورت سلسلة من الإضرابات العمالية في  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/4373” إيرانإلى إضراب عام في البلاد بقيادة مجالس العمال (شورى) واستطاعت الإطاحة بالشاه. كان كل من الحزب الشيوعي الإيراني (تودة) وحركة الفدائيين، يمثلون القيادة الحقيقية للعمال، لكنهما كانا تابعين لسياسات موسكو. وللأسف قام الشيوعيون بالتحالف مع آية الله الخوميني، وهو نفسه الذي ذبحهم بعد ذلك.

مثال آخر من أندونيسيا. عندما نال الشعب الأندونيسي الاستقلال عن هولندا في 1949، تولى البرجوازي الوطني أحمد سوكارنو قيادة البلد. كانت أيديولوجيته ترتكز على مبادئ الـ”بانكاسيلا”، وأسسها الرئيسية هي الإيمان بالله وبالوحدة الوطنية. للأسف الشديد لم يقم الحزب الشيوعي بتحدي سوكارنو، بل على العكس اتفق معه تماما على الحاجة إلى الوحدة الوطنية. وكانت النتيجة أن كلمات سان جوست تحققت. كان لدى الحزب الشيوعي الإندونيسي من الأعضاء ما يفوق بكثير عدد أعضاء الحزب البلشفي وقت الثورة: ثلاثة ملايين عضو في مقابل ربع مليون عضو. الطبقة العاملة الإندونيسية كانت أكبر من الطبقة العاملة الروسية عشية الثورة. الفلاحون كانوا أكثر عددا في إندونيسيا منهم في روسيا. ولكن في 1965 نظم جنرال عيّنه سوكارنو، اسمه سوهارتو، انقلابا بدعم الولايات المتحدة وحكومتي حزب العمال في بريطانيا واستراليا. والنتيجة أن ما بين نصف مليون ومليون شخص تم ذبحهم.

يجب علينا أن نتعلم من تجارب الماضي من أجل الاستعداد للمستقبل. يجب، على سبيل المثال، أن ندرس الاقتصاد الماركسي لنفهم تناقضات النظام الرأسمالي التي تدفعه للسقوط في هوة أزمات وانفجارات عنيفة.

HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/4307” والقيادة في النضال تتطلب وضع استراتيجيات واضحة للمستقبل، ولذلك يجب على القيادة الثورية أن يكون لديها فهم نظري عميق للمجتمع والاقتصاد والسياسة والتاريخ والفلسفة، إلخ.

ليس من الجيد أن يكون الفهم النظري الذي نتحدث عنه محصوراً في إطار مجموعة صغيرة من أعضاء الحزب، وهكذا جادل لينين حول ضرورة معرفة كل عضو من أعضاء الحزب الثوري بالماركسية. بيد أن الحزب الثوري لا يمكن أن يكون نسخة موازية للمصنع أو الجيش في ظل النظام الرأسمالي. حيث أنه في المصنع يقرر الرأسماليون والمديرون كل شيء وعلى العمال أن ينفذوا القرارات فقط، وفي الجيش يصدر الضباط الأوامر وما على الجنود إلا الطاعة العمياء. أما في الحزب الثوري، يجب أن يكون لكل عضو الحق والمساحة والقدرة على التفكير والمشاركة في اتخاذ القرار وتنفيذه أيضاً.

يمكن بالتأكيد أن يكون هناك تفاوت في مستوى الوعي والمعرفة النظرية بين أعضاء منظمة أو حزب ثوري واحد. لكن هذه الدرجة من التفاوت يجب، بشكل إرادي، أن يتم تجاوزها عن طريق رفع مستوى وعي ومعرفة كافة الأعضاء. حيث أن أخطر شيء يمكن أن يلحق بالحزب الثوري من الداخل هو أن يسيطر على قرارات الحزب مجموعة من المثقفين المعزولين عن الواقع، وأن يدعوا أنهم يمثلون السياسة الثورية للبروليتاريا. يمكن اعتبار ذلك بمثابة إهانة حقيقية للعمال داخل الحزب، حيث أن ذلك ينفي قدرة العمال على الإمساك بالنظرية واستيعابها وبالتالي المشاركة في صياغة توجهات الحزب.

قضى ماركس 26 عاماً من حياته في كتابة “رأس المال”. لماذا إذن كل تلك الفترة الطويلة؟! مع العلم بأنه لم ينه الكتاب حتى وفاته. تم نشر الجزء الأول فقط أثناء حياته، أما الأجزاء الثاني والثالث فقد حررهما إنجلز بعد وفاة ماركس. لماذا أيضاً كان الماركسيون الروس ينظمون ندوات ومحاضرات ليلية طوال تسعينات القرن التاسع عشر لتعليم العمال الماركسية الثورية؟ تكمن الإجابة على هذه الأسئلة في إدراك أهمية النظرية الثورية بالنسبة للحركة الثورية.

أحد أهم الأعمال التي تدافع عن دور النظرية في بناء وعمل الحزب الثوري هو كتاب لينين “ما العمل؟”، الذي أنجزه عام 1902، حيث جادل لينين في هذا الكتاب ضد خصومه (الاقتصادويين) الذين كانوا يزعمون أن وعي العمال لا يمكن أن يتجاوز الوعي الاقتصادي، وبالتالي فإن نضالهم لا يمكن هو الآخر أن يتجاوز النضال النقابي من أجل رفع الأجور أو تقليص عدد ساعات العمل. كما أكد الماركسي الإيطالي، أنطونيو جرامشي، في كثير من كتاباته، على ضرورة أن يتسلح العمال بالنظرية الثورية.

وعلى الرغم من أهمية أن يتسلح الثوريين ويتماسكوا على النظرية الثورية، والدور الهام الذي يلعبه المثقفون الثوريون في صفوف أحزابهم، إلا أن هناك العديد من الأمثلة التاريخية التي توضح كيف أن الكثير منهم كان في موضع هجوم شرس، فقط لأنهم مثقفون. هكذا كان الجناح اليميني في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني يهاجم روزا لكسمبرج بكل حدة. ربما كانوا يكرهون حقيقة أنها امرأة، أو أنها ليست ألمانية (كانت روزا من أصل بولندي). وهكذا أيضاً كان الوضع مشابه لما حدث مع ليون تروتسكي منذ 1923 حينما كان لينين على فراش الموت، حيث هاجمه ستالين باعتباره “من المثقفين”، ولاحقاً قام بإبعاده تماماً باعتباره “من الغرباء” في إشارة سافرة إلى أصله اليهودي.

لكن بشكل عام، فإن سوء تقدير أو تسفيه أهمية دور النظرية الثورية والتماسك عليها والتسلح بها، يعد إهانة واحتقار للعمال، حيث أن ذلك يفترض خطئاً أن العمال غير قادرين على استيعاب الأفكار الثورية أو على الأقل غير مهتمين بها.

إلا أن قراءة الأدبيات أو الاستماع إلى بعض المحاضرات حول الماركسية الثورية ليسا كافيين لتماسك عضوية حزب أو منظمة ثورية على الأفكار الماركسية، فالتماسك على الأفكار يجب أن يأخذ منحى أكثر عملية في الواقع. وحينما أكد لينين على أن كل عضو في الحزب الثوري هو قائد للنضال، كان يعني أن كل عامل في الحزب ينبغي أن تكون لديه القدرة على قيادة نضال زملائه غير الأعضاء في الحزب. وبهذا المعنى ينبغي على كل عضو في الحزب الثوري أن يقدم إجابات حية لتساؤلات زملائه في العمل أو جيرانه، إلخ، حول ما يجري حولنا من أحداث.

لنعطي مثالاً على ذلك: الكثير من الناس يتساءلون “لماذا نسعى لثورة.. ألم تؤدي الثورة الروسية إلى الطغيان والاستبداد؟!”. في هذه الحالة، على عضو الحزب الثوري أن يكون لديه القاعدة النظرية والمعرفة التي تؤهله لكي يوضح ويشرح ما حدث لروسيا بعد الثورة، مثل هزيمة الثورة في ألمانيا مما أدى لعزلة روسيا، لانحطاط السلطة فيها، لصعود ستالين الذي قضى على الثورة وبنى رأسمالية الدولة في روسيا التي اعتمدت القهر والاستبداد السياسي والاقتصادي. وهكذا فإن الحوارات الدائمة بين الأعضاء الحزبيين والناس العاديين توضح للأعضاء ما يعرفونه وما يريدون إقناع الناس به، والأهم من ذلك، ما لا يعرفونه وما يجب أن يطلعوا عليه ويتعلموه.

إن جوهر الماركسية يكمن في فلسفة الجدل (الديالكتيك). لذا فإن الحوار والجدال الدائم حول الأفكار بين أعضاء الحزب وبقية الناس، أمر حيوي للغاية. لكن كيف يمكن أن ينخرط عضو الحزب في نقاشات مثل هذه مع بقية الناس غير الأعضاء في الحزب؟ قد يكون أحد الوسائل إلى ذلك هو بيع الجريدة الثورية، ليس فقط في المظاهرات وفي الشوارع، لكن الأهم من ذلك على زملائهم في أماكن العمل أو الجامعات وعلى جيرانهم، وفي الأوساط التي يتواجدون فيها بشكل طبيعي.

تلك هي إحدى الأفكار الأساسية للينين، حيث اعتبر  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/5728” الجريدة الثورية بمثابة الناظم الجماعي لأعضاء الحزب الثوري.

الفصل الرابع

العولمة بين الأساطير والحقائق

في السنين الأخيرة، فرض مصطلح ” HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/1596″ العولمة” نفسه على مفردات الاقتصاد والسياسة في العالم كله. والمصطلح في الحقيقة يلقى قبولاً من قبل قادة كافة الأحزاب السياسية، المحافظة أوالإصلاحية على حد سواء، وكأنه قدر على البشرية أو قدرة إلهية هبطت من السماء. كما أنه يتم ترويجه بحماسة بالغة سواء من خلال الصحف أو التلفزيون، أو الشركات الرأسمالية وحتى قادة النقابات العمالية. لكن هؤلاء الذين يروجون للعولمة كمصطلح وكسياسة اقتصادية عالمية، يفترضون دائماً أن الشركات متعددة الجنسيات أقوى من العمال، وأقوى من الدول نفسها.

ومن الغريب أن نقرأ مقالة للكاتب إدوارد مورتيمر في الفاينانشيال تايمز، تلك الجريدة اليمينة المحافظة، يستعين فيها بالبيان الشيوعي نفسه ليدعم نظرية العولمة. هكذا اقتبس السطور الآتية من البيان:

“إن حاجة البرجوازية إلى تصريف دائم لمنتجاتها، متسع باستمرار، تدفعها إلى كل أرجاء الكرة الأرضية. فلا بد لها أن تُعشعش في كل مكان، وأن تنغرز في كل مكان، وأن تقيم علاقات في كل مكان.

والبرجوازية، باستثمارها السوق العالمية، طبَّعت الانتاج والاستهلاك، في جميع البلدان، بطابع كوسموبوليتي، وانتزعت من تحت أقدام الصناعة أرضيتها القومية وسط سخط شديد من الرجعيين. فالصناعات القومية الهرمة دُمّرت و تدمَّـر يومياً لتحل محلها صناعات جديدة، أصبح اعتمادها مسألة حيوية بالنسبة إلى جميع الأمم المتحضرة، صناعات لم تعد تستعمل المواد الأولية المحلية، بل المواد الأولية من أقصى المناطق، صناعات لا تُستهلك منتجاتها في البلد نفسه فحسب، بل أيضاً في جميع أنحاء العالم. فمكان الحاجات القديمة، التي كانت المنتجات المحلية تسدُّها، تحُل حاجات جديدة تتطلب لإشباعها منتَجات أقصى البلدان والأقاليم. و محل الإكتفاء الذاتي الإقليمي والقومي والانعزال القديم، تقوم علاقات شاملة في كل النواحي، و تقوم تبعية متبادلة شاملة بين الأمم”.

كان إدوارد مورتيمر،  بادعائه بأن ماركس هو أبو نظرية العولمة، يحاول أن يمتدح ماركس، لكنه في الحقيقة يهينه. سوف أسرد بصدد ذلك بعض الملاحظات والتعليقات للمقارنة بين الاقتصاد الماركسي والاقتصاد البرجوازي.

لقد أوضح ماركس عدة مرات أن يدين بشكل كبير للاقتصادي القديم آدم سميث، وبشكل أكبر لديفيد ريكاردو. لكنه أوضح أيضاً أن نظريته ليست استكمالاً عادياً للنظريات الاقتصادية الكلاسيكية، بل نقداً وتحدياً لها. هكذا كان، على سبيل المثال، العنوان الثانوي لكتاب “رأس المال” لماركس: “نقد الاقتصاد السياسي”.

في كتاب ثروة الأمم، الذي نُشر في العام 1772، كان آدم سميث يشرح أهمية تقسيم العمل، حيث كان يصف كيف أنه في مصنع لإنتاج الدبابيس يقوم كل عامل بمهمة معينة ويقوم بتكرارها باستمرار. تقسيم العمل هذا يزيد بالتأكيد من الإنتاجية، ولقد تقبل ماركس هذه الفكرة لكنه أضاف أن تقسيم العمل يحوّل العامل إلى نصف آدمي، وفي ذلك يكمن مفهوم ماركس للاغتراب. كما أكد أيضاً أن العمال لا يشكلهم النظام هكذا كما يتشكل الصلصال في اليد، إذ يستطيعون التمرد على النظام ومحاربته أيضاً.

كان سميث وريكاردو يعتقدان أن السعي للربح هو نشاط طبيعي للإنسان، لكن وعلى العكس منهم، أكد ماركس أن ذلك يتغير وفق التطورات التاريخية. في السوق، حيث التنافس بين الرأسماليين أو الشركات الرأسمالية العملاقة أو الدول الرأسمالية، يندفع كل طرف لمراكمة رأس المال تحت تأثير المنافسة نفسها. وحينما يتنافس الرأسماليون فيما بينهم في السوق، فإنهم يلقون تكلفة تلك المنافسة على أكتاف العمال في صورة الاستغلال الاقتصادي، لكن العمال يناضلون ضد ذلك أيضاً. وهذا مايجعلنا نقول أن العمال ليسوا مجرد مفعول بهم في التاريخ، لكنهم أيضاً فاعلين أساسيين فيه. أما نظرية العولمة فهي ترسخ بقوة لفكرة أن السلطة والثروة يجب أن تكون في حيازة الطبقات العليا في المجتمع أما الطبقات السفلى فهي محرومة تماماً من أدنى قدر من السيطرة على السلطة. وبالنسبة لمنظري العولمة وأيديولوجيي السوق الحر، فإن هذا هو قمة العدل.

قوة العمال في الشركات متعددة الجنسيات 

في ظاهر الأمر، يبدو أن العمال في مصنع واحد مثلاً من مصانع إحدى الشركات المتعددة الجنسية العملاقة، وكأن لا حول لهم ولا قوة. فإذا كانت شركة فورد يعمل لديها ربع مليون عامل، فما إذن قوة بضعة آلاف من عمالها في بريطانيا ليقفوا ويواجهوا إدارة فورد العملاقة؟!

لكن الحقيقة مختلفة تماماً عما يبدو في الظاهر. فعندما أضرب نحو 3 آلاف عامل في جنرال موتورز في دايتون وأوهايو في 1996، أغلقت عمليات جنرال موتورز عبر الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وتوقف حينئذ 125 ألف عامل في جنرال موتورز عبر العالم خلال أيام قليلة. لقد كلف الإضراب الشركة حوالي 45 مليون دولار في اليوم الواحد، وحينها كانت حكومة كلينتون مضطربة للغاية وتدعو العمال لفض الإضراب والعودة للعمل.

وعندما تم تنظيم إضراب عام في الدنمارك، اضطرت شركة ساب لإيقاف الانتاجفي السويد، إذ أنه لم يعد لديها مواد الانتاج التي كانت تصلها من الدنمارك، كما توقف العمل في فنلندا وأعلنت شركة فولفو أنخطوط الانتاج في السويد وهولندا قد تأثرت بشدة.

عندما أضرب عمال شركة فورد في بريطانيا عام 1988، توقفت الشركة كلها عبر أوروبا خلال ثلاثة أو أربعة أيام. وهكذا، بسبب الشركات متعددة الجنسيات، أصبح العمال أكثر قوة بكثير من ذي قبل. يحتاج المرء كي يلاحظ ذلك فقط أن يقارن الأمثلة السابقة بأول إضراب عام في التاريخ، ذلك الذي وقع في بريطانيا في 1832، حيث اضطر العمال لتنظيم لجان تطوف المصانع لتحريض زملائهم على المشاركة في الإضراب.

يوجد خلف نظرية العولمة منطق كامل يحكمها ويضع محدداتها. وهذا المنطق يشبه كثيراً منطق البنتاجون عندما أعلن الحرب على فيتنام، حيث كان القادة العسكريين الأمريكيين مقتنعين تماماً أن القوة العسكرية للولايات المتحدة لا تُقهر. أما فيتنام فهي أضعف كثيراً ولا تستطيع الصمود في وجه البنتاجون. نتذكر أنه في القرن التاسع عشر استطاعت بريطانيا هزيمة الهند، أما القوة العسكرية الأمريكية في ستينات القرن العشرين بالتأكيد هي أكبر من القوة العسكرية لبريطانيا القرن التاسع عشر بما لا يُقاس. في نفس الوقت، فإن بلد مثل فيتنام هي أصغر كثيراً في المساحة وأقل كثيراً من حيث الكثافة السكانية من الهند. وإذا استطاعت بريطانيا الانتصار في القرن التاسع عشر على الهند، فإنه بالتالي تستطيع الولايات المتحدة الانتصار على فيتنام بسهولة بالغة.

ذلك هو المنطق الميكانيكي بكل فجاجته وسطحيته. فإذا نظرنا إلى الأمر بشكل جدلي سنجد الصورة على النقيض تماماً من ذلك. في انتفاضة الهند في 1857، قُتل جندي بريطاني، لكن ما الضرر الضخم الذي لحق ببريطانيا عند مقتل ذاك الجندي؟! كم تبلغ قيمة جندي أو عامل واحد بالنسبة لبريطانيا؟! لنقل 100 جنيه استرليني. القوة العسكرية للولايات المتحدة هي بلا شك كما قلنا أكبر أضعافاً مضاعفة، وقد تبلغ قيمة الطائرة الأمريكية، لنقل مليون دولار. إلا أن الولايات المتحدة قد فقدت آلاف الجنود والطائرات والدبابات في حربها ضد فيتنام، وهُزمت في النهاية بعد حرب ضروس خاضتها المقاومة الفيتنامية ضدها.

العولمة والدولة 

فكرة أخرى يستند إليها مؤيدو العولمة والمدافعون عنها، هو أن الدولة لا تستطيع أن تفعل شيئاً لزيادة معدلات التوظيف والقضاء على البطالة، وأن زمن الكينزية قد انتهى ولابد أن تحل العولمة محلها باعتبارها الخيار الوحيد المتبقي.

منذ بداية الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1973، شهد العالم أطول فترة رخاء اقتصادي في تاريخ الرأسمالية، حيث استطاعت الكينزية إنقاذ الرأسمالية من الأزمات الاقتصادية طيلة تلك الفترة. كانت الكينزية تسعى إلى زيادة الإنفاق الاجتماعي وتنظيم الطلب الاقتصادي وتقليص معدلات الربح. ربما يكون التعبير الأكثر تحمساً لتأييد السياسات الكينزية كان في كتاب أنطوني كروسلاند “مستقبل الاشتراكية” الذي نُشر في العام 1956. وطبقاً لكروسلاند فإن فوضى الرأسمالية تولي بعيداً ومعها كل مظاهر الصراع الطبقي، والنظام الآن في وجهة نظره يصبح أكثر ديمقراطية وعقلانية. تذوب الرأسمالية بنفسها، وكل الكلام حول أن الانتاج يستهدف الربح ولا يستهدف الاحتياجات البشرية، كل هذا الكلام طبقاً لكروسلاند، أصبح غير مقبول. وكما يذكر فإنه قد حدثت هناك ثورة سلمية جعلت الصراع الطبقي مفهوم غير موجود حتى كي يفكر المرء فيه: “لا يستطيع أحد الآن التفكير أنه يمكن أن تتحالف الدولة مع أصحاب الأعمال ضد نقابات العمال”. لقد كتب أن “بريطانيا اليوم تعيش في حالة وفرة واسعة”، أما الاشتراكيين فعليهم أن يصرفوا النظر عن الأمور الاقتصادية. إلى ماذا يلتفتون إذن؟!

كتب السيد كروسلاند أننا “يجب أ نوجه اهتماماتنا إلى أشياء أخرى مفيدة وأكثر أهمية على المدى الطويل، مثل السعادة والحرية والمتعة الشخصية.. إيجاد مقاهي مفتوحة وممتعة، شوارع مضيئة ليلاً، فنادق ومطاعم أفضل وأكثر راحة.. صور ومناظر جميلة في الشوارع والأماكن العامة، تصميمات أفضل للأثاث ولملابس النساء، تماثيل راقية بين البنايات السكنية، إضاءة أفضل ومصابيح أكثر أناقة في الشوارع، إلخ”.

إن وصف الرأسمالية في عهدها القديم بأنها كانت إنسانية وعقلانية أمر لا يمكن تصديقه بالمرة. في الحقيقة كانت الرأسمالية منذ نعومة أظفارها، بحسب كلمات ماركس، مغطاة بالطين والدم، ولم تتغير بشكل نوعي إلى يومنا هذا ولن تتغير في المستقبل. إن بربرية الرأسمالية هي اليوم أسوأ كثيراً مما كانت عليه قبل قرن ونصف مضى. ولكي ندرك ذلك علينا فقط أن نتذكر الموت في غرف الغاز أو ما حدث في هيروشيما وناجازاكي أو الـ 20 مليون طفل الذين يموتون في العالم الثالث سنوياً لأن البنوك الدولية الكبرى تعتصر ثروات بلدانهم.

إن البطالة في ألمانيا، التي وصلت إلى 8 مليون عاطل في عام 1932، اختفت تماماً بعد ذلك بسنتين فقط. لكن ذلك لم يكن بسبب أن أدولف هتلر قد قرأ النظريات الاقتصادية لجون ماينارد كينز، لكن في الحقيقة بسبب برنامج التسليح عكف هتلر على تفنيذه في ألمانيا. إن تفسير الرخاء الطويل الذي شهدته الرأسمالية يكمن في فهم نظرية اقتصاد الحرب الدائم. في مارس 1957، وفي مقالتي المنشورة بعنوان “اقتصاد الحرب الدائم”،حاولت أن أشرح أثر اقتصاد الحرب الدائم على استقرار الرأسمالية، وكيف أن تناقضات هذه العملية تقضي على الرخاء في النهاية. وقد شرحت أن البلدان التي تنفق كثيراً على انتاج السلاح، تفتح أسواقها وتقلل من انخفاض معدل الربح، لكن تلك البلدان التي تنفق أقل، تستفيد بشكل أكبر من الرخاء الاقتصادي أكثر من البلدان ذات الإنفاق الأعلى على انتاج السلاح، وسيكون لديهم موارد أكبر للإنفاق على تحديث الصناعة بدلاً من الإنفاق على إنتاج الطائرات الحربية والدبابات، وتلك البلدان هي التي تفوز في المنافسة في نهاية الأمر. وهذا بالضبط ما حدث؛ فبينما أنفقت روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا بشكل جبار على الانتاج العسكري، كانت بلدان مثل اليابان وألمانيا الغربية تنفق أقل كثيراً بما لا يُقاس. لذا، فإن المارك الألماني والين الياباني أصبحا أقوى كثيراً مقارنةً بالدولار الأمريكي والجنيه الاسترليني. وفي عام 1973، بعد حرب فيتنام، انهار الدولار وارتفعت أسعار النفط بشدة، وانهارت معهما الكينزية.

في مؤتمر حزب العمال الحاكم في 1976، أعلن رئيس الوزراء البريطاني جيمس كالاجان الآتي: “لفترة طويلة كنا نظن أننا يمكننا الإفلات من الكساد وزيادة التوظيف عن طريق تقليص الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية. لكني اليوم أخبركم بكل صراحة أن هذا الخيار لم يعد موجوداً”.

لقد مهدت السياسات الكينزية للسياسات النقدية التي أتت بعدها والتي فرضت نفسها على مستوى عالمي. كما أن سياسات ثاتشر (رئيسة الوزراء البريطانية التي عبّدت الطريق للسياسات النقدية والليبرالية الجديدة في بريطانيا) قد أخذت شكلها وتبلورت بشكل كامل حتى قبل انتخاب ثاتشر لمنصب رئيس الوزراء. وبحسب كلمات بيتر ريدل، المحرر السياسي لجريدة الفاينانشيال تايمز: “لو كان هناك ما يُسمى بتجربة ثاتشر، فإن تلك التجربة قد أطلقها دينيس هيلي (مستشار حزب العمال لبيت المال البريطاني)”.

في وسط الأزمات الاقتصادية الطاحنة، تبدو الإصلاحية وكأنها مثل المظلة المصنوعة من الورق في ليلة ممطرة. قد تبدو تلك المظلة مفيدة لوقت طويل طالما أن السماء لا تمطر. لكن لتحدي هجمات الرأسمالية وللدفاع عن الإصلاحات الاجتماعية، ينبغي تجاوز الإصلاحية ذاتها. فقط الثوريون هم الذين يستطيعون القتال “إلى النهاية” للدفاع عن المكتسبات والحقوق الاجتماعية ضد هجمات الرأسمالية.

إذا قرر أحد الرأسماليين مثلاً إغلاق المصنع، سيضطر العمال في هذه الحالة تحدي حق ملكيته للمصنع. لحل أزمة البطالة يجب أن تتقلص عدد ساعات العمل الأسبوعية بشكل كبير وأن يتم استقبال عمال جدد ليعملوا في ساعات العمل التي تم إزاحتها من على كاهل العمال الموجودين في الأصل، وفي هذه الحالة سيقول الرأسمالي أنه ليس عليه أن يدفع أكثر لعمالة جديدة من أجل أن يظل المصنع مفتوحاً وأن يستمر العمل فيه، وهنا يسضطر العمال أيضاً لتحدي حق ملكيته للمصنع.

هناك بين الرأسمالية والاشتراكية هوة ساحقة لأسفل، ونحن لا نصدق –مثلما يعتقد الإصلاحيون-  أنه يمكن التحول من نظام إلى آخر بشكل تدريجي. لا يمكن عبور تلك الهوة من خلال عدد من الخطوات القصيرة. وإذا كان أحد يشك في ذلك، عليه فقط أن يصعد فوق قمة أحد المباني الشاهقة في المدينة، وأن ينظر إلى المسافة التي تفصل بينه وبين قمة المبنى المجاور، إذا جح في العبور إلى القمة المجاورة عن طريق بعض الخطوات المستقيمة القصيرة، فقد تنجح الإصلاحية في الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية.

 

الفصل الخامس

رأسمالية الدولة في روسيا

تمهيد

مضت الآن تسع سنوات على انهيار سور برلين وسقوط الاتحاد السوفيتي وما سُمي بانظمة الكتلة الشرقية. كنت قد توصلت في عام 1947 إلى استنتاج هام مفاده أن تلك الأنظمة الستالينية لم تمثل سوى  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/1780″أنظمة رأسمالية الدولة، وقد كتبت كتابين لبلورة هذه النظرية الجديدة. وبالطبع لا يمكن للمرء أن يتحقق من أفكاره إلا تحت اختبار الأحداث التي يمكن أن تثبت تلك الأفكار أو تنفيها. ولقد أثبتت أحداث  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/6216″انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية صحة النظرية بشكل عملي.

وفي، الحقيقة إذا كانت روسيا دولة اشتراكية أو أن أنظمة الحكم الستاليني دولاً عمالية، أو حتى دولاً عمالية منحطة أو مشوّهة بالبيروقراطية الحاكمة، فإن سقوط الستالينية إذن كان سيعني أن ثمة ثورة مضادة حدثت. بالتأكيد سوف يدافع العمال عن دولتهم العمالية بنفس الشراسة التي يدافعون بها عن نقاباتهم، مهما بدت بيروقراطية أو يمينية التوجه، ضد أولئك الذين يحاولون تحطيمها. فالعمال يدركون جيداً، من خلال خبرتهم اليومية المعتادة، أن نقابتهم، مهما بدت ضعيفة، تمثل خط دفاع أول لهم في مواجهة الاستغلال. العمال الذين يعملون في مصانع تحت مظلة نقابية بالتأكيد يتقاضون أجوراً أعلى وفي ظروف عمل أفضل، من زملائهم الذين ليس لديهم نقابة.

لكن هل دافع العمال في أوروبا الشرقية وروسيا عن أنظمة الحكم عندما كانت تتهاوى في  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/4851” 89- 1991؟! إنهم لم يحاولوا حتى فعل ذلك. كان حجم العنف في كل المواجهات التي قامت أثناء انهيار تلك الانظمة أقل من حجم العنف الذي كان في إضراب واحد في بريطانيا، هو إضراب عمال المناجم في 84- 1985. البلد الوحيد الذي تم فيه استخدام العنف على نطاق أوسع كانت رومانيا، لكن العمال لم يدافعوا عن الدولة ويحمونها من الانهيار، بل كان البوليس السري لشاوشيسكو، الديكتاتور الروماني، هو من دافع عن الدولة.

ثانياً، إذا كانت هناك ثورة مضادة هي التي أسقطت تلك الأنظمة، لكان أولئك الأشخاص الذين قبعوا على قمة المجتمع قد أُزاحوا من أماكنهم. لكن ما حدث أن نفس أولئك الناس الذين كانوا يديرون المجتمع والاقتصاد ويحددون السياسات في ظل النظم الستالينية، ظلوا كما هم على القمة حتى بعد انهيار تلك الأنظمة. إذن فلم تكن أحداث الأعوام 89- 1991 تمثل بالنسبة للحكام لا خطوة للأمام ولا خطوة للخلف، بل ببساطة خطوة تنقلهم إلى طريق موازي.

وهكذا من الواضح أنه ليس هناك فارق جوهري بين نظم الحكم الستالينية وبين نظم الحكم الحالية في روسيا وأوروبا الشرقية. كل ما حدث أن الدولة قد تم استبدالها برجال الأعمال في إدارة عملية الاستغلال الاقتصادي، لكن في الحالتين النظام ببساطة: رأسمالي.

ميلاد رأسمالية الدولة في روسيا 

استطاعت الطبقة العاملة في روسيا انتزاع السلطة خلال  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/1862” ثورة أكتوبر 1917، وقد كان تأثير هذه الثورة هائلاً على مستوى العالم كله، حيث قامت ثورات عمالية في ألمانيا والنمسا والمجر، كما صعدت الكثير من الأحزاب الشيوعية ونمت بقوة في فرنسا وإيطاليا كما في بلدان أخرى. كان لينين وتروتسكي مقتنعين تماماً أن مصير الثورة في روسيا يتوقف على انتصار الثورة في ألمانيا، ومن دونها، سوف يكون مصير الثورة الروسية هو الهلاك.

ولقد هُزمت الثورة في ألمانيا (1918- 1923) بشكل مأساوي نتيجة لغياب حزب ثوري ذي كوادر منغمسة في النضال الجماهيري، يستطيع أن يقود الثورة لانتصار الطبقة العاملة. ومرة بعد مرة كنا نشهد ثورات عمالية حقيقية لكنها لا تنتهي بانتصار الطبقة العاملة نتيجة لغياب أحزاب ثورية حقيقية: اسبانيا وفرنسا 1936، إيطاليا وفرنسا 44- 1945، المجر 1956،  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/4387” فرنسا 1968،  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/4613” البرتغال 1974،  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/4718″ إيران 1979، وبولندا 80- 1981.

أدت هزيمة الثورة في ألمانيا عام 1923 إلى انتشار التشاؤم وإلى انتعاش التيار اليميني في روسيا. وفي نفس الوقت قاد ستالين حملة شعواء بشكل علني ضد تروتسكي، وقد ساعده في ذلك غياب لينين شبه التام عن الحياة السياسية، حيث كان راقداً على فراش الموت. بينما كان تحليل تروتسكي صحيحاً تماماً، فقد استنتج أن صعود الستالينية في روسيا كان نتيجة عزلة الثورة الروسية بعد هزيمة موجة الثورات في أوروبا من ناحية، وضغوط الرأسمالية العالمية من ناحية أخرى. وهكذا فإن تحليله بأن الدولة الستالينية في ذلك الوقت تمثل دولة عمالية منحطة، كان تحليلاً ملائماً. لكن الضغط الرهيب من الرأسمالية العالمية على تلك الدولة الحديثة قد غيّر طبيعتها تماماً.

إذا هاجمني مثلاً كلب مسعور بعنف، سوف أضطر لأن استخدم العنف أيضاً للدفاع عن نفسي. بالتأكيد لا أملك أسنان حادة كالتي لديه، لكن يمكن أن استخدم عصا متينة لردعه. أما إذا قتلت الكلب بالعصا، سيكون عليّ أن ألقي العصا جانباً، أو إذا قتلني الكلب، فسيكف هو عن استخدام أسنانه ضدي. لكن ماذا لو لم أكن قوياً بما فيه الكفاية لقتل الكلب ولا الكلب بالقوة اللازمة لقتلي، وقد تم حجزنا في غرفة صغيرة لشهور طويلة؟! لن يفرّق حينها أحد بيني وبين الكلب.

هوجمت السلطة السوفيتية بجيوش جرارة من ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا واليابان ورومانيا وفنلندا ولاتفيا وليتوانيا، وتركيا أيضاً. تلك الجيوش التي تعاونت مع الجيش الأبيض الروسي الذي قاد الثورة المضادة، لم تستطع هزيمة الجيش الأحمر الثوري في روسيا. وفي نفس الوقت لم تستطع الحكومة الثورية في روسيا إعداد الأحزاب الثورية للقضاء على الحكومات الرأسمالية. لذا دفع الضغط المتواصل للرأسمالية العالمية الحكم الستاليني كي يكون أكثر شبهاً للرأسمالية نفسها. كانت القوانين التي حكمت الاقتصاد والجيش الروسي مماثلة لتلك الموجودة في العالم الرأسمالي.

في 1928 عندما أعلن ستالين أنه في خلال 15 أو 20 عاماً ستلحق روسيا بالدول الصناعية المتقدمة، كان ذلك يعني أنه كان على روسيا أن تنجز في عُمر جيل واحد ما أنجزته بريطانيا في مائة عام من الثورة الصناعية. في بريطانيا تطلب الأمر ثلاثة قرون لتقليص الاعتماد على الانتاج الزراعي ولتطور الرأسمالية، أما في روسيا فقد استغرق الأمر ثلاثة أعوام فقط من خلال ما سُمي بـ”التجميع القسري للفلاحين”.

عشرات الملايين من الفلاحين تم جمعهم بشكل قسري وإرسالهم للعمل في المزارع الجماعية لإنتاج أضخم كميات من الحبوب، لتبيعها الدولة في السوق العالمية وتشتري بثمنهم ماكينات حديثة لبناء الصناعة، وأيضاً من أجل إطعام ملايين العمال الصناعيين الجدد بأسعار رخيصة على الدولة. الملايين تم إرسالهم للعمل في معسكرات العبودية في سيبريا. إن فظائع التجميع القسري لستالين يذكرنا بتشبيه ماركس الشهير في المجلد الأول من كتاب رأس المال: “إن الرأسمالية، منذ ميلادها وحتى موتها، مغطاة بالطين والدم”.

إن استعباد العمال في روسيا يذكرنا أيضاً بدور العبودية في الولايات المتحدة التي سهلت انطلاق الرأسمالية الأمريكية، وأيضاً بدور تجارة العبيد في تطوير الرأسمالية في بريطانيا: “إن حوائط بريستول هي الأخرى مغطاة بدم العبيد”.

حينما بنى ستالين امبراطوريته الصناعية والعسكرية العملاقة، كان عليه أن يبدأ من أرضية أضعف كثيراً من تلك التي يقف عليها أنداده في الغرب الرأسمالي. لم تكن القوة العسكرية الجبارة التي بناها ستالين تعكس بأي قدر تطور قوى الانتاج في روسيا، وأولاً وأخيراً لم يكن لدى الفلاحين في روسيا عام 1928 أي جرارات زراعية مثلاً، في حين أنهم كانوا يستخدمون محاريث خشبية عُرفت باسم “السوخا”.

كما أن التصنيع في روسيا كان موجهاً لبناء صناعة ثقيلة لتكون قاعدة لانتاج السلاح. وهذا ما لاحظته بعناية عندما قارنت الأهداف الاقتصادية للخطط الخمسية الخمسة الأولى في روسيا (وللعلم بالشيء، لم يكن يجرؤ أحد أن يفعل ذلك في روسيا في ظل حكم ستالين).

بالنسبة للصناعة الثقيلة مثلاً، كان المستهدف في الخطة الخمسية الأولى انتاج 10.4 مليون طن من الصلب، وفي الخطة الخمسية الثانية 17 مليون طن، وفي الثالثة 28 مليون طن، وفي الرابعة 25.4 مليون فقط نتيجة للحرب، أما في الخطة الخمسية الخامسة فكان مستهدف أن يتم انتاج 44.2 مليون طن من الصلب. من الواضح هنا أم مؤشر انتاج الصلب يعلو بشكل سريع، ونفس الشيء كان بالنسبة للحديد المصبوب والكهرباء والفحم، إلخ.

أما بالنسبة للسلع الاستهلاكية فإن الصورة مختلفى تماماً. منتجات الأقطان كان مستهدف أن يتم انتاج 4.7 مليون متر منها في الخطة الخمسية الأولى، وفي الخطة الخمسية الثانية 5.1 مليون متر، وفي الثالثة 4.9، وفي الرابعة 4.7 مليون متر. وهكذا فإنه خلال 20 عاماً لم يرتفع المستهدف من انتاج الأقطان إطلاقاً. وبالنسبة لمنتجات الصوف فإن الصورة تغدو أكثر كآبة: كانت الخطة الخمسية الأولى تهدف لزيادة الانتاج إلى 270 مليون متر من الصوف، أما الخطة الخمسية الثانية فاستهدفت 227 مليون متر، والثالثة 177 مليون متر، قلت في الرابعة كثيراً إلى 159 فقط. يبدو لنا واضحاً إذن أن المستهدف انتاجه قد هبط بنسبة 40%.

صحيح أن روسيا كانت بارعة بحق في صناعة الصواريخ الفضائية، لكنها لم تكن كذلك في صناعة الأحذية أو الملابس، إلخ.

الرأسمالية محكومة بهدف واحد ألا وهو تراكم رأس المال. على شركة فورد أن تستثمر باستمرار وإلا سوف تهزمها جنرال موتورز بسهولة في السوق؛ فالمنافسة على الأرباح الرأسمالية تدفع كل منهما على الاستثمار المستمر وعلى المراكمة المستمرة في رأس المال. وبالتالي فإن نفس المنافسة على الأرباح الرأسمالية في السوق تدفع كل منهما لزيادة استغلال العمال لديهما. لذا فإن استغلال العمال هو الوجه الآخر من العملة للمنافسة بين الرأسماليين في السوق.

نفس الشيء ينطبق على استغلال الدولة الستالينية للعمال والفلاحين في روسيا. وذلك الاستغلال القاسي كان بكل تأكيد نتيجة المنافسة الرأسمالية في روسيا والقوى الرأسمالية الأخرى، وعلى رأسهم ألمانيا النازية.

منذ عام 1947 أقلعت تماماً عن إطلاق كلمة الاتحاد السوفيتي على روسيا الستالينية، فلقد كانت تلك كذبة كبيرة فلم تكن هناك أي سوفيتات في روسيا وقتها. في كل انتخابات كان هناك مرشح واحد عن كل دائرة انتخابية، وكان الحال بالمثل في ألمانيا النازية، ولم يكن ذلك المرشح يحصل على أقل من 99% ولا أكثر من 100% من الأصوات، فيما عدا مرة واحدة، حينما حصل ستالين في انتخابات عام 1947 على 140% من الأصوات (!!). وفي اليوم التالي أن “سكان الدوائر المجاورة قد أتوا وأعطوا أصواتهم بكل حماسة لستالين”. من الطبيعي أن يتم إعلان نتائج الانتخابات بعد انتهاء التصويت، إلا أن ما حدث عام 1940 كان مختلفاً (!!). في الاقتراع العام الذي عقد حول انضمام لاتفيا وليتوانيا وأستوينا للاتحاد السوفيتي، أعلنت وكالة أنباء موسكو النتائج قبل انتهاء التصويت بيوم كامل، وبالتالي أعلنت جريدة لندن تايمز النتائج نقلاً عن وكالة أنباء موسكو. وكانت النتيجة المزورة طبعاً بالموافقة على الانضمام للسوفييت.

لا يجوز على الإطلاق أن نسمي امبراطورية ستالين بـ “اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية” كما كان يُطلق عليها عادةً. فالاتحاد يتم بشكل اختياري ولا يمكن أن يكون إجبارياً. ولم يكن هناك مثلاً أي اتحاد بين جورجيا وروسيا بنفس الدرجة التي لم يكن فيها اتحاد بين الهند وبريطانيا. كما أنها لم تكن جمهوريات بل أجهزة دول تمارس القمع والاضطهاد على الجماهير. كما أنه من الناحية العملية لم تكن هناك سوفيتات. ولم تكن بأي حال اشتراكية بل رأسمالية دولة ستالينية.

الانتقادات الموجهة لنظرية رأسمالية الدولة 

هناك ثلاثة انتقادات أساسية موجهة ضد نظرية رأسمالية الدولة. أولاً، أن الرأسمالية معروفة بالملكية الفردية الخاصة، أما في روسيا فكانت أدوات الإنتاج مملوكة من قبل الدولة وليس من قبل أشخاص. وثانياً أن الرأسمالية لا تعرف التخطيط الاقتصادي، أما الاقتصاد الروسي فكان مخططاً بدقة. أما ثالثاً، فإن ما كان يجب فعله في روسيا الستالينية هو ثورة سياسية لتغيير هيكل السلطة، فقط ثورة سياسية كافية لإصلاح الأمور. أما في ظل الرأسمالية فنحن نحتاج لثورة اجتماعية وليست سياسية فقط.

سوف نتعامل في السطور القادمة مع كل من هذه الانتقادات على حدا.

في 1847، كتب برودون، الفوضوي الفرنسي الشهير، في كتابه “فلسفة البؤس”، أن الرأسمالية “تعني الملكية الخاصة”. وقد وجه ماركس نقد حاد لهذه الفكرة في كتابه السجالي مع برودون، “بؤس الفلسفة”، وقد وصف الملكية الخاصة بأنها معنى مجرد يحتاج إلى تحديد عندما نتحدث عنه في إطار الرأسمالية. فإذا كانت الملكية الخاصة تساوي الرأسمالية، إذن فإن الرأسمالية قد وجدت في المجتمع العبودي، لأنه كان هناك ملكية خاصة للعبيد، أو أنها قد وجدت في المجتمع الإقطاعي لأنه كان هناك ملكية خاصة للأرض. إذن فقد كانت فكرة برودون هشة وضعيفة، إذ أن الملكية الخاصة لا تستطيع وحدها تحديد نمط الانتاج، لكن شكل الملكية الخاصة يمكن أن يحدد أي نمط انتاجي يعيشه المجتمع، وبالتالي شكل المجتمع ذاته.

إذا كانت الملكية الخاصة يمكن أن تنطبق على مجتمع العبيد ومجتمع الأقنان ومجتمع عمال الصناعة، إذن فالعبيد يمكن أن يكونوا ملكية خاصة أو ملكية دولة. العبيد قد بنوا الأهرامات في مصر القديمة، وأولئك العبيد لم يكونوا تابعين لمالك خاص، لكنهم كانوا ملكاً للفرعون –أي الدولة. وفي العصور الوسطى، كانت علاقات الانتاج السائدة بين الخدم والأقنان وبين السيد الإقطاعي الذي كان يمتلك الحقول، لكن أيضاً كان هناك خدم يعملون في ملكية الكنيسة، والكنائس لم تكن مملوكة لأشخاص. وكون أن الكنائس ليست ملكية خاصة لأحد، لم يخفف أعباء العمل على الخدم الذين كانوا يعملون لديها.

هذا بخصوص الانتقاد الأول الذي يوجهه البعض لنظرية رأسمالية الدولة، فالمجتمع الطبقي لا يرادف الملكية الخاصة فقط، بل أنه قد يرادف ملكية للدولة أيضاً كما رأينا في العصور السابقة.

أما بخصوص الانتقاد الثاني الذي يقول أن في روسيا الستالينية كان هناك اقتصاد مخطط، أما الرأسمالية فلا تعرف التخطيط الاقتصادي، فهذا الانتقاد غير صائب هو الآخر.

إن السمة العامة للرأسمالية هي التخطيط الدقيق على مستوى كل وحدة انتاجية على حدا، في حين لا يوجد مثل هذا التخطيط بين الوحدات الانتاجية وبعضها. في أي مصنع من مصانع شركة فورد لا ينتجون مثلاً موتورين أو ثلاث عجلات لكل سيارة، لكن هناك تخطيط مركزي لإنتاج الموتورات والعجلات، إلخ. هناك إذن تخطيط في شركة فورد بكل مصانعها. لكن هناك فوضى هائلة فيما بين فورد وجنرال موتورز. صحيح أن الاقتصاد في روسيا الستالينية كان مخططاً بدقة، لكن لم يكن هناك أي درجة من التخطيط بين الاقتصاد الروسي والاقتصاد الألماني، على سبيل المثال.

الانتقاد الثالث الذي يميز بين الثورة السياسية والثورة الاجتماعية، قائلاً بأن روسيا الستالينية كانت بحاجة “فقط لثورة سياسية” لإصلاح الحكم، ذلك الانتقاد يغدو تافهاً عندما تكون الدولة نفسها هي صاحبة الثروة كما كان الحال في روسيا الستالينية.

في فرنسا 1830، كانت هناك ثورة سياسية أطاحت بالحكم الملكي وأسست الجمهورية. لكن ذلك لم يعن أي تغيير في البنية الاجتماعية للمجتمع، إذ أن ملاك الثروة كانوا الرأسماليين وليس الدولة. لكن حينما تحوذ الدولة الثروة الاجتماعية، فإن الاستيلاء على السلطة السياسية من الحكام يعني الاستيلاء على سلطتهم الاقتصادية، لذا ليس هناك فاصلاً في هذه الحالة بين الثورة السياسية والثورة الاجتماعية.

الستالينية أجهضت حركة الطبقة العاملة العالمية 

بمجرد أن استولى ستالين على السلطة في الحكومة الروسية، بدأت محاولاته بشكل جدي لتسخير الأحزاب الشيوعية في كل مكان في العالم في خدمة سياسة روسيا الخارجية. وسنضرب في السطور القادمة القليل من الأمثلة على ذلك.

عندما كان هتلر يتقدم نحو السلطة في ألمانيا، دعا تروتسكي بناء جبهة متحدة لكافة التنظيمات العمالية، وبالأساس الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي الديمقراطي الألمانيين، لمواجهة الزحف النازي. أما ستالين، فقد اعتبر أن الاشتراكيين الديمقراطيين هم “اشتراكيين فاشيين”، وفرض عدم العمل المشترك معهم. كما وصف تروتسكي نفسه بالفاشية.

وبعد عامين من انتصار هتلر، أتى رئيس الوزراء اليميني لفرنسا إلى موسكو ووقع اتفاقية تحالف بين فرنسا وروسيا. وفي هذه الأثناء كانت هناك نبرة جديدة من موسكو موجهة للشيوعيين الفرنسيين: يجب أن نؤيد فرنسا الديمقراطية وحكومتها الحرة. وهكذا صوّت هؤلاء الشيوعيون على الميزانية العسكرية التي عرضتها الحكومة في البرلمان.

وفي أغسطس 1939 بعد التحالف بين ستالين وهتلر، فيما عُرف باتفاقية فرساي، أخذت الأحزاب الشيوعية انعطافة جديدة في سياساتها. وعندما احتلت ألمانيا القسم الغربي لبولندا واحتلت روسيا القسم الشرقي لها، صرح مولوتوف، وزير الخارجية الروسي ما يلي “طلقة واحدة من الشرق وطلقة أخرى من الغرب وستنتهي اتفاقية فرساي البغيضة إلى لا شيء”. لكنه لم يضف أن هذا يعني الحرب في بولندا، وأن تلك الحرب كانت تعني أن ثلاثة ملايين يهودي وملايين البولنديين “انتهوا أيضاً إلى لا شيء”.

لن أنسى أبداً افتتاحية جريدة البرافدا الروسية في الأول من مايو لعام 1940، التي كانت تتحدث عن الأمم محبي السلام، السوفيتية والألمانية. وكانت الجريدة تعني ألمانيا تحت حكم هتلر. وعندما قام هتلر بغزو ألمانيا في يونيو 1941، تغيرت سياسة الأحزاب الستالينية بشكل جذري، ورفعت جريدة البرافدا شعارها الشهير الذي كررته كثيراً وقت الحرب: “الألماني الجيد هو الألماني الميت”. في 1943 قرأت قصة قصيرة في جريدة البرافدا كتبها إليا إيرنبرج، حيث كان يصف جندي ألماني يستسلم رافعاً يديه لأعلى في مواجهة جندي سوفيتي، حينها قال الألماني “أنا ابن حدّاد”، ماذا كان رد فعل الجندي الروسي إذن؟ يروي إيرنبرج أن الجندي الروسي قد رد قائلاً “انت لازلت ألماني دموي” وطعنه حتى الموت.

سأتذكر هنا موقف شخصي آخر. بعد شهرين فقط من بداية الحرب العالمية الثانية، تم القبض عليّ، وكان الأمين العام للحزب الشيوعي الفلسطيني هو زميلي في نفس الزنزانة. كان في البداية يظن أن تلك الحرب هي حرب ضد  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/3673” الفاشية، لذلك قرر أن يتطوع في الجيش البريطاني. وبعد ذلك جاء الرد عليه متأخراً بقبول تطوعه في الجيش، حينها كان الرجل قد أدرك أن الحرب ليست ضد الفاشية كما كان يظن سابقاً، لذلك رفض مغادرة السجن للتطوع في جيش بريطانيا. لقد كان الحزب الشيوعي الفلسطيني يعاني تخبط سياسي حاد، ويمكننا أن نلاحظ ذلك بسهولة عندما نرى أن في شارع واحد في مدينة حيفا مكتوب على إحدى الحوائط “عاشت الحرب ضد الفاشية”، وعلى الحائط المقابل “تسقط الحرب الإمبريالية”، والشعاران موقعان باسم الحزب الشيوعي الفلسطيني. وعندما غزى النازيين روسيا في 1941، تبنى الحزب الشيوعي الفلسطيني شعاره الشهير “يسقط هتلر وحليفه السري تشرشل”، وبعد ذلك بفترة قصيرة جداً ظهر شعار آخر مختلف تماماً “عاش الجيش الأحمر وحليفه الجيش البريطاني”. الغريب أن كل تلك الشعارات المتناقضة يرفعها نفس الحزب تعليقاً على نفس الحرب.

مع اقتراب نهاية الحرب، وعندما كانت الموجة الثورية في أوروبا هائلة، عملت الأحزاب الشيوعية في أوروبا على تنفيذ سياسات موسكو وإخماد نيران الثورات. في أغسطس 1940، عندما تمكنت المقاومة العمالية المسلحة، بقيادة الحزب الشيوعي الفرنسي، من طرد الغزاة النازيين من باريس، عاد موريس توريز، السكرتير العام للحزب الشيوعي، من موسكو، وأعلن في باريس أنه يجب الحفاظ على “جيش واحد، بوليس واحد، ودولة واحدة”. وهكذا تم نزع سلاح المقاومة العمالية.

في إيطاليا، كانت حركة المقاومة بقيادة الحزب الشيوعي أيضاً، وكان هدفها كسر قبضة موسوليني في الحكم. ومن ثم عاد توجلياتي، السكرتير العام للحزب الشيوعي الإيطالي من موسكو، ليعلن تأييد الحزب لحكومة حلفاء الملك الذي كان قد تعاون مع موسوليني نفسه، وتأييد جنرالات الجيش، الذين كانوا أصدقاء لموسوليني نفسه أيضاً.

يمكننا أن نضرب في نفس السياق أمثلة كثيرة جداً عن خيانة الأحزاب الستالينية للثورة في بلدانهم. كان الفرصة الثورية التي تولدت مع نهاية الحرب العالمية الثانية، أضخم بكثير من تلك التي كانت مع نهاية الحرب العالمية الأولى، بينما لعبت الأحزاب الستالينية دوراً حاسماً في إجهاض تلك الفرصة مرة بعد أخرى، ومنعت الإمكانية من أن تبدو حقيقة.

أهمية نظرية رأسمالية الدولة 

لأكثر من 60 سنة كانت تلك الأحزاب الستالينية تحظى بتأييد جبار في حركة الطبقة العاملة العالمية، ولقد دفعت الاشتراكية الثورية التروتسكية إلى هامش الصراع الطبقي. لكن الآن، ومع سقوط الحكم الستاليني في روسيا، تغيرت الكثير من الأمور.

في فبراير 1990، سُئل إريك هوبسبام، معلم الحزب الشيوعي البريطاني، عن رأيه فيما يُقال حول أن “العمال قد أسقطوا دولة العمال في الاتحاد السوفيتي”. جاء رد هوبسبام كالتالي: “من الواضح أنها لم تكن دولة عمال. لم يصدق أحد في الاتحاد السوفيتي أنها دولة عمالية. والعمال أنفسهم لم يعتقدوا يوماً أنها دولتهم”. تخيلوا إذا كان هوبسبام قد أخبرنا بذلك قبل انهيار الاتحاد السوفيتي بـ50 أو حتى 20 عاماً (!!)

إن التحول الحاد في رأي الحزب الشيوعي البريطاني يمكن أن نلاحظه بوضوح في اجتماعات اللجنة التنفيذية للحزب وقت انهيار الاتحاد السوفيتي. قالت نينا تمبل، السكرتير العام للحزب، في إحدى تلك الاجتماعات “أظن أن تحليل حزب العمال الاشتراكي حول طبيعة الدولة في روسيا، كان صائباً، لقد كان التروتسكيون محقين في أنه لا توجد اشتراكية في أوروبا الشرقية. وأظن أننا كان لابد أن نقول ذلك منذ زمن طويل”.

إن التصريح السابق لنينا تمبل يشبه كثيراً إذا صرح البابا في يوم من الأيام أن الرب ليس له وجود، كيف سيستمر عمل الكنيسة الكاثوليكية في مثل هذه الحالة؟!

كانت الفوضى التي سادت في الأحزاب الستالينية في ذلك الوقت عارمة. أما أولئك الذين استنتجوا، منذ زمن طويل قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، أن النظام الاقتصادي في روسيا لا يمثل الاشتراكية بل رأسمالية الدولة، لقد بنى هؤلاء جسراً يعبر بهم إلى المستقبل حاملين معهم التراث الأصيل للماركسية، تراث الاشتراكية من أسفل الذي حافظوا عليه من الانحرافات الأيديولوجية طيلة سنين عديدة.

كانت الأحزاب الستالينية تحظى بتأييد هائلن وقد استطاعت لفترات طويلة التأثير في قطاعات واسعة من الجماهير، كما أنها أثرت حتى على أولئك الاشتراكيين الذين لم يعتبروا أنفسهم ستالينيين أو الذين اعتبروا أنفسهم معادين للستالينية. لقد اعتبرت تلك الأحزاب ستالين كوريث شرعي للثورة الروسية وليس حافر قبرها.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *