الثورة الماركسية في الآلفية الجديدة – الجزء الرابع

الثورة الماركسية في الآلفية الجديدة – الجزء الرابع

الفصل التاسع

اليهود وإسرائيل والهولوكوست*

قامت الثورة الفرنسية بتحرير اليهود. فبين عام 1789 – بدء الثورة الفرنسية – وبين وقت حدوث الوحدة في كل من ألمانيا وإيطاليا بعد مائة سنة من ذلك التاريخ تقريبا، كان الجيتو بأشكاله المادية والاقتصادية والثقافية قد اختفى، وأصبح أشخاص مثل ماندلسون وهاين وماركس – وكلهم يهود – شخصيات هامة في إطار الثقافة الألمانية. لكن على الجانب الآخر من القارة الأوروبية، انتشر العداء للسامية وكانت هناك مذابح منظمة ضد اليهود. حدث ذلك في روسيا القيصرية حيث كان الإقطاع منتعشا بينما كانت الرأسمالية الحديثة في مرحلة تطورها الأولى. لكن عندما أصبحت الرأسمالية قديمة وبالية، خاصة بعد الركود الكبير الذي حدث في ثلاثينات القرن العشرين، فقد تحولت ضد كل الانجازات الديمقراطية التي حققتها في صباها. آنذاك، لم يُدفع باليهود دخل الجيتو فقط، ولكن دُفع بهم أيضا داخل حجرات الغاز.وبين تلك الفترتين، ظهرت حالة من العداء الشديد للسامية في فرنسا. ففي عام 1895، أتهم دريفوس – وهو قائد يهودي في الجيش – بالتجسس لصالح ألمانيا. وأدت هذه المحاكمة إلى حالة من الهستيريا ضد اليهود. وكانت هذه الموجة من العداء للسامية ناتجة عن المعركة الدائرة بين الإمبريالية الفرنسية الصاعدة من جهة، والإمبريالية الألمانية من جهة أخرى. وفي ذلك الوقت في باريس، كان هناك صحفي شهير قادم من فيينا هو ثيودور هرتزل. لخص هرتزل الوضع آنذاك بأن ذلك العداء للسامية كان شيئا طبيعيا ولم يكن من الممكن تجنبه. وقد كتب هرتزل في يونيو 1895: “في باريس، وكما قلت سابقا، توصلت إلى وجهة نظر حرة حول مسألة العداء للسامية، والتي بدأت أفهمها الآن من منظور تاريخي، وبالتالي أستطيع أن أغفر لها. والأهم من ذلك، لقد أدركت الصعوبة الشديدة ولا جدوى المحاولات اليائسة لردع العداء للسامية.”

ولقد انتقد هرتزل إميل زولا وفرنسيين آخرين، خاصة من الاشتراكيين، الذين دافعوا عن دريفوس. واشتكى هرتزل من أن اليهود “يبحثون عن الحماية من خلال الاشتراكيين ومن خلال أولئك الذين يحطمون النظام المدني القائم.. إن هؤلاء لا يمكن اعتبارهم في الحقيقة يهودا، وهم ليسوا بفرنسيين أيضا. وغالبا سوف يصبحون زعماء الفوضوية في أوروبا.”

ورأى هرتزل أن الرد على العداء للسامية يكمن في أن يترك اليهود، الذين لا ترغب الدولة الأوروبية في استضافتهم، تلك الدول ويؤسسون وطنهم الخاص بهم. ولتحقيق هذا الهدف، فلقد أعلن هرتزل، “إن المعادين للسامية سوف يصبحون أكثر الأصدقاء الذين يمكن الاعتماد عليهم.. إنهم سوف يصبحون حلفاؤنا.” ولذلك، فقد ذهب هرتزل ليقابل بليفي – وزير الداخلية القيصري آنذاك – وهو أيضا الرجل الذي نظم مذبحة كيشينيف في عام 1903. وعلق هرتزل الطعم له بمحاولة إقناعه بأن مغادرة اليهود لروسيا سوف تضعف الحركة الثورية التي كانت خصما لدودا لبليفي.

إذن، إذا كان العداء بين اليهود وغير اليهود كما افترضه هرتزل طبيعيا ولا يمكن تجنبه، فبالتالي فإن العداء بين اليهود والعرب في فلسطين كان أيضا طبيعيا ولا يمكن تجنبه. بداية، قام هرتزل بتعريف الصهيونية بأنها “إعطاء دولة بدون شعب لشعب بدون دولة.” وعندما لفت انتباهه حقيقة أن العرب يعيشون في فلسطين، أعتبر هرتزل بشكل تلقائي أن المهمة الرئيسية هي ببساطة التخلص منهم. وفي 12 يونيو 1895، كتب هرتزل، “إننا سوف نحاول أن نرفع معنويات ذلك الشعب الفقير خلف الحدود بأن نجد لهم أعمالا في دول الترانزيت، بينما سوف نرفض أن يعملوا في وطننا.” ما أشد استفزازية هذه الجملة وتعبيرها عن الميل نحو التطهير العرقي!

انغلاق الاقتصاد الصهيوني

إن الصهاينة الذين هاجروا إلى فلسطين مع نهايات القرن التاسع عشر لم يأملوا في تأسيس اقتصاد مشابه لاقتصاد البيض في جنوب أفريقيا. ففي جنوب أفريقيا، كان البيض هم أنفسهم الرأسماليين بينما كان السود هم العمال. أما الصهاينة فقد أرادوا أن يكون الشعب كله في فلسطين من اليهود. وبالأخذ في الاعتبار انخفاض مستوى معيشة العرب مقارنة بالأوروبيين والبطالة المنتشرة، فقد كان الطريق الوحيد لتحقيق هدف الصهاينة هو إغلاق سوق العمل اليهودي في وجه العرب. وكانت هناك وسائل متعددة لتحقيق ذلك.

فأولا، كان هناك ما يطلق عليه الصندوق القومي لليهود الذي كان مسيطرا على مساحات واسعة من الأراضي المملوكة لليهود، متضمنا على سبيل المثال مساحة كبيرة من تل أبيب. ولقد كان من قواعد هذه المؤسسة أن اليهود فقط هم الذين يمكنهم العمل في هذه الأراضي.

بالإضافة إلى ذلك، قامت فيدرالية اتحاد التجارة الصهيوني والهستدروت (الفيدرالية العامة للعمال اليهود) بفرض نوعين من الضرائب على جميع أعضائهما: الضريبة الأولى كانت من أجل الدفاع عن العمال اليهود، والضريبة الثانية من أجل الدفاع عن المنتجات اليهودية. كما قام الهستدروت بتنظيم إضرابات ضد ملاك المزارع الذين كانوا يوظفون عمالا من العرب، وذلك للضغط عليهم لطرد أولئك العمال العرب. وكان من السائد آنذاك في السوق اليهودي مشاهدة الكثير من الشباب الذين يبيعون الخضراوات والبيض جنبا إلى جنب مع السيدات، ولكن إذا ما اكتُشف أن أحدهم عربي، يأتي الشباب اليهود ويسكبون الكيروسين على الخضراوات التي يبيعها ويكسرون له البيض.

وأذكر أنه في عام 1945، كان هناك هجوم على إحدى مقاهي تل أبيب وتم تدميرها بالكامل، وذلك بسبب إشاعة بأن أحد عمال المطبخ الذين يغسلون الصحون كان عربيا. وأذكر أيضا أنني عندما كنت طالبا في الجامعة العبرية بالقدس في الفترة من 1936 إلى 1939، قامت عدة مظاهرات ضد الدكتور ماجنس – وكان نائب رئيس الجامعة. لقد كان هذا الرجل من اليهود الأمريكيين الأغنياء، ولكن جريمته كانت أنه كان يؤجر منزله من أحد الملاك العرب.

الاعتماد على الإمبريالية

لقد كان واضحا منذ البداية للصهاينة أنهم في حاجة إلى مساعدة القوى الإمبريالية التي كان لها نفوذا كبيرا في فلسطين في ذلك الوقت، وذلك لمعرفتهم بأنهم بصدد مواجهة كبيرة من جانب الفلسطينيين. وفي 19 أكتوبر من عام 1898، قام هرتزل بزيارة القسطنطينية من أجل أن يجد صدى لدى القيصر فيلهلم.

كانت فلسطين في ذلك الوقت تابعة للإمبراطورية العثمانية التي كانت بدورها شريكا لألمانيا. أخبر هرتزل القيصر بأن استقرار الصهاينة في إسرائيل سوف يزيد من النفوذ الألماني هناك. حيث أن مركز الصهيونية وقتها كان في النمسا التي كانت حليفا للإمبراطورية الألمانية. كما قام هرتزل بتعليق جزرة أخرى للقيصر قائلا: لقد شرحت قبلا أننا بذلك سوف نأخذ اليهود بعيدا عن القوى الثورية.”

ومع نهايات الحرب العالمية الأولى، وعندما بات واضحا أن إنجلترا سوف تضم فلسطين، قام زعيم الصهاينة آنذاك حاييم وايزمان بالاتصال بالوزير البريطاني المفوض آرثر بلفور وأخذ منه في يوم 2 نوفمبر 1917 إعلانا يعد اليهود بإقامة وطن لهم في فلسطين. ويبين السير رونالد ستورز – وهو أول حاكم عسكري في القدس – أن “التجارة الصهيونية قد عمت بخيرها عليه، وذلك لأنها أوجدت لإنجلترا أيرلندا شمالية أخرى، ولكنها يهودية هذه المرة، وذلك في وسط محيط من العداء العربي المتوقع.”

ومع قدوم الحرب العالمية الثانية أصبح واضحا أن القوة العظمى في الشرق الأوسط لم تعد إنجلترا كما في السابق، ولكنها ستصبح الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا ما جعل بن جوريون – وهو الزعيم الصهيوني في تلك الفترة –يهرول إلى واشنطن من أجل بناء علاقات وطيدة مع الولايات المتحدة. وبذلك ظهرت إسرائيل كالحليف التابع الذي يعتمد عليه بالنسبة للولايات المتحدة. وإنه ليس صدفة أن إسرائيل تحصل على مساعدات اقتصادية من الولايات المتحدة أكثر من أي دولة أخرى، على الرغم من صغر حجمها. كما أن إسرائيل تحصل على مساعدات عسكرية أكثر من أي دولة أخرى في العالم.

الهولوكوست

لقد تنبأ تروتسكي بالإبادة الجماعية التي سوف يتعرض لها اليهود عندما شهد وفهم مغزى النازية. وفي يوم 22 ديسمبر عام 1938، كتب قائلا: “إنه من الممكن التخيل بدون صعوبة ما ينتظر اليهود عندما تبدأ الحرب القادمة. ولكن حتى بدون الحرب فإن التطور المقبل لرد فعل العالم يشير بكل تأكيد إلى الإبادة الجسدية التي سيتعرض لها اليهود.. وأنه فقط من خلال التعبئة الجزئية للعمال ضد رد الفعل المتوقع، وتأسيس ميليشيا العمال والمقاومة الجسدية المباشرة للعصابات الفاشية، وزيادة الثقة بالنفس والنشاط والجرأة من جانب جميع المقهورين، هو وحده الذي سيدفع إلى تغيير علاقات القوى بعضها ببعض ويوقف هذه الموجة الفاشية التي تجتاح العالم، وهو أيضا الذي سيفتح فصلا جديدا في تاريخ الإنسانية.”

وحتى وقت بداية الحرب العالمية الثانية كانت الغالبية العظمى من اليهود في العالم، وخاصة العمال اليهود، غير مساندين للصهيونية. وهكذا، فإنه في بولندا حيث كان يقطن أكبر تجمع لليهود في أوروبا في ذلك الوقت، قامت انتخابات المجالس في ديسمبر عام 1938 في وارسو ولودز وكراكو وليفوف وفيلانا وعدة مدن أخرى. وحصل البوند – وهي منظمة العمال اليهود الاشتراكيين المعادين للصهيونية – على 70% من الأصوات في الأقاليم اليهودية. وكسب البوند أيضا 17 مقعدا من 20 في وارسو بينما حصل الصهاينة على مقعد واحد فقط.

ولكن هذا الوضع تغير جذريا بعد حدوث الهولوكوست. فلا يوجد يهودي واحد في أوروبا لم يفقد أعضاء من أسرته في الهولوكوست. وإنني أذكر أنه في وقت قريب قبل الهولوكوست كانت لي عمة تعيش في مدينة دانزيج وجاءت لتزورنا في فلسطين. إنني لم أقابل أفراد عائلتها ولكنها وباقي أفراد عائلتها قد اختفوا جميعا في الهولوكوست. كما كان لي بنت عم أعرفها جيدا ذهبت لتعيش في أوروبا مع زوجها وطفلها البالغ من العمر خمس سنوات قبل بداية الحرب مباشرة، ثم قتلوا جميعا فيما بعد في غرف الغاز. وهكذا، تحول الغالبية العظمى من اليهود إلى صهاينة، وهذا وضع مفهوم جدا.

النكبة

إن هذا التعبير هو ما يستخدمه الفلسطينيون ليصفوا به قيام دولة إسرائيل في 1948. ومنذ ذلك الوقت، وفي الحروب الثلاثة التي قامت بين إسرائيل والعرب في 1948 و1967 و1973، كان هناك تطهير عرقي على مستوى واسع جدا ضد الفلسطينيين. واليوم يوجد 3,4 مليون لاجئ فلسطيني، وهو عدد أكبر بكثير من عدد الفلسطينيين الذين يعيشون في المدن التي كانوا يعيشون بها من قبل. وتشير الأرقام الخاصة بملكية الأراضي إلى حجم الإبعاد والطرد الذين تعرض لهما الفلسطينيين: ففي 1917 كان اليهود يملكون 2,5% من الأرض في الدولة، وفي 1948 أصبحوا يملكون 5,7%، أما اليوم فهم يملكون 95% من أراضي ما قبل حدود 1967، بينما يملك العرب 5% فقط.

إنها حالة من أكثر الحالات مأساوية في التاريخ. حيث قامت جماعة مقهورة مثل اليهود – بعدما عانت أشد المعاناة من بربرية النازية – بقهر شعب مظلوم لم يكن منخرطًا على الإطلاق في فظائع الهولوكوست.

الحل

إن الفلسطينيين ليست لديهم القوة الكافية لتحرير أنفسهم بشكل منفرد. إنهم حتى لا يملكون القوة لتحقيق أي إصلاحات جادة. فالفلسطينيون ليسوا كالسود في جنوب أفريقيا الذين استطاعوا تحقيق إصلاحات هامة جدا. فالسود استطاعوا أن يتخلصوا من نظام التفرقة العنصرية، كما استطاعوا أن يكسبوا حق التصويت ثم ينتخبوا رئيسا أسود. والحقيقة أن العنصرية الاقتصادية ما زالت قائمة هناك حيث أن الثروة لازالت مركزة في أيدي مجموعة صغيرة من البيض إلى جانب عدد محدود من السود الأغنياء. أما الغالبية العظمى من السود فهي في فقر مدقع.

إلا أن السود في جنوب أفريقيا أقوى بكثير من الفلسطينيين. فأولا، عدد السود يفوق عدد البيض في جنوب أفريقيا بخمسة أو ستة أضعاف، بينما عدد الفلسطينيين مقارب جدا لعدد الإسرائيليين (حيث أن معظم الفلسطينيين يعيشون في الخارج كلاجئين). وثانيا، فإن العمال السود يحتلون قلب الاقتصاد في جنوب أفريقيا بينما يعتبر موقع العمال الفلسطينيين على هامش الاقتصاد في إسرائيل. كما أن نقابة العمال في جنوب أفريقيا، كوساتو، تعتبر نقابة ضخمة جدا استطاعت أن تلعب دورا محوريا في تحطيم نظام التفرقة العنصرية. أما الفلسطينيين فليس لديهم مثل هذه النقابة.

وإذا كانت هناك حالة تنطبق عليها نظرية الثورة الدائمة لتورتسكي أنطباقا تاما، فهي حالة فلسطين. فهذه النظرية تطرح فكرة أنه لا يمكن أن توجد مطالب ديمقراطية أو تحرر وطني بدون قيام الثورة العمالية. إن مفتاح الحل بالنسبة للفلسطينيين وكل الشعوب الأخرى في الشرق الأوسط يقع في دعم المقاومة على أيدي الطبقة العاملة العربية التي تتمركز بشكل رئيسي في مصر، وأقل قليلا في سوريا والعراق ولبنان والدول العربية الأخرى. وللأسف، فإن القوة الحقيقية للطبقة العاملة العربية لم تظهر حتى الآن كواقع ملموس، وذلك بسبب التأثير المدمر للستالينية والتي سيطرت على أوساط اليسار في الشرق الأوسط لفترة طويلة من الزمن. فالستالينيون هم الذين فتحوا الأبواب لحزب البعث ولصدام حسين في العراق الذي بدوره ساعد الأسد وحزب البعث السوري للوصول للسلطة. وهذا الحزب هو بالتالي الذي فتح الباب لعبد الناصر والإسلاميين فيما بعد للسيطرة والنفوذ في مصر

إن قيام ثورة الطبقة العاملة العربية في الشرق الأوسط هي الوحيدة القادرة لأن تضع نهاية للإمبريالية والصهيونية. وإنه لمن النفاق القول أن هذه الثورة سوف تطيح باليهود في المنطقة. فعندما كان نظام الفصل العنصري مسيطرا في جنوب أفريقيا فإن أصدقاء النظام ادعوا أن المؤتمر الوطني الأفريقي  يساندون ذبح البيض وفنائهم. ولكن هذا ما لم يحدث على الإطلاق.

 

الفصل العاشر

الدروس الهامة لمايو 1968

شكلت أحداث  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/3830” مايو 1968 في فرنسا إلهاماً خاصاً لكل الاشتراكيين عبر العالم. وصلت التظاهرات الطلابية واحتلال الجامعات إلى الذروة في 10-11 مايو (الليلة التي عُرفت بليلة المتاريس)، حيث وقعت مواجهات عنيفة بين آلاف الطلاب والعمال الشباب وسكان الحي اللاتيني من ناحية، وقوات مكافحة الشغب من ناحية أخرى. والأخيرة قد تلقت هزيمة مدوية على يد المتظاهرين.

الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي كان يحظى بتأييد جماهيري واسع، عارض  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/4415” حركة الطلاب حتى ليلة المتاريس. حينها رأى قادة الحزب أن أفضل طريقة لمواجهة تلك الموجة الطلابية هي أن يضعوا أنفسهم على رأس الحركة. وهكذا دعوا بمشاركة قادة النقابات إلى إضراب عام ليوم واحد في 13 مايو، وتوقعوا أن الإضراب سوف يستمر ليوم واحد كما كانت الإضرابات السابقة التي دعوا إليها. لكنهم كانوا مخطئين تماماً، وما حدث قد فاق كل التوقعات؛ حيث تم تنظيم مظاهرة هي الأكبر على الإطلاق شارك فيها مليون شخص بين طلاب وعمال. وفي يوم 14 مايو قرر عمال شركة سود للطيران في مدينة نانتس الدخول في إضراب مفتوح عن العمل، وفي اليوم التالي تمكنوا من احتلال المصنع. وفي 15 مايو تم احتلال رينو- كليو، وفي يوم 16 اتسع الإضراب إلى جميع مصانع العمال وقام عمالها باحتلالها، وتبع ذلك احتلالات واسعة النطاق في كافة المصانع الهندسية ومصانع السيارات والطائرات. وفي 19 مايو توقف الترام والبريد والتلغراف عن العمل نتيجة الإضراب، وتبعهم المترو وعربات النقل العام في باريس، وقد وصل الإضراب إلى المناجم والموانئ والمطارات، إلخ. وفي يوم 20 أصبح الإضراب عاماً اشترك فيه 10 ملايين عامل، وانضم أيضاً أناس لم يُسبق لهم ولم يكن يتخيل أحد أن يضربوا عن العمل: مثل راقصات الباليه ولاعبي كرة القدم والصحفيين والبائعات. كانت الرايات الحمراء تزين كل أماكن العمل التي يسيطر عليها الإضراب.

كان الرئيس الفرنسي ديجول في موقف مأزوم للغاية، ومن المضحك أنه عندما شرع في الدعوة للاقتراع العام في 24 مايو، لم يجد أي دار طباعة غير مضربة عن العمل، لطبع أوراق الاقتراع. وعندها لجأ ديجول لطباعة الأوراق في بلجيكا، وجاءت المفاجأة عندما رفض عمال الطباعة في بلجيكا طباعة أوراق ديجول تضامناً مع زملائهم في فرنسا.

وعلى الرغم من كل ذلك، انطفأت شعلة الإضرابات إلى لا شيء تقريباً. في 27 مايو، وقّع قادة النقابات اتفاقية مع الحكومة تقضي ببعض المكاسب الاقتصادية للعمال، مثل زيادة الأجور بنسبة 35%.

قام قادة النقابات بعد ذلك، بمباركة من الحزب الشيوعي، بالدعوة إلى إنهاء الإضراب العام، لكن انتزاع بعض الحقوق الاقتصادية قد شجع قطاعات من العمال لاستكمال تحركاتهم، ونظموا مظاهرة ضخمة في 30 مايو. وفي نفس اليوم حاصرت قوات الشرطة محطات التليفزيون والراديو، وألقت كل العمال الذين استمروا في احتلال المصانع خارج مصانعهم، كما هاجموا المظاهرات وقتلوا عاملين وطالب مدرسة.

إن تراث الأجيال الغابرة يعلق كالكابوس في أذهان الأحياء (ماركس)

كان لدى العمال الفرنسيين ولاءاً خاصاً للحزب الشيوعي، فأولاً وأخيراً، هناك جيلاً كاملاً من العمال قد تعلم وتدرب واكتسب كثيراً من الخبرة السياسية من خلال الحزب الشيوعي. في أواخر الحرب العالمية الثانية أثبت الحزب الشيوعي الفرنسي أن لديه هيمنة مطلقة على جماهير العمال. فعندما استطاع الجيش النازي الألماني هزيمة الولايات المتحدة وبريطانيا، وقام باحتلال باريس، نظم العمال –تحت قيادة الحزب الشيوعي- المقاومة المسلحة التي عُرفت باسم “ماكي”، واستطاعوا تحرير باريس. كان العمال المسلحون يسيطرون بالكامل على باريس. وعندما عاد موريس توريز، الأمين العام للحزب الشيوعي، من موسكو، أعلن تعليماته الشهيرة بأن على العمال المسلحين الاصطفاف خلف “بوليس واحد، وجيش واحد، ودولة واحدة”. ولا ننسى أبداً أن البوليس الذي أشار إليه توريز هو نفسه الذي قد تعاون من قبل مع النازيين خلال الحرب. أطاع العمال تعليمات توريز سريعاً وسلموا كل الأسلحة.

أما خلال الأحداث الضخمة في مايو 1968، فقد كرر الحزب الشيوعي تأثيره السلبي على حركة العمال، لكن هذه المرة بشكل أكثر فجاجة.

لقد تحدثت من قبل عن مظاهرة المليون طالب وعامل في باريس. لم يكن الحزب الشيوعي يرغب في اندماج الطلاب والعمال معاً، في حين كان الطلاب يدفعون في طريق دمج تحركاتهم مع تحركات العمال. كان الطلاب أبعد ما يكونوا عن تأثير الحزب الشيوعي، كما كانت توجهاتهم السياسية في ذلك الوقت أكثر يسارية منه. أما الحزب، فقد نظم سلسلة طويلة من 20 ألف شخص ليفصل بها كتلة الطلاب عن العمال في تلك المظاهرة (!!).

تحدثت من قبل أيضاً عن احتلالات المصانع، هنا أيضاً لعب الحزب الشيوعي والنقابات الإصلاحية أكثر الأدوار سلبية على الإطلاق. ففي ذروة النضال دعوا العمال للعودة إلى منازلهم، وبالفعل استجاب 80 إلى 90% من العمال، واستمرت قلة من العمال في احتلال المصانع. وهكذا فإن العمال المعزولين في منازلهم قد فقدوا فرصة المناقشة حول الاستراتيجية والتاكتيك واتخاذ القرار بشكل جماعي حول ما يجب عمله، لقد فقدوا روح الحركة ذاتها.

كان للإضرابات لجان إضراب في كل مصنع، لكن تلك اللجان لم تكن منتخبة، بل تم تعيين أعضاءها من قبل الموظفين النقابيين، وبمباركة من الحزب الشيوعي أيضاً.

كان العمال يعارضون فض الإضراب العام الذي دعت إليه النقابات بموافقة وترحيب من جانب الحزب الشيوعي. ومن أجل تسهيل إنهاء الإضراب، كان القادة النقابيون يخبرون عمال أحد المصانع أن عمال مصنع آخر قد فضوا الإضراب، وكان يتم تكرار هذا التاكتيك الخبيث عدة مرات مع العمال في كل المصانع. وبما أن العمال لم يكن لديهم أي صلات ببعضهم عبر المصانع إلا من خلال اللجان النقابية التي كانت تخدعهم، فقد نجحت النقابات بالفعل في خديعة العمال وفض الإضراب العام.

دروس ثورة فبراير 1917

من أجل فهم التناقصات في وعي العمال الفرنسيين في مايو 1968، علينا أن ننظر إلى خبرة العمال الروس في ثورة فبراير 1917. نظم العمال أنفسهم في سوفيتات قاعدية في كل أرجاء روسيا، كما تشكلت مجالس للجنود وانتشرت في الجيش كله.

وصف لينين هذا الوضع بـ”السلطة المزدوجة”، حيث كانت سوفيتات العمال والجنود قوية، لكن في نفس الوقت كانت متوازية مع الحكومة المؤقتة التي مثلت البرجوازية الروسية. صحيح أنه كانت هناك مجالس للجنود، لكن الجنرالات الكبار كانوا يتحكمون في قرارات الجيش. صحيح أن السوفيتات كانت تعكس رغبة ملايين الروس في السلام، لكن الحرب الامبريالية قد استمرت. وصحيح أن اللجان العمالية كانت منتشرة في كل المصانع، لكن المصانع نفسها كانت مملوكة من قبل الرأسماليين. وصحيح أن الفلاحين كانوا منظمين في سوفيتات قاعدية، إلا أن الأرض ظلت في يد الإقطاعيين دون أن يفقدوا شبراً منها. كانت قيادة السوفيتات، المناشفة والاشتراكيين الثوريين اليساريين، ببساطة تؤيد حكومة البرجوازية وسياساتها.

مثلت ثورة فبراير قطيعة مع الماضي، لكنها لم تكن قطيعة تامة؛ فقد ظلت التناقضات مسيطرة على السوفيتات وعلى وعي الملايين الذين صنعوا الثورة بأيديهم.

لقد مثّل سوفييت بتروجراد مؤسسة جماهيرية جديدة ومبهرة على أرض الواقع، ولم تكن تحت قيادة البلاشفة في البداية، فيما سيطر الإصلاحيون الذين كانوا يميلون يميناً. بالنسبة لملايين الناس الذين طالما أيدوا القيصرية، كان القضاء على القيصرية قفزة كبيرة إلى اليسار، لكن ذلك لم يدفعهم بالضرورة لتبني البلشفية بشكل مباشر، بل توجهوا لتأييد المناشفة والاشتراكيين الذين نعتوا أنفسهم كذباً ثوريين. لقد أخذ الأمر أسابيع وشهور من النضال المتواصل كي يكسب البلاشفة تأييد سوفيتي بتروجراد وموسكو في سبتمبر 1917.

ليس لدينا هنا المساحة الكافية لشرح أحداث ثورتي فبراير وأكتوبر، لكن الأمر على كل حال لم يكن يسير في خط مستقيم باتجاه البلشفية. كان نفوذ البلاشفة يزداد في بتروجراد حتى نهاية يونيو 1917، أما في بداية يوليو فقد كانت الأمور تزداد سوءاً؛ حيث تم حظر الحزب البلشفي ومنعه من إصدار أي مطبوعات. اضطر لينين للتخفي والاختباء فيما كان تروتسكي مسجوناً. كان يوليو شهر الافتراءات على حد وصف تروتسكي، حيث كانت الصحف تهاجم لينين والبلاشفة بشكل هستيري وتتهمهم بالعمالة لألمانيا التي كانت منخرطة في الحرب ضد روسيا في الحرب العالمية الأولى وقتها.

ما بين 27 و30 أغسطس، نظم الجنرال كورنيلوف، قائد الجيش، محاولة للانقلاب العسكري. ومن داخل السجن، استطاع ليون تروتسكي تنظيم المقاومة للدفاع عن بتروجراد ضد كورنيلوف. وفي النهاية انهزم كورنيلوف وأسرعت هزيمته من خطوات الجماهير نحو البلشفية. فبعد هزيمة كورنيلوف ببضعة أيام، حاز البلاشفة أغلبية الأصوات في سوفيتي بتروجراد وموسكو، وبعد بضعة أسابيع أخرى، اندلعت ثورة أكتوبر بقيادة البلاشفة.

لم تكن الثورة حدث يوم واحد، كانت عملية استغرقت وقتاً ليس قصيراً من الزمن، حيث كان العمال يقطعون مع الأفكار البرجوازية التي طالما هيمنت على وعيهم في السابق. وهذا لا يحدث بين ليلة وضحاها؛ فلوقت ليس قصيراً تستمر تناقضات الوعي في الوجود بين العمال. وبالتأكيد كان الشعار الذي تبناه البلاشفة منذ أبريل 1917 (الأرض، الخبز، السلام.. كل السلطة للسوفيتات) شعاراً جذاباً ومتماسكاً لحل كل المشاكل التي تواجه ملايين الفلاحين الذين أرادوا الأرض، وملايين الجوعى الذين أرادوا الخبز، والملايين الذين عذبتهم الحرب. كثيراً من العمال كانوا يقولون “بالتأكيد نحن نريد الأرض، لكن لابد أن ننتظر نهاية الحرب وحينها سيقرر البرلمان أن يمنحنا الأرض، وبالتأكيد نريد السلام، لكن لابد أن ننتصر في الحرب أولاً”.

كان لدى الحزب البلشفي في مارس 1917 حوالي 23 ألف عضو، فيما حصل وقتها فقط على 2.5% من أصوات جماهير السوفيتات. ومع الوقت استطاع الحزب أن يكسب الجماهير على مواقفه الثورية.

أما في فرنسا 1968، كان حجم التروتسكيين، على يسار الحزب الشيوعي الفرنسي، شديد الضآلة: 400 عضو فقط في كل فرنسا. والماويون كانوا في حجم مشابه أيضاً. وقد كان ذلك أضعف كثيراً لتحدي سياسات الحزب الشيوعي الستاليني الذي ارتمى بكامله في أحضان الإصلاحية. فلو كان التروتسكيين بعشرات الآلاف، لكانوا قد استطاعوا خلال أحداث يوم 13 مايو أن يجادلوا ويدافعوا عن ضرورة التحام حركة الطلاب مع العمال، الأمر الذي لم يكن يرض عنه الحزب الشيوعي كثيراً. كانوا سيملكون القدرة على إقناع العمال بالاستمرار في احتلال المصانع وعدم العودة لمنازلهم، وانتخاب لجان إضراب قاعدية في المصانع لمواجهة السلطة… لو كان التروتسكيون وقتها في حجم البلاشفة في الثورة الروسية مثلاً، لكان سيبدو لهم صوتاً مسموعاً، ولكان ذلك قد ساهم في تحويل مجريات الأحداث.

مايو 68 القادم 

إن انفجار اجتماعي واسع هو في الأغلب وشيك الحدوث في المستقبل. بالطبع لا يستطيع أحد التنبؤ متى سيحدث ذلك بالتحديد. لكن لنا هنا أن نتذكر مثالاً هاماً. قبل ثورة فبراير 1917 بثلاث أسابيع، كان لينين يتحدث إلى مجموعة من الشباب الاشتراكيين في سويسرا، وقد أنهى حديثه عن  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/3971” ثورة 1905 الروسية مؤكداً أن الشباب هم الذين سوف يشهدون ويقودون الثورة الروسية المقبلة، وليس الجيل القديم الذي ينتمي هو إليه. وقبل الثورة ببضعة أيام، بعث لينين خطاباً إلى صديقه إينيسا أرماند، وكتب فيه التالي “بالأمس حضرت اجتماعاً. أصبحت الاجتماعات ترهقني بشدة.. أعصابي ليست في حالة جيدة على الإطلاق.. الصداع يسيطر على رأسي.. انصرفت قبل انتهاء الاجتماع”. لو كان لينين يعلم بأن الثورة سوف تقوم بعد بضعة أيام، هل كان سيشتكي بهذه الطريقة؟!

لا يمكن التنبؤ بنقاط التحول الهامة في التاريخ. لوقت طويل جداً من الزمن قد يسير التاريخ ببطء شديد، لعشرة أو عشرين سنة، لكن في يوم أو أسبوع قد تحدث تغيرات كبرى لم تشهدها أجيال سبقت.

ولا شك أن تناقضات الرأسمالية هي الآن أكثر حدة ووضوحاً من تلك التي كانت في 1968. وقد مثل ذلك العام نهاية لأطول فترة رخاء شهدتها الرأسمالية. ومنذ عام 1973، الكساد لا يفارق الرأسمالية، وهي اليوم تعيش حالة من عدم الاستقرار لم تعرفها في تاريخها، واستغلال العمال وغياب الأمان الاجتماعي يتزايد يوماً بعد يوم. لذا نحن ولا شك مقبلون على انفجارات اجتماعية كبرى.

لكن من أجل أن تنتهي تلك الانفجارات بانتصار العمال، فإن الحاجة إلى حزب عمالي ثوري تزداد إلحاحاً اليوم أكثر من أي وقت مضى. حركة العمال العفوية مثل البخار، والحزب الثوري مثل المكبس. المكبس وحده لا قيمة له، والبخار وحده سوف يتبدد في الفراغ دون قيمة. ومن أجل انتصار العمال، فإن إعداد قيادة ثورية في القلب منهم أمر حاسم ولابد منه. هذا ما علمته إيانا أحداث مايو 1968، وبالتأكيد حملت لنا التجربة الكثير من الخبرة والتطلعات نحو المستقبل، لكنها أيضاً تنذرنا بما قد يحدث في حالة غياب قيادة ثورية تقود المظلمومين إلى النصر.

 

الفصل الحادي عشر 

الثورة الروسية

في 23 فبراير 1917، في ذكرى يوم المرأة العالمي، اندلعت الثورة ضد القيصر في روسيا. وفي اليوم التالي أضرب نحو 200 ألف عامل عن العمل في بتروجراد. وفي يوم 25 فبراير سيطر الإضراب العام على المدينة وقُتل عدد من العمال على يد قوات الجيش. وبعد ذلك بيومين تمرد الكثير من الحراس والجنود في كتائبهم ضد الضباط ورفضوا تنفيذ الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين، وفي بعض الأحيان كان يتم قتل الضباط الذين يصدرون مثل هذه الأوامر من قبل جنودهم، وفي نفس اليوم، أدرك القيصر أن النهاية تقترب لذا تنازل عن السلطة. الأمر المثير للاهتمام هنا هو أن العمال قد أنشأوا، في اليوم السابق على تنحي القيصر، سوفييت ضخم يضم نواب منتخبين من العمال، تماماً مثل الذي أنشأوه في العاصمة في ثورة 1905. كانت كل أماكن العمل ترسل مندوبين ليمثلوها في السوفييت.

اتسمت تلك الثورة بالعفوية التامة من قبل الجماهير، أو على حد وصف تروتسكي.. “لم يكن يتخيل أحد أن يوم 23 فبراير يمكن أن يكون بداية للصراع الحاسم ضد الحكم المطلق”.

كتب سوخانوف، المؤرخ الروسي الذي شهد ثورة فبراير أنه “لم يكن هناك حزب واحد مستعد بشكل مسبق لتلك الثورة”. وحتى رئيس الأوخرانا، البوليس القيصري السري، قد كتب أن ثورة فبراير كانت “عفوية تماماً ولم تكن نتيجة تحريض أي من الأحزاب”. كانت الأحداث ضخمة للغاية حيث خرجت الملايين لاقتحام المشهد السياسي لأول مرة، وفي ذلك الوقت كان الحزب البلشفي على هامش الحياة السياسية، حيث كان يضم ما يقرب من 23 ألف عضو فقط. حتى أنه في يوم 25 فبراير حينما قام البلاشفة بتوزيع منشور يدعو للإضراب العام، كان 200 ألف عامل في العاصمة مضربين عن العمل بالفعل، هكذا كان البلاشفة على الهامش من الزحف الجماهيري العملاق. وكانت أول انتخابات للسوفيتات قد كشفت أن البلاشفة يمثلون أقلية ضئيلة من إجمالي عدد المندوبين؛ فمن إجمالي 1500 أو 1600 مندوب، كان هناك 40 مندوب بلشفي، أي 2,5% فقط من إجمالي المندوبين.

السلطة المزدوجة

جنباً إلى جنب مع سلطة الحكومة المؤقتة بقيادة الأمير لفوف، كانت هناك سلطة السوفيتات التي أنشأتها الجماهير. كانت هناك إذن سلطة مزدوجة. لا يمكن بالتأكيد أن يستمر وضع كهذا لفترة طويلة، أحد طرفي السلطة لابد أن يسقط.

في البداية، كانت السوفيتات تؤيد حكومة لفوف. ويُذكر أنه في الجلسة الأولى للسوفيت كان يتم بحث قرار نقل السلطة بشكل كامل للحكومة المؤقتة، أي إلى البرجوازية، وقام 15 مندوب فقط بالتصويت ضد القرار. وهذا يعني أن حتى المندوبين البلاشفة الـ40 لم يعارضوا القرار كلهم. أما الأحزاب التي كان لها الثقل الأكبر في السوفيتات: المناشفة والاشتراكيين الثوريين، فقد اتخذوا مواقف متناقضة؛ حيث أيدوا سوفيتات العمال وفي نفس الوقت أيدوا الحكومة المؤقتة البرجوازية. لقد أرادوا السلام لكنهم أيدوا الاستمرار في الحرب. كانوا متعاطفين على مطالب الفلاحين في توزيع الأرض، لكنهم أيدوا حكومة تنطق بلسان كبار ملاك الأراضي وتمثل مصالحهم.

البلاشفة أنفسهم كانوا في البداية يتبنون مواقف في منتهى الارتباك. في 3 مارس مررت اتخذت اللجنة المركزية للحزب البلشفي في بتروجراد قرار بأن البلاشفة “لن يعارضوا سلطة الحكومة المؤقتة بقدر ما تستجيب الحكومة لمصالح البروليتاريا والجماهير الديمقراطية العريضة”.

كان لينين، الذي لم يعد بعد من منفاه في سويسرا، في قمة الغضب عندما وصلته نسخة من جريدة البلاشفة، البرافدا، التي تعلن أن البلاشفة يؤيدون بشكل حاسم الحكومة المؤقتة “طالما ظلت تلك الحكومة تناضل ضد الرجعية والثورة المضادة”، متناسية أن أهم طرف في الثورة المضادة في ذلك الوقت هو الحكومة المؤقتة ذاتها.

لينين يعيد توجيه الحزب 

في 3 أبريل 1917 عاد لينين إلى بتروجراد. وبينما كان البلاشفة يؤيدون ثورة فبراير والسلطة التي تمخضت عنها، كان لينين يستنكر هذا الموقف. وحينها أطلق لينين شعار “الخبز والأرض والسلام” و.. “كل السلطة للسوفيتات”.

بالطبع يحاول الثوريون أن يؤثروا على توجهات الجماهير، لكن الأمر لا يمكن أن يسير في خط مستقيم طيلة الوقت؛ فتوجهات الجماهير، حتى وإن بدت متناقضة أو خاطئة، يمكن أن تؤثر على الثوريين أنفسهم. بعد ذلك بعدة أيام، قابل لينين اللجنة المركزية للحزب البلشفي في بتروجراد، فيما كان يحاول إقناعهم بأطروحات نيسان، تلك الأطروحات التي كتبها لشرح ضرورة أن تكون “كل السلطة للسوفيتات”. ومن ضمن 16 عضو في اللجنة المركزية، قام عضوين فقط بالتصويت لصالح الأطروحات، و13 ضدها، وامتنع عضو واحد عن التصويت.

وعلى الرغم من تلك البداية المتشائمة، استطاع لينين كسب نسبة كبيرة من عضوية الحزب إلى وجهة نظره في وقت قصير نسبياً. وكان ذلك نتيجة كل تماسك لينين وقدرته على الإقناع، والخبرة اليومية لملايين من الناس خلال الأحداث الصاخبة للثورة، حيث استمرت الحرب وسقط فيها الآلاف من القتلى الروس، واستمر الإقطاعيون في استعباد الفلاحين الفقراء، بينما عاش الرأسماليون حياة مترفة في الوقت الذي عانى فيه العمال الفقر المدقع. في ظل كل تلك الأوضاع المتردية، قضى لينين شهراً لإقناع الحزب بوجهة نظره التي تثبتها مجريات الثورة.

أما من أجل كسب السوفييتات في هذا الطريق وعلى شعارات لينين، فقد استهلك ذلك وقتاً أطول. في بداية سبتمبر، استطاع البلاشفة حوز الأغلبية في سوفييت بتروجراد الذي أصبح ليون تروتسكي رئيساً له. وفي نفس الوقت حازوا الأغلبية في سوفييت موسكو الذي أصبح كامينيف رئيساً له أيضاً. ومنذ ذلك الحين، أصبح الطريق لانتصار ثورة أكتوبر ممهداً. وبينما كانت ثورة فبراير عفوية، تميزت ثورة أكتوبر بالتخطيط الدقيق.

في 10 أكتوبر، قررت اللجنة المركزية للحزب البلشفي الدعوة للانتفاضة المسلحة كي تستولى السوفييتات على السلطة. وبعد ذلك بثلاثة أيام صوّت الجنود في سوفييت بتروجراد لنقل كل السلطة العسكرية للجنة العسكرية الثورية التابعة للسوفييت والتي يترأسها تروتسكي. وفي 16 أكتوبر، وافقت أغلبية ساحقة من اللجنة المركزية، والهيئة التنفيذية لسوفييت بتروجراد، والمنظمة العسكرية، وأعضاء سوفييت بتروجراد، والنقابات العمالية، واللجان المصنعية، وعمال السكك الحديدية، على قرار الانتفاضة المسلحة. وفي 20 أكتوبر بدأت اللجنة العسكرية الثورية في الإعداد العملي. وفي يوم 25، بدأت الانتفاضة حيث استطاع تروتسكي تنظيم تلك اللجنة بشكل مبهر، تماماً مثلما فعل بعد ذلك في قيادة الجيش الأحمر للنصر في الحرب الأهلية التي اندلعت عقب انتصار ثورة أكتوبر.

HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/6173” ثورة أكتوبر كان مخطط لها جيداً، لذا لم يراق فيها الكثير من الدم مقارنة بأعداد الضحايا الذين سقطوا في فبراير 1917.

لكن بعد الثورة، خلال الحرب الأهلية، فقد مئات الآلاف من الروس حياتهم. لم يكن ذلك بسبب الحكومة السوفيتية، بل بسبب غزو جيوش 16 دولة أوروبية للسلطة السوفيتية الظافرة. أما أن نلوم البلاشفة على ذلك، فكأننا بذلك نلوم شخص استخدم العنف ضد من يحاول قتله.

الثورة المنتصرة 

خلال القرن العشرين اندلعت الكثير من الثورات التي لعبت فيها الطبقة العاملة أدواراً رئيسية. إلا أن فقط ثورة واحدة منهم –الثورة الروسية- قد انتهت بالنصر. ومرة بعد أخرى، نشهد ثورات نصف منجزة تثبت النبوءة الصائبة لسان جوست في الثورة الفرنسية الكبرى: “أولئك الذين يصنعون نصف ثورة، يحفرون قبورهم بأيديهم”.

كانت الثورة الروسية 1917 استثنائاً لكل سلسلة الثورات نصف المنجزة، حيث لعب الحزب البلشفي دوراً محورياً في استكمال الثورة إلى النصر النهائي. أما الفارق بين النجاح والفشل، بين روسيا في أكتوبر 1917 والثورات العمالية الأخرى، هو أنه في الحالة الأولى كان هناك حزب ثوري قوي في قيادة الجماهير، بينما في الحالات اللاحقة كانت الأحزاب الثورية إما ضعيفة وهشة وإما غير موجودة بالمرة. وصحيح أن الثوريين لا يستطيعوا تحديد لحظة اندلاع الثورة الجماهيرية، لكنهم يدركون جيداً أن مصير الثورة يتوقف بشكل كبير على قوة واتساع الحزب الثوري الذي يبذلون جهودهم لبناءه.

“الطبقة العاملة، وليس الحزب الثوري، هي من تصنع الثورة. لكن الحزب الثوري يمكنه إرشاد الطبقة العاملة غلى النصر”. هكذا يصف ليون تروتسكي العلاقة بين الحزب الثوري والطبقة العاملة. أو كما كتب في  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/4484” كلاسيكيته الشهيرة،  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/4650” تاريخ الثورة الروسية، أنه “بدون منظمة ثورية مرشدة، تتبدد طاقة الجماهير كما يتبدد البخار من صندوق المكبس إذا لم يكن محكم الغلق. لكن ما يحرك الأشياء في النهاية ليس الصندوق أو حتى المكبس، إنما البخار نفسه”.

أراضي الإقطاعيين تم توزيعها على الفلاحين الفقراء، والمصانع تمت مصادرتها منقبل الدولة العمالية لتقع تحت السيطرة المباشرة للعمال. الأمم المضطهدة نالت حق تقرير المصير، وروسيا التي طالما كانت سجناً لتلك الأمم أصبحت فيدرالية يعيش فيها الناس أحراراً وسواسية.

لقرون عديدة، كانت معاداة السامية متوغلة في روسيا القيصرية، ويُذكر أنه تم ارتكاب 500 مذبحة في حق اليهود في العام 1881 فقط. لم يكن مسموح لليهود بالإقامة في العاصمتين، بتروجراد وموسكو، إلا بتصريحات خاصة وتحت قيود صعبة. بعد الثورة، تغيرت أفكار الروس بشكل جذري، حتى أن الجماهير الروسية قد انتخبت قادة ثوريين من أصول يهودية ليحتلوا مناصب ومسئوليات مهمة في الدولة العمالية المنتصرة، مثل رئيس سوفييت بتروجراد (ليون تروتسكي)، ورئيس سوفييت موسكو (كامينيف)، ورئيس الجمهورية السوفيتية (سفردلوف)، وبعدما تولى ليون تروتسكي قيادة الجيش الأحمر، تم انتخاب زينوفيف لرئاسة سوفييت بتروجراد، وكان هو الآخر يهودي.

كانت الثورة عيداً احتفل فيه كافة المضطهدين بالتحرر من أغلالهم. خلال ثورة 1917، وخلال الشهر العصيب الذي انتصروت فيه الثورة بشكل نهائي، كان الخطيب الثوري البارع، أناطولي لوناتشارسكي، يعقد لقاءات جماهيرية يحضرها 30 إلى 40 ألف شخص لسماعه وهو يتحدث لمدة ساعتين غلى ثلاث ساعات وهو يتحدث عن الأدب عند شكسبير والدراما الإغريقية، إلخ. أما في لندن، فكان عدد السكان أكثر أربعة أضعاف من سكان بتروجراد في ذلك الوقت، كما كان العمال البريطانيون أكثر تعلماً من الروس، لكننا لم نشهد لقاءات مثل تلك في لندن، ولم نقابل مثل تلك الحالة أبداً. ببساطة لأنه لم يكن هناك صعود ثوري بالقدر الذي كان في روسيا.

خطت أيضاً الحكومة السوفيتية أكثر الخطوات واتخذت أكثر الاجراءات تقدمية في سبيل  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/3970” تحرر المرأة: حق الطلاق ووحق الإجهاض، الذي تم منحه للمرأة للمرة الأولى في التاريخ. بجانب التربية الجماعية للأطفال. وجديرٌ بالذكر أن اول وزيرة في العالم كانت  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/1233” ألكسندرا كولونتاي التي انتخبت في منصب مفوض الشعب لشئون الأسرة عقب انتصار ثورة أكتوبر. كما أن كافة القوانين المعادية للشواذ والتخلص منها نهائياً.

هل حقاً قادت الثورة في روسيا إلى طغيان ستالين؟!

كثيراً ما نسمع تلك الحجة من قبل أولئك الذين ينتقدون الثورة الروسية. وإذا اعتبرنا أن طغيان ستالين واستبداده كانا نتاجاً طبيعياً للثورة الروسية، فإننا يمكن بنفس المنطق أن نعتبر أن إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما كان نتاجاً طبيعياً لقانون نيوتن للجاذبية. بيد أنه لولا قانون الجاذبية لما سقطت القنبلة من الطائرة (!!)

على أي حال، لا يمكننا فهم صعود ستالين إلى السلطة، إلا إذا تناولنا الثورة الروسية في سياقها العالمي.

كانت الثورة الروسية جزء من الحالة الثورية التي ألمت بالعالم كله في ذلك الوقت. أما الطبقة العاملة الروسية فقد كانت صغيرة للغاية؛ حيث وصل عدد العاملين في المصانع والسكك الحديدية والمناجم إلى 3 ملايين من إجمالي 160 مليون هم عدد سكان روسيا ككل. ولم يتخطى الإنتاج الصناعي في روسيا الإنتاج الصناعي لدى بلد صغير مثل بلجيكا، لكن الطبقة العاملة الروسية كانت مركزة في وحدات صناعية كبيرة، أكثر من أي بلد في العالم، حيث وصل عدد العمال في مصنع واحد في مقاطعة فيبورج في العاصمة بتروجراد: مصنع بوتيلوف –أكبر مصنع في العالم في ذلك الوقت- إلى 40 ألف عامل. ولم يكن ذلك نتيجة التطور التدريجي للاقتصاد الروسي، لكن نتيجة دور رأس المال الأجنبي الذي استثمر في روسيا.

تبلورت أيضاً تطلعات العمال الروس خلال الظروف العالمية للحركة الثورية. على سبيل المثال، في بريطانيا، منذ بداية الإنتاج الصناعي، تطلب الأمر قرنين من الزمان حتى يتشبع العمال بمطلب تحديد يوم العمل بـ8 ساعات يومياً. بينما في روسيا، كان هذا المطلب مركزي بالنسبة لثورة 1905.

كما أن الماركسية لم تكن متأصلة في روسيا، فلم يكن آدم سميث روسي، ولم يتبعه ديفيد ريكاردو روسي، ولم يكن ماركس روسياً هو الآخر، بل وقد أتت الماركسية إلى الحياة السياسية في روسيا من الخارج. وجدير بالذكر أن الجزء الأول من كتاب رأس المال الذي قد نشر في 1867، قد تم ترجمته إلى الروسية بعد ست سنوات فقط من نشره، وكانت الروسية هي أول لغة يُترجم بها الكتاب. وأخيراً، أتى الحافز الأساسي للثورة الروسية من الخارج أيضاً، حيث انهيار الجيش الروسي أمام نظيره الألماني.

طالما حذر لينين وتروتسكي من انحدار السلطة السوفيتية إذا لم تنتشر الثورة في أجزاء أخرى من العالم، وبالأخص في ألمانيا التي لم تنتصر الثورة فيها وبالتالي لم تمتد يد العون لمساندة الثورة في روسيا.

أما ستالين، فلم يكن بأي حال وريثاً للثورة الروسية،  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/3816” لكنه حافر قبرها. لقد قتل كل زملائه في اللجنة المركزية للحزب البلشفي الذين خاضوا الثورة والحرب الأهلية وعاشوا بعدها. وهذه الحقيقة قد توضح أن ستالين ليس وريثاً للثورة بل حافر قبرها. ومن زاوية أخرى، لم تكن  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/4204” الستالينية وليدة لينين، لكن وليدة نوسكه، زعيم الجناح اليميني في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني الذي خطط لاغتيال روزا لكسمبرج وكارل ليبكنخت، ولاغتيال الثورة في ألمانيا.

 

الفصل الثاني عشر

الرأسمالية والتسليح

في تركيا اليوم، يتم إنفاق نصف ميزانية الدولة على التسليح، حتى أن تركيا قد أصبحت قوة مسلحة كبرى في المنطقة. لكن هذا بسبب أن الحكومة التركية تدفع في سياسات التقشف والإفقار، وفي نفس الوقت تنفق أموالاً ضخمة لشراء الدبابات والطائرات الهيلوكوبتر.

وفي الأسبوعين الماضيين، أصبح الإنفاق على التسليح يحتل المساحات الأكبر حتى على صفحات جرائد رجال الأعمال. أحد الكتاب المشهورين قد كتب أننا من خلال حسبة بسيطة نستطيع أن ندرك أنه قد “أصبح لكل مواطن تركي نصف قرص أسبرين، وثلاث قنابل يدوية. لكل 100 ألف مواطن مركز طبي واحد، ودبابتين”. أصبح الجيش التركي هو الأكبر في حلف الناتو –بعد الولايات المتحدة الأمريكية طبعاً- حتى بالرغم من أن الناتج المحلي لتركيا أصغر بكثير منه في ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا أو إيطاليا.

الدور المتغير لاقتصاد الحرب 

طوال القرون السابقة، لعب اقصاد  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/1588” الحرب أدواراً مختلفة تبعاً لاختلاف المراحل التي مرت بها الرأسمالية. فمثلاً عندما كانت الرأسمالية في بداياتها، وعندما كانت تقدمية في مواجهة المجتمع الإقطاعي، كانت الجيوش تلعب أدواراً ثانوية وليست جوهرية في الاقتصاد، لكن الأمور تغيرت منذ بدأت الرأسمالية في الانحطاط. في ألمانيا عام 1933، وصلت البطالة إلى 8 ملايين عاطل، لكن بعد سنتين فقط اختفت البطالة تماماً أثناء عملية إعادة التسليح الضخمة للجيش النازي؛ حيث استوعبت المصانع الحربية أعداد ضخمة من العاطلين. حدث ذلك أيضاً في الولايات المتحدة وبريطانيا ودول رأسمالية أخرى.

بعد الحرب العالمية الثانية، عملت الحرب الباردة على الحفاظ على جيوش ضخمة، أضخم بكثير مما كانت عليه في العشرينات وبداية الثلاثينات، لكن بالطبع أقل قليلاً مما كانت عليه أثناء الحرب. وهذا بالظبط ما أطلقنا عليه وقتها “اقتصاد الحرب الدائم” الذي عمل على استيعاب البطالة وحافظ على مستويات توظيف عالية، لكنه كان مليئاً بالتناقضات. في العام 1956، كنت قد كتبت مقالة تحت عنوان “اقتصاد الحرب الدائم”، وأوضحت فيها تلك التناقضات؛ حيث أنه صحيح أن اقتصاد الحرب يشجع التوظيف والقضاء على البطالة، لكن تلك الدول التي تنفق كثيراً على إنتاج السلاح تجد نفسها أقل قدرة على إعادة تدوير الصناعة وتحديثها من البلدان التي تنفق أقل على إنتاج السلاح. وقد اتضح ذلك بجلاء طوال فترة الستينات وبداية السبعينات، فالبلدان التي أنفقت أقل على التسليح، مثل اليابان أو ألمانيا الشرقية، كانت قادرة على إعادة التصنيع وتحديث الصناعة، أكثر بكثير من الولايات المتحدة وبريطانيا. هكذا مثلاً استطاعت اليابان وألمانيا الشرقية التفوق في صناعة السيارات والإلكترونيات وفي مجالات اقتصادية أخرى. وفيما بعد عندما انهار سعر الدولار، مصحوباً بارتفاع رهيب في أسعار النفط، اضطرت الولايات المتحدة وبريطانيا لتقليص ميزانياتهما العسكرية بشكل كبير.

العلاقة المعقدة بين الرأسمالية والتسليح 

صحيح أن الجيوش تخدم الرأسمالية، لكن هذا لا يعني أن الجنرالات ليس لديهم مصالح خاصة ويريدون أحياناً فرضها على المجتمع. فإذا استأجر الرأسمالي بلطجياً للدفاع عن مصالحه، فإن هذا البلطجي لديه بالتأكيد مصالح خاصة يريد أن يفرضها على سيده.

القاعدة الأساسية في كل شيء هي العلاقات الاقتصادية، أما السياسة والعلاقات السياسية فهي البنية الفوقية لهذه القاعدة. لكن هذا لا يعني أيضاً أن البنية الفوقية ليس لها تأثير على القاعدة. الجنرالات الكبار في تركيا، على سبيل المثال، يريدون الحفاظ على جيش ضخم، أضخم بكثير مما يريده كثير من الرأسماليين الأتراك. وعندما وقع الزلزال في الشمال الغربي لتركيا، هرع الجيش سريعاً إلى المشهد، لكن ليس بالمجارف والبلدوزرات لإزالة الأنقاض وإنقاذ الناس الذين دفنوا تحتها، بل بالبنادق والدبابات لبسط السيطرة والانضباط. المشهد السابق يدلل على أن الجيش ببساطة له أجندته الخاصة التي يحاول بسطها على الجماهير كما على القوميات المضطهدة مثل الأكراد. وقد يكون المشهد مثالاً حياً لما نقصده بالعلاقة بين الرأسمالي والجنرال.

 

الفصل الثالث عشر

الثورة الديمقراطية والثورة الاشتراكية

في كل البلدان التي تفتقر إلى الديمقراطية السياسية – أي البلدان التي تهيمن عليها الملَكية المطلقة أو الجيش أو الفاشية أو قوة إمبريالية أجنبية – تكون الحاجة إلى الديمقراطية واضحة. ونحن الاشتراكيون الثوريون نناضل بجدية لتحقيق ذلك: نناضل من أجل الانتخاب الحر للحكومات القومية والمحلية، ومن أجل حرية الصحافة، ومن أجل حرية الاجتماع والتنظيم، ومن أجل حق تقرير المصير. لكن هذا كله ليس كافيا بالنسبة لنا.

أول سبب لأننا نرى أن هذا ليس كافيا هو أن اللا مساواة والاستغلال والاضطهاد يبقون جميعا على حالهم طالما ظلت الثروة في أيدي أقلية صغيرة من الرأسماليين. فبدون المِلكية الجماعية لوسائل الإنتاج، ليس فقط تظل اللا مساواة بين الفقراء والأغنياء مستمرة، ولكن أيضا، وبسبب المنافسة بين العمال على الوظائف وعلى المساكن وعلى الفرص التعليمية، تظل اللا مساواة داخل الطبقة العاملة مستمرة. وهذه الأرضية تنتج العنصرية ونزعة تحقير المرأة.

باستمرار سيطرة الرأسماليين على ثروة المجتمع تكون الديمقراطية السياسية أيضا مهددة، ويظل خطر عودة النظام السياسي القديم ماثلا، حيث أن حفنة ضئيلة من الرأسماليين تتحكم، ليس فقط في وسائل الإنتاج المادي، ولكن أيضا في وسائل الإنتاج الذهني مثل الصحافة والتليفزيون وغيرهما من وسائل الدعاية. ومن ناحية أخرى، لعله من المنطقي أن نعتقد أن جهاز الدولة الرأسمالي سيعضد الرأسماليين، إذ أن الجيش والبوليس والجهاز القضائي سيبقون على دعمهم للطبقة الرأسمالية. ومن ثم فلا يمكن ضمان الحقوق الديمقراطية إلا عندما تسيطر الطبقة العاملة على سلطة الدولة.

في نوفمبر 1918 تخلصت الثورة في ألمانيا من القيصر وأنهت الحرب العالمية الأولى. ولكن للأسف، ظل كبار أصحاب الإعمال، كـ”كروبس” و”ثايسن”، في مواقعهم، تماما كما ظل الجنرالات وضباط الجيش الرجعيين – الذين كونوا وحدات عسكرية يمينية أسموها “فريكوربس” – في مواقعهم. وأصبحت ازداوجية السلطة هي المهيمنة في ألمانيا. ذلك أنه جنبا إلى جنب مع البرلمان، كانت هناك المجالس العمالية.

كل الثورات لا تتخلص من أصفاد الماضي في ضربة واحدة. فجنبا إلى جنب مع الجديد، الذي يمثل المستقبل، يظل القديم حيا. وعلى حد قول ماركس: “تراث الأجيال الميتة” يظل مسلّطا على الأحياء. الأحداث في ألمانيا تؤكد تماما الكلمات النبوئية لـ”سان جوست”، أحد قادة الثورة الفرنسية 1789: “أولئك الذين يصنعون نصف ثورة يحفرون قبرهم بأيديهم”. فتحت مظلة الحكومة الاشتراكية الديمقراطية، قتل ضباط الفريكوربس القائدين الثوريين كارل ليبكنخت وروزا لوكسمبورج. ثم استمرت الأحداث الثورية، صعودا وهبوطا، حتى 1923، ولكنها انتهت بانتصار الرأسمالية. فالحركة النازية ولدت عام 1919، ثم نظمت في 1923 انقلابا فاشلا في بافاريا، ولكنها كانت تتحين الفرصة [إلى أن اقتنصتها]. كانت هذه، بالمقابل، فرصة ضائعة أخرى للعمال، وسوف يدفعون ثمنها غاليا حينما يصل هتلر إلى السلطة.

شهدت فرنسا في الثلاثينات صعودا هائلا في نضال الطبقة العاملة بدأ في فبراير 1934 ووصل إلى ذروته في 1936 في انتصار حاسم للجبهة الشعبية التي كانت تمثل تحالفا بين الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي والليبراليين – الذين كانوا يسمون خطأ الاشتراكيين الراديكاليين، وهم لم يكونوا راديكاليين أو ديمقراطيين. وبعد الانتصار، قال ملايين العمال لأنفسهم “الآن نحن نمتلك الحكومة، هيا بنا نسيطر على المصانع”. وهكذا ففي يونيو 1936 اندلعت موجة من احتلالات المصانع. ولكن قادة الحزبين الشيوعي والاشتراكي قادوا تراجعا بعد الوصول إلى حل وسط مع أصحاب الأعمال. بعد ذلك تم القذف بالحزب الشيوعي خارج الجبهة الشعبية. وقد كان الاشتراكي الراديكالي دالادييه هو نفس الشخص الذي وقع اتفاقية ميونخ مع هتلر عام 1938. أما البرلمان الذي تم انتخابه في ظل الانتصار الكبير للجبهة الشعبية عام 1936، فقد كان هو نفس البرلمان الذي صوت بالتأييد للمارشال بيتان، رئيس حكومة فيجي التي تواطأت مع النازيين بدءا من عام 1940.

عندما نالت إندونيسيا استقلالها عن هولندا في 1949، تولى البرجوازي الوطني أحمد سوكارنو قيادة البلد. كانت أيديولوجيته ترتكز على مبادئ الـ”بانكاسيلا”، وأسسها الرئيسية هي الإيمان بالله وبالوحدة الوطنية. للأسف الشديد لم يقم الحزب الشيوعي بتحدي سوكارنو، بل على العكس اتفق معه تماما على الحاجة إلى الوحدة الوطنية. وكانت النتيجة أن كلمات سان جوست تحققت. كان لدى الحزب الشيوعي الإندونيسي من الأعضاء ما يفوق بكثير عدد أعضاء الحزب البلشفي وقت الثورة: ثلاثة ملايين عضو في مقابل ربع مليون عضو. الطبقة العاملة الإندونيسية كانت أكبر من الطبقة العاملة الروسية عشية الثورة. الفلاحون كانوا أكثر عددا في إندونيسيا منهم في روسيا. ولكن في 1965 نظم جنرال عيّنه سوكارنو، اسمه سوهارتو، انقلابا بدعم الولايات المتحدة وحكومتي حزب العمال في بريطانيا واستراليا. والنتيجة أن ما بين نصف مليون ومليون شخص تم ذبحهم.

الشرق الأوسط هو منطقة أخرى رأت اضطرابات كبرى هزت النظم القائمة، ولكنها فشلت في تحقيق أي خطوة كبرى للأمام. في العراق، تم إسقاط الملك فيصل في [1958] على يد حركة جماهيرية. الحزب الشيوعي العراقي كان حزبا قويا جدا،  كان هو الحزب الشيوعي الأكثر قوة في العالم العربي. دخل الحزب في تحالف مع حزب البعث البرجوازي الوطني. فقد آمن – تحت قيادة ستالينية – بأن الثورة القادمة ستكون ثورة ديمقراطية، وهو الأمر الذي يتطلب تحالفا بين الطبقة العاملة والأحزاب البرجوازية. غير أن تحالفا كهذا، كان يعني عمليا، خضوع العمال للبرجوازية. وقد دفع أعضاء الحزب الشيوعي والعمال ثمنا باهظا لهذا التحالف، حينما نفذ البعث، تحت قيادة صدام حسين وبمعاونة المخابرات المركزية الأمريكية، مذبحة كبرى للشيوعيين.

وفي إيران، أدى الإضراب العام إلى الإطاحة بالشاه في عام 1979. وانتشرت مجالس الشورى (مجالس العمال) في طول البلاد وعرضها. ولكن للأسف الشديد، رأت قيادة هذه المجالس – وكانت في الأغلب الأعم من حزب” توده” الموالي لموسكو ومن الفدائيين – الثورة كثورة برجوازية ديمقراطية وليس كثورة بروليتارية، ومن ثم أعطت تأييدها لإنشاء الجمهورية الإسلامية. وهكذا وصل آية الله خوميني للسلطة، ولكنه لم يُظهر أي امتنان لتوده أو للفدائيين، وأخضع اليسار إلى قمع دموي.

يمكن الإشارة إلى عدد آخر من الثورات المجهضة، مثل المجر 1919 و1956، وألمانيا 1923، والصين 1925-1927، وأسبانيا 1936، وفرنسا 1968، والبرتغال 1974- 1975.

إن التجاور بين الثورة الديمقراطية والثورة الاشتراكية، ثم إعطاء الأولوية للأولى، لم يكن أمرا يخص القادة الاشتراكيين الديمقراطيين فحسب، ولكنه كان أيضا الخط المرشد للقيادات الستالينية في طول العالم وعرضه.

مثلت الثورة الروسية في عام 1917 استثناء من هذه الثورات “نصف المنجزة”. فقد خلقت ثورة فبراير 1917 وضعا جديدا مثيرا: القيصر تنحى وانتهت قرون من الملكية، تم حل البوليس، ونشأت في كل مصنع لجان مصانع. وفي كثير من وحدات الجيش ظهرت للوجود لجان قاعدية، ونشأت سوفيتات العمال والجنود في كل مكان.

ولكن بعد الثورة في فبراير 1917، وفي موازاة السوفيتات، استمرت المؤسسات القديمة في الوجود. في المصانع استمر الملاك القدامى والمديرون القدامى في الاحتفاظ بمواقعهم. وفي الجيش ظل الجنرالات في مواقع القيادة – قائد الجيش كان الجنرال كورنيلوف الذي كان قد عينه القيصر. في موازاة السلطة السوفيتية كانت هناك حكومة برجوازية يرأسها سياسي ليبرالي من أيام القيصرية. هذا الوضع، الذي أسماه لينين وتروتسكي “ازدواجية السلطة”، كان مليئا بالتناقضات.

وبالرغم من طبيعة السوفيت، فقد توسل قادته للبرجوازية أن تحتفظ بالسلطة. غالبية مندوبي السوفيت كانوا اشتراكيين يمينيين، مناشفة واشتراكيين ثوريين. لم تكن هذه صدفة، بل كانت نتيجة حتمية لوضع انتقل فيه ملايين الناس إلى اليسار، ولكنهم ظلوا يحملون الكثير من المتاع الإيديولوجي للماضي القيصري. وبالنسبة لملايين من الناس كانوا حتى تلك اللحظة يؤيدون القيصر والحرب، لم يكن الانتقال إلى اليسار يعني الانضمام الفوري إلى أكثر الأحزاب راديكالية، أي الحزب البلشفي. الرجل القوي للمناشفة، تسيريتيللي، الذي أصبح وزيرا للداخلية في الحكومة البرجوازية المؤقتة، شرح السبب وراء حتمية الوصول لحل وسط مع البرجوازية قائلا: “لا يمكن أن يكون هناك طريق آخر للثورة. إنه لمن الحقيقي أن لدينا كل السلطة، وأن الحكومة سوف تنتهي إذا ما رفعنا إصبعا، ولكن هذا سوف يعني كارثة للثورة”.

عندما عاد لينين إلى روسيا من سويسرا في الثالث من أبريل [1917]، كان في استقباله آلاف من العمال والجنود في محطة فنلندا في بتروجراد. تشخيدزه، رئيس سوفيت بتروجراد، رحب به بهذه الكلمات: “أيها الرفيق لينين، باسم سوفيت بتروجراد وباسم الثورة كلها نرحب بك في روسيا .. ولكن نحن نعتقد أن المهمة الرئيسية للديمقراطية الثورية الآن هي الدفاع عن الثورة ضد أي انتهاكات سواء من الداخل أو من الخارج. نحن نعتبر أن ما يتطلبه هذا الهدف ليس التحرك في اتجاه الفرقة، ولكن التقارب في الصفوف الديمقراطية. نحن نأمل أنك سوف تسعى إلى هذه الأهداف بالمشاركة معنا”. وفي المقابل دعا لينين في رده إلى مواصلة الثورة على أساس أن الثورة الروسية هي جزء لا يتجزأ من الثورة الأممية العالمية. رد فعل المناشفة على خطبة لينين كان معاديا إلى أقصى حد. وعلى ذلك أعلن جولدنبرج، وهو عضو سابق في اللجنة المركزية للحزب البلشفي، أن “لينين جعل من نفسه الآن مرشحا لعرش أوروبي ظل خاويا على مدى ثلاثين عاما – عرش باكونين! كلمات لينين الجديدة تردد أصداء شيئا قديما – الحقائق العتيقة للفوضوية البدائية”.

لم يكيف لينين نفسه مع المناشفة والاشتراكيين الثوريين، الذين كانوا بمثابة تجسيد للديمقراطية البرجوازية الصغيرة، لكنه سار باستقامة وراء دعوة ماركس في أيام ثورة 1848 في فرنسا وألمانيا: أن تكون مستقلا تماما عن المعسكر الديمقراطي البرجوازي الصغير. كتب ماركس: “على العمال الألمان … أن يسهموا بشكل رئيسي في تحقيق نصرهم النهائي، وذلك بتذكير أنفسهم بمصالحهم الطبقية الخاصة، وباتخاذ موقفهم السياسي المستقل في أقرب فرصة ممكنة، وبعدم السماح لأنفسهم بأن يتم تضليلهم بواسطة العبارات المنافقة للديمقراطية البرجوازية الصغيرة في اتجاه الشك ولو للحظة واحدة في ضرورة وجود حزب مستقل التنظيم للبروليتاريا. صيحة حربهم لابد أن تكون: “الثورة الدائمة”.

بعد أيام، وأسابيع، وشهور من الأحداث العاصفة، نجح البلاشفة في أن يكسبوا غالبية العمال. ففي التاسع من سبتمبر ناصر سوفيت بتروجراد البلشفية وتم انتخاب تروتسكي رئيسا له. وفي نفس اليوم حقق البلاشفة الأغلبية في سوفيت موسكو. ومن هذه النقطة لم يكن باقيا إلا خطوة صغيرة حتى يتم تحقيق سلطة العمال، وهذا ما حدث في السابع من نوفمبر 1917.

الطبقة العاملة، وليس الحزب، هي التي تصنع الثورة. ولكن الحزب يرشد الطبقة العاملة. وكما كتب تروتسكي بذكاء: “بدون منظمة مرشدة ستتبدد طاقة الجماهير كما يتبدد البخار إذا لم يتم ضخه في المكبس. ولكن على الرغم من ذلك، فإن الذي يحرك الأشياء ليس هو المكبس، بل البخار ذاته”.

الفارق بين النجاح والفشل، بين روسيا في أكتوبر 1917 والثورات العمالية الأخرى، كان أنه في الحالة الأولى وُجد حزبا ثوريا جماهيريا وفّر القيادة الناجحة. وفي حين أن الاشتراكيين لا يمكنهم تحديد اللحظة التي تنفجر فيها الأزمة الثورية، فإنهم يحددون النتيجة النهائية للأزمة بمقدار ما يقومون ببناء حزبا ثوريا قويا.

جرت عادة” كاتو” الأكبر، أحد أعضاء مجلس الشيوخ بروما القديمة، أن ينهي كل خطبه بالكلمات الآتية: “لابد من تدمير قرطاج”. وفي نهاية المطاف، دمرت روما قرطاج. ونحن ينبغي أن ننهي كلامنا بهذه الكلمات: “لابد من بناء الحزب الثوري”.

 

الفصل الرابع عشر

الماركسية والديمقراطية

في تركيا، هناك اعتقاد واسع الانتشار بين الناس أنه إذا انضمت البلد للاتحاد الأوروبي، فإن تطبيق الديمقراطية سيكون أمر مضمون. قبل الرد على هذه النقطة بالتحديد، سأحاول رسم صورة أوسع لما تكون عليه العلاقة بين الديمقراطية والتغيير الجذري للمجتمع.

عُرفت كلمة الديمقراطية في الأصل من حضارة أثينا القديمة، والكلمة تعني “حكم الشعب”. وعلى الرغم من المعنى الواضح للكلمة، إلا أنه لم يكن مسموحاً لا للعبيد ولا للنساء ولا للسكان غير الأثينيين، بالتصويت.

الاقتراع العام هو الآخر لا يضمن حكم الشعب. وللعلم بالشيء، أول من استخدم هذا الأسلوب كان نابليون الثالث، وعن طريقه استطاع بسط ديكتاتوريته على أي استفتاء آخر. نفس الشيء بالنسبة لبسمارك، الذي يُعتبر أول من أدخل الاقتراع العام في ألمانيا، فقد استخدم هذا الأسلوب لتوطيد سلطة القيصر والأمراء لتحطيم تحركات الاشتراكيين في برلين.

وإذا نظرنا إلى بعض الدول الرأسمالية الديمقراطية مثل بريطانيا، فرنسا أو ألمانيا، نجد أن الاقتراع العام يُستخدم في كثير من الأشياء، كما أن أعضاء البرلمان يتم انتخابهم ديمقراطياً، لكن الديمقراطية على هذا النحو، هي ديمقراطية شكلية وضحلة. بيد أنه صحيح أن أعضاء البرلمان يتم انتخابهم، لكن القضاة، قادة الشرطة والجيش، إلخ، لا يتم اختيارهم على أساس ديمقراطي. كما أن الناس ليس لهم الحق في اختيار رئيسهم في العمل، وليس لهم الحق في عزله إذا أرادوا.

دائماً يخبروننا أن الرأسماليون والعمال هم سواسية في عيون القانون. فعلى سبيل المثال، الرأسمالي مثله مثل أي عامل له فقط صوت واحد في الانتخابات. وفي بريطانيا جرت العادة أن يضرب أولئك الذين يدافعون عن الديمقراطية البرجوازية، المثل بالسيد روبرت موردوتش، رجل الأعمال الذين يمتلك 4 مؤسسات صحفية تصدر جرائد واسعة التوزيع، إلا أنه بالرغم من ذلك ليس له الحق في التصويت نظراً لأنه يحمل الجنسية الأمريكية.

لكننا إذا نظرنا على الجانب الآخر، سنجد أن الصورة مغايرة تماماً؛ فكل عامل في بريطانيا يدفع 23% من راتبه كضرائب، و10% كتأمين اجتماعي، بينما يدفع السيد موردوتش 0.5% فقط من أرباحه للضرائب. هكذا فإن الرأسمالي والعامل متساوون في عين القانون لكنهم ليسوا كذلك فيما يخص الحقوق الاقتصادية.

وقبل كل شيء، فإن الديمقراطية بمفهومها السائد وبالشكل الذي تُمارس به في المجتمعات الرأسمالية، لا تستطيع الحد من الاضطهاد القومي أو العرقي، إلخ. في زيمبابوي على سبيل المثال، فإن السكان البيض الذين يبلغ عددهم 200 ألف فقط من إجمالي السكان، ينعمون بكامل الحقوق الديمقراطية، لكن ذلك لا يوقف الاضطهاد الواقع على السكان الـ 5 ملايين السود في هذه البلد. بل على العكس فإن ذلك يوطد وحدة السكان البيض ضد السود.

يقولون أن اسرائيل دولة ديمقراطية، لكن هذه خدعة كبرى. فكونها ديمقراطية لم يعني في يوم من الأيام أن الثلاثة ملايين فلسطيني الذين تم طردهم من أرضهم وديارهم لهم الحق في العودة مرة أخرى، أو الحق في تقرير مصيرهم. المعيار الحقيقي للديمقراطية الشعبية هو إلى أي مدى يتحكم المضطَهدون في السلطة.

في 1902 كان لينين يشرح كيف أن العامل عندما يخوض إضراباً عن العمل من أجل زيادة الأجور فإنه بذلك مناضل نقابي جيد، أما عندما يخوض إضراباً احتجاجاً على الاعتداء على اليهود فهو بذلك اشتراكي ثوري بحق. كما أكد لينين مراراً وتكراراً أن الثوريين يجب أن يكونوا سنداً لكافة المضطهدين. ففي البلد الذي يسود فيه اضطهاد قومي، يصبح واجباً مركزياً على الاشتراكيين الذين ينتمون للأمة التي تمارس الاضطهاد أن يدافعوا عن ويناضلوا من أجل حق تقرير المصير للأمة المضطهَدة. ومن أجل تحقيق الوحدة بين العمال في الأمة المضطهَدة والأمة المضطهِدة، يكون من الضروري في هذه الحالة أن يؤكد عمال الأمة المضطهِدة على حق تقرير المصير للأمة المضطهَدة، بينما يكون من الضروري أن يتمسك عمال الأمة المضطهَدة بالوحدة النضالية مع عمال الأمة المضطهِدة، ضد الاستبداد والقهر والاستغلال. إن الضرورة القصوى التي تفرض هذه الوحدة النضالية هي أن الاضطهاد القومي يفتت وحدة الجماهير، والعمال في القلب منهم.

في الولايات المتحدة مثلاً، يتميز العامل الأبيض عن العامل الأسود كثيراً في الوظيفة والأجر والإسكان، إلخ، وهذا ما يمكن ملاحظته في تكساس مثلاً أكثر من نيويورك. وإذا نظرنا إلى الأمر بشكل سطحي، سنكتشف بسهولة أن العامل الأبيض يستفيد من الاضطهاد الواقع على السود. لكننا ما يفضح الأمر برمته هو أن العامل الأبيض في نيويورك يشغل وظيفة ويتقاضى أجراً ويسكن منزلاً أفضل كثيراً من مثيله في تكساس، وحتى العامل الأسود في نيويورك يعيش أفضل كثيراً من العامل الأبيض في تكساس. ومن هنا فإننا لا نجد أدنى قدر من المساواة في الحقوق بين العمال البيض وزملائهم السود، والديمقراطية في هذا المجتمع الرأسمالي لا تستطيع الوقوف ضد هذا الظلم.

ولذا فإن الطريق الوحيد الذي يضمن ديمقراطية شعبية حقيقية هو نضال العمال الموحد باختلاف الجنس والعرق واللون والديانة.

سأضرب مثالاً آخر: عندما شاهدت في التليفزيون الآثار المدمرة للزلزال الذي وقع في الشمال الغربي لتركيا العام الماضي، علمت أن الزلزال قد دمر الأحياء الفقيرة التي يسكنها الأتراك والأكراد الفقراء على حد سواء، أما منازل أصحاب الثروة لم تتأثر بالزلزال. المشهد أوضح أيضاً دور الجيش التركي (ثاني أكبر جيش في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة). فالجيش قد هرع سريعاً بالبنادق والدبابات لحفظ النظام والانضباط، وليس بالجرافات والبلدوزرات لانتشال الضحايا من تحت الركام.

إن أنظمة التعليم كلها مبنية على أساس أن التاريخ تصنعه الطبقات العليا. لقد علمونا في المدارس الكثير عن الملوك والأباطرة وقادة الجيوش، لكنهم لم يعلمونا شيئاً عن الفقراء والطبقات الكادحة. لذا فإنه من الوهم أن نظن أنه بمجرد جلوس رئيس الوزراء التركي مع توني بلير وجرهارد شرودر فإن ذلك يمكن أن يعزز الديمقراطية. ومثل هذا الوهم يجب أن نمحيه تماماً؛ فالديمقراطية الحقيقية لن تتحقق إلا بالنضال الجماعي والموحد للطبقات الكادحة. والطبقة العاملة لا يمكن أن تنتصر وتحوذ السلطة من خلال القيام ببعض الخدع من خلف ظهر التاريخ. لكن فقط من خلال الصراع الطبقي. وكما وضح ماركس من قبل: “فإن تحرر الطبقة العاملة هو من صنع الطبقة العاملة”.

 

الفصل الخامس عشر

هل الثورة العالمية ممكنة؟

إن الطبقة العاملة الصناعية في كوريا الجنوبية اليوم أكبر من الطبقة العاملة في العالم كله عندما توفى ماركس عام 1883. العمال في العالم أكثر عدداً من الفلاحين، كما أن الوزن الاجتماعي والسياسي للطبقة العاملة أكبر من جماهير الفلاحين بما لا يُقاس. وبينما يعمل العمال في وحدات إنتاجية ضخمة وفي بعض الأحيان يعمل عشرات الآلاف منهم في نفس الشركة الرأسمالية، يعمل الفلاحون في عزلة عن بعضهم حيث تعمل كل عائلة في قطعة أرض خاصة بها.

لقد جادل ماركس بأن الثورة تصبح ضرورة عندما تتناقض قوى الإنتاج مع علاقات الإنتاج، أي عندما تتناقض مع النظام والهيكل الاقتصادي القديم.

في بداية الرأسمالية، لم تكن البرجوازية تقدمية فقط، بل كانت ثورية أيضاً، حيث قاتلت بضراوة ضد الإقطاع وحطمت قيوده. في القرن السابع عشر، قامت البرجوازية الإنجليزية بثورة استطاعت من خلالها بناء نظامها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ونفس الشيء قامت به البرجوازية الفرنسية في القرن الثامن عشر. وبعد الثورة الفرنسية بسنوات قليلة، أعلن الرأسماليون في المستعمرات البريطانية في أمريكا استقلالهم، وهكذا ولدت الولايات المتحدة.

ومن الواضح أن علاقات الإنتاج الرأسمالي اليوم تشكل عائقاً أمام تطور قوى الإنتاج. هناك بعض الحقائق التي تشرح ذلك ببساطة، مثل أن هناك مئات الآلاف، إن لم نقل ملايين، من عمال البناء معطلين عن العمل، في نفس الوقت الذي لا يجد فيه مئات الملايين من البشر مساكن تأويهم!!. ملايين من الناس يعانون الجوع، ليس بسبب ندرة الغذاء، لكن لأنهم ليس لديهم أموال ليشتروا بها الطعام.

كان انتصار البرجوازية على السادة الإقطاعيين أمر حتمي. كان الرأسماليون أكثر ثراءاً من الإقطاعيين، وعندما كانت ثروات الرأسماليين تتضاعف، كانت ثروات الإقطاعيين تتضائل. وما قد يثبت تفوق الرأسماليين هو أنه عندما كان النبلاء يصطدمون بمصاعب اقتصادية فإنهم كانوا يلجأون لزواج أخوات الرأسماليين. وحتى على المستويين الثقافي والعلمي، كانت البرجوازية متفوقة على الإقطاعيين بمراحل: النبلاء لديهم الإنجيل والكنيسة والرهبان، والبرجوازيين لديها الموسوعة والجامعات والعلماء.

أما علاقة الطبقة العاملة بالرأسماليين فهي مختلفة تماماً عن العلاقة التي كانت بين الرأسماليين بالسادة الإقطاعيين. الرأسماليون يمتلكون المصانع والبنوك، إلخ. بينما العمال لا يمتلكون شيئاً. وبينما تبيع جريدة الصن داي تايمز 4 ملايين نسخة يومياً، بالأساس للعمال، لا أظن أن هناك رأسماليين يشترون جريدة العامل الاشتراكي. لذلك ليس حتمياً أن ينتصر العمال في كل ثورة، فكما أكد ماركس فإن “الأفكار السائدة في كل مجتمع هي أفكار الطبقة الحاكمة”، أكد أيضاً على ضرورة أن يعمم الشيوعيون الخبرة التاريخية للطبقة العاملة العالمية، بيد أنه لا يوجد شخص واحد استطاع استخلاص الخبرة الثورية للطبقة العاملة من خلال تجاربه الشخصية، فما من أحد في العالم اليوم خاض كوميونة باريس مثلاً أو الثورة الروسية 1905، أو 1917. لذا يجب على الحزب الثوري أن يكون ذاكرة الطبقة العاملة، أن يكون مخزن خبرتها، وأن يكون مدرسة حقيقية لكوادرها الطليعيين.

أما عن سؤال هل الثورة العالمية ممكنة؟ فالإجابة أنها ليست فقط ممكنة بل ضرورية أيضاً. إن النظام الرأسمالي العالمي ما هو إلا سلسلة، حلقاتها هي الدول الرأسمالية. وعندما يصل الضغط إلى أقصاه، تنكسر إحدى تلك الحلقات وتؤثر على حلقات السلسلة كلها. الثورة الروسية عام 1917 كانت بداية للثورة في العالم كله، حيث اندلعت في أعقابها الثورة الألمانية 1918، وثورة ضخمة أخرى في الامبراطورية النمساوية- المجرية 1919، وحركة احتلال المصانع في إيطاليا 21-1920، فيما امتدت الثورة في ألمانيا حتى نهاية 1923. نمت الأحزاب الشيوعية واتسعت بشكل كبير في وقت قصير جداً. يّذكر أنه في المؤتمر الدولي في زيمرفالد الذي حضره اشتراكيين مناهضين للحرب عام 1916، قالت روزا لكسمبرج “لقد وصلنا إلى وضع غاية في الضعف، فإجمالي الاشتراكيين المعارضين للحرب في العالم كله يمكن أن يسافروا جميعاً في بضع عربات تجرها الخيول”. لكن في 1920، وصل الحزب الشيوعي الألماني إلى نصف مليون عضو، والفرنسي إلى 200 ألف، كما وصل الحزب الشيوعي الإيطالي إلى رقم مشابه أيضاً.

ومع ذلك فإننا عندما نقول أن الثورة العالمية ضرورية فإننا لا نعني بذلك أنها حتماً منتصرة.

أزمة الثلاثينات بالتصوير البطيء

من عشر سنوات توقعت أننا مقبلين على فترة تشبه كثيراً ثلاثينات القرن الماضي، لكن بالتصوير البطيء. نحن نغرق بالفعل في الكساد العالمي، لكنه أكثر ضحالة بكثير مما كان عليه في فترة 1929-1933. وقتها كان هناك في ألمانيا، على سبيل المثال، 8 ملايين عاطل بدون إعانات للبطالة، لكن اليوم يوجد 4 ملايين فقط، كما أنهم يتلقون إعانات بطالة أكثر من تلك التي في بريطانيا. صحيح أن النازي الفرنسي لو بان يشبه هتلر كثيرً، لكن مؤيديه أقل كثيراً من مؤيدي هتلر في الثلاثينات. حيث فاز هتلر في الانتخابات بـ 13 مليون صوت، وكان لديه عشرات الآلاف من النازيين المسلحين ومن فرق الاقتحام التي كانت تهدف لتحطيم المنظمات العمالية. أما الجبهة الوطنية التي يتزعمها لو بان في فرنسا، لا تمتلك شيئاً كهذا، وعندما اندلعت الإضرابات في فرنسا في نوفمبر –ديسمبر 1995، لم تحظى الجبهة الوطنية بأي تأييد. عندها انقسمت الجبهة الوطنية، وتبقى لدى لو بان شراذم محدودة من الجبهة.

مرة أخرى، لا ينبغي أن ننظر إلى الثلاثينات كفترة سواد. صحيح أن هزيمة الطبقة العاملة الألمانية على يد هتلر كانت كارثة حقيقية، لكن في نفس الوقت كان العمال الفرنسيون يحتلون أعداد كبيرة من المصانع في يونيو 1936، وكان الأمر يبشر بثورة قريبة. إلا أن قيادة الإضرابات، التي انحصرت في الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي الفرنسيين، أخذوا جانب الليبراليين من أجل احتواء النضالات العمالية. لكن هذا التحالف –الحزب الاشتراكي والشيوعي والليبراليين- بعد ذلك بثلاث سنوات، قد صوّت لتأييد التحالف بين مارشال بيتان مع النازيين.

امتلئ عقد الثلاثينات بالأحداث الخطيرة. كانت حالة الاستقطاب السياسي شديدة العنف بين اليمين واليسار، لم تكن هناك فرصة لمواقف وسطية، والتزام الموقف المحايد كان بالتأكيد مساندة غير مباشرة لقوى الرجعية. وفي الحقيقة فإن هذا العقد يعيد تكرار ذاته مرة أخرى، نحن نشاهد نفس الفيلم لكن بالتصوير البطيء هذه المرة. وهذا يعني أن لدينا فرصة أكبر في إيقاف الفيلم وتوجيهه في الوجهة التي نريد. مفتاح الحل هنا هو بناء الحزب الثوري. وكما شبه ليون تروتسكي، فإن النضال الجماهيري هو حقاً كالبخار، والحزب الثوري كالمكبس الذي يوجه الآلة. المكبس بدون البخار لن يساوي أكثر من قطعة معدنية ميتة، والبخار بدون المكبس سيتبخر في الهواء دون قيمة

قد يظن القارئ أن الماركسية هي مجموعة دوجمائية من القوانين الحديدية التي تحكم التاريخ. لكن في الحقيقة، هناك الكثير من الأحداث الصغيرة التي قد تغير وجهة التاريخ بشكل كامل. فإذا كان لينين قد مات مثلاً قبل العودة إلى روسيا عام 1917، لكان ذلك سيؤثر على الحزب البلشفي بشكل كبير، وبالتالي على الثورة الروسية كلها.

 

الفصل السادس عشر

الألفية الجديدة بين الآمال والمخاوف

في البيان الشيوعي، الذي كتبه ماركس وإنجلز في 1848، هناك تأكيد حاسم بأن “تاريخ أي مجتمع حتى الآن، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية. حر وعبد، نبيل وعامي، بارون وقن، معلم وصانع. وبكلمات أخرى، ظالمون ومظلومون، في تعارض دائم، خاضوا حرباً متواصلة، تارة معلنة و طوراً مستترة، حرباً كانت تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع كله، إما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين”.

منذ قرون، هُزمت تمردات العبيد التي قادها سبارتاكوس، وكل تمردات العبيد الأخرى. لكن ذلك لم يؤدي إلى استمرار النظام العبودي في الامبراطورية الرومانية. تم استبدال العبيد بالأقنان، والاقطاعية حلت محل العبودية. وقد أسرعت غزوات القبائل الألمانية على الرومان من انهيار مملكة العبيد.

مرة أخرى، عندما نتحدث عن التحول من الاقطاعية إلى الرأسمالية، فإن العملية تبدو وكأنها سلسة وبسيطة. يستطيع المرء أن يقرأ فصل من كتاب عن الإقطاع خلال نصف ساعة، وأن يقضي نصف ساعة أخرى لقراءة فصل آخر عن الرأسمالية، لكن هذه العملية التاريخية في تحول النظام الاجتماعي كانت مليئة بالتعقيدات والتناقضات. استمر الإقطاع أكثر من ألف سنة في أوروبا، وعندما كان المجتمع الإقطاعي في طريق الانحطاط، وكانت الرأسمالية تولد من رحم هذا المجتمع، لم تسير العملية في خط واحد يقود لميلاد الرأسمالية مباشرةً. وفي الحقيقة، كانت الأندلس مثلاً، عندما كان يسكنها العرب في القرن الحادي عشر ميلادياً، اكثر تقدماً من الوضع التي آلت إليه بعد ثلاثة قرون، وهذا يدل على أن العملية التاريخية لا تسير بالضرورة في طريق التقدم للأمام. وفي القرن السابع عشر، خلال حرب الثلاثين عام (48-1618) تقلص عدد السكان في ألمانيا إلى النصف تقريباً.

كانت مساوئ المجتمع الإقطاعي في قمة البشاعة. على سبيل المثال، لمدة ألف سنة من هذا النظام كان لكل إقطاعي الحق في استباحة عرض أية فتاة تعيش في نطاق الحقول التي يمتلكها. وإلى جانب ذلك استمر اضطهاد وامتصاص عرق الأقنان والفلاحين والعبيد والخدم طيلة استمرار النظام الإقطاعي.

أما الرأسمالية، فهي النظام الأكثر دينامية وسرعة من أي نظام اقتصادي واجتماعي في التاريخ، لذا فإن النتائج السلبية أيضاً تظهر بشكل مأساوي أسرع وأعلى دينامية من أي نظام سابق. الرأسمالية تعمل على تطوير قوى الإنتاج غلى حد كبير جداً، ولذلك فإن الوفرة في الإنتاج يمكن أن تتاح للجميع، لكن في نفس الوقت تمزق الرأسمالية نفسها من خلال المنافسة بين الرأسماليين أو بين الدول الرأسمالية. المنافسة بين جنرال موتورز وفورد تدفعهم لزيادة الاستغلال على عمال كلٍ منهما. وبذلك تلقي المنافسة العشوائية بين الرأسماليين الاضطهاد والاستغلال على كواهل العمال من أجل تحقيق أكبر قدر من الأرباح الرأسمالية. مشهد المجتمع الرأسمالي مليئ بالتناقضات الفجة؛ فالثروة الضخمة في يد الرأسماليين تتوازى مع الفقر المدقع الذي يلحق بقطاعات واسعة من الجماهير.

لم تكن المجاعات ظاهرة جديدة على البشرية، فلقد عرفها البشر خلال آلاف السنين السابقة. لكن المجاعات قديماً كانت نتيجة ندرة موارد الغذاء، أما اليوم في ظل الرأسمالية، لدينا ملايين الجوعى في الوقت الذي تتوافر فيه كميات هائلة من الغذاء الفائض والذي يتم التخلص منه في المحيط دون أدنى اكتراث. يمكننا أن ندرك جيداً مدى عمق تناقضات الرأسمالية عندما نعلم أنه هناك 20 مليون طفل يموتون سنوياً نتيجة استخدام المياه الملوثة، في الوقت الذي تكفي فيه أرباح بيل جيتس، أغنى رجل في العالم وساحب شركة مايكروسوفت، في سنة واحدة، لصناعة أنابيب مياه وحفر الأنفاق اللازمة لها لضمان وصول مياه نظيفة لكل طفل في العالم. أرباح سنة واحدة فقط (!!)

التنافس بين الرأسماليين لا يأخذ أشكال اقتصادية فقط، بل أشكال عسكرية أيضاً. عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، كتبت روزا لكسمبرج الثورية البولندية –الألمانية الشهيرة، أن مستقبل البشرية يكمن في احتمالين “إما الاشتراكية أو البربرية”. ولا شك أننا ندرك اليوم معنى البربرية أكثر بكثير مما كانت روزا تقصده في عصرها؛ فقد أغتيلت روزا في يناير 1919، أي أنها لم تشهد الإبادة في غرف الغاز، ولم تسمع عن دمار القنابل الذرية في هيروشيما وناجازاكي، إلخ.

في بداية التسعينات، كنت قد قلت أن مشاهدة أوروبا في ذلك الوقت يشبه مشاهدة فيلم عن فترة الثلاثينات لكن بالتصوير البطيء. وفي العشرين عاماً السابقة، دخل العالم الرأسمالي في ثلاث فترات كساد اقتصادي، لكن لم يكن أي منهم بالعنفوان الذي كان عليه الكساد الكبير في الثلاثينات، كان كل منهم أشبه بنسخة باهتة لفترة 33-1929. صحيح أن اليمين المتطرف –الفاشيين- قد صعد في أوروبا الثلاثينات، لكن لو بان اليوم هو بالتأكيد نسخة باهتة من هتلر، فقد حصلت الجبهة القومية التي يتزعمها لو بان على 5 ملايين صوت. وهذا بالطبع أضعف كثيراً إذا ما قورن بالـ 13 مليون صوت التي حصل عليهم هتلر. كان لدى هتلر فرق اقتحام مسلحة حتى قبل أن يصبح في السلطة في يناير 1933. أما مؤيدو لو بان، فكل ما يستطيعوا فعله هو الهجوم والاشتباك البدني مع المهاجرين.

الجانب الآخر من العملة، وهو النضال العمالي، هو أيضاً نسخة باهتة من الثلاثينات. صحيح أن درجة نضالية عمال المصانع في التسعينات في فرنسا، قد ارتفعت كثيراً، لكن الإضرابات الضخمة التي وقعت في نوفمبر –ديسمبر 1995، لا يمكن مقارنتها بحركة احتلال المصانع واسعة النطاق في يونيو 1936. كان عقد التسعينات إذن بمثابة فيلم بطيء لما كانت عليه الأوضاع في الثلاثينات، وهذا يعني في المقام الأول، انه يمكن إيقاف الفيلم وتوجيهه من جديد وجهة الثورة العمالية، وهذا أفضل كثيراً من أن يسير الفيلم سريعاً.

الأمر الأهم هو الوضع السياسي للطبقة العاملة الذي يوفر فرص أفضل للثوريين من تلك التي كانت في الثلاثينات. وقتها، كانت الاحزاب الستالينية تسيطر على اليسار في كل أوروبا. وبالتأكيد لم يكن صعود هتلر حتمي الحدوث، بل كان من الممكن محاصرة نفوذه. هكذا جادل ليون تروتسكي أن من الضروري بناء جبهة متحدة بين الأحزاب الشيوعية والاشتراكية الديمقراطية لمواجهة نفوذ النازيين الذين يتزعمهم هتلر. وأولاً وأخيراً، كان الـ8 مليون صوت الذين حصل عليهم الحزب الاشتراكي الديمقراطي والـ6 مليون صوت الذين حصل عليهم الحزب الشيوعي، أكثر من الأصوات التي أعطت للنازي. الأهم من ذلك هو طبيعة الجمهور الانتخابي نفسه. مرة أخرى وصف تروتسكي مؤيدي الحزب النازي بأنهم مجرد “غبار بشري، فرادى معزولين”، أما مؤيدي الأحزاب العمالية فقد شكلوا ثقلاً ومراكز قوى في المصانع والسكك الحديدية، إلخ. لم يتم إيقاف هتلر ولا محاصرة نفوذه السياسي بين الجماهير، فقط لأن السياسة الستالينية كانت ضد تاكتيك الجبهة المتحدة، حيث شخّص ستالين الاشتراكيين الديمقراطيين كاشتراكيين فاشيين، وحظر على الأحزاب الشيوعية في أوروبا التعاون السياسي معهم.

مرة أخرى، كانت الاحتلالات الواسعة للمصانع في فرنسا 1936، يمكنها أن تؤهل للثورة العمالية، ليس فقط في فرنسا، بل كان يمكنها إضرام نار الثورة في بلدان أخرى تحذو جماهيرها حذو العمال الفرنسيين. دفع الستالينيين في اتجاه التحالف مع الحزب الليبرالي في الانتخابات البرلمانية، ولم يخدم ذلك شيئاً سوى مصالح السياسة الخارجية لستالين. كانت النتيجة أن البرلمان الذي انتُخب في مايو 1936، والذي خاض الحزب الشيوعي انتخاباته متحالفاً مع الحزب الليبرالي تحت شعار “الجبهة الشعبية”، ذلك البرلمان قد صوّت عام 1944 لصالح دعم وتأييد المارشال بيتان، الذي ترأس الحكومة الفرنسية وتعاون مع ألمانيا النازية.

أما في أوروبا اليوم، فقد تحلل نفوذ الأحزاب الستالينية بشكل كبير بعد انهيار أنظمة رأسمالية الدولة في روسيا وأوروبا الشرقية. والآن لدى الثوريين مساحة عريضة لبناء أحزاب عمالية على أسس ثورية حقيقية بعيداً عن تشويشات سياسات الأحزاب الستالينية التقليدية التي نخرت الإصلاحية نخاعها.

الألفية الجديدة إذن تقدم لنا مزيجاً من الآمال والتحذيرات حول مخاطر المستقبل. نحن نعيش عهد مليء بالتناقضات، إمكانيات وفرص ضخمة بجانب مصاعب وتحديات كبيرة. علينا إذن أن أن نضع النصيحة الحكيمة للفيلسوف سيبنوزا في الاعتبار، حيث كتب أن المرء “لا ينبغي أن يضحك أو يبكي، لكن أن يفهم”.

وصف البيان الشيوعي العمال بأنهم حفارو قبر الرأسمالية. الطبقة العاملة أقوى اليوم بما لا يُقاس بما كانت عليه وقت كتابة البيان الشيوعي. الطبقة العاملة في كوريا الجنوبية وحدها أكبر من الطبقة العاملة في العالم كله حينما مات ماركس في 1883. لدينا إذن “عالماً لنكسبه”.

لقد أوضحت معركة  HYPERLINK “http://www.e-socialists.net/node/4178” سياتل غضب هائل لدى قطاعات من الجماهير ضد سياسات الشركات الرأسمالية الكبرى. وقد علقت جريدة “دير سبيجل” الألمانية اليومية ذات التوزيع الواسع، أن مظاهرات سياتل ترينا أن “الألفية الجديدة سوف تبدأ بحرب ضد الرأسمالية”.

لسنين طويلة كان لفظ “مناهضة الرأسمالية” غير موجود إلا في قاموس المنظمات الثورية الصغيرة، وغير متداول سوى في الأوساط اليسارية الراديكالية، لكنه اليوم أصبح جزءاً من لغة الملايين من الناس. وهذا بالتأكيد ما يلهم الثوريين عبر العالم ويضاعف أملهم في إمكانية القضاء على الرأسمالية واقتلاعها من جذورها… هكذا نبدأ الألفية الجديدة.

* ترجمة داليا سعيد. المقالة تم نشرها لأول مرة في مجلة السوشياليست ريفيو، العدد 219، مايو 1998، قام مركز الدراسات الاشتراكية بنشر ترجمة المقالة في مجلة أوراق اشتراكية، العدد 18، أبريل 2008.

 بحد تعبير إسحق دويتشر فإن كورنيلوف قد انهزم في بتروجراد “ببضع طلقات في الهواء.. لم ينهزم بقوة السلاح لكن بقوة الكلمة البلشفية”. ويعني: تحت تأثير تحريض البلاشفة لجنود كورنيلوف كي ينضموا للثورة. الفقرة مأخوذة من الجزء الأول من ثلاثية دويتشر حول ليون تروتسكي: النبي المسلح- (المترجم).

 وصل عدد الضحايا في ثورة أكتوبر إلى ما يقارب الـ500 قتيل، بينما سقط الآلاف في فبراير أثناء الانتفاضة العفوية ضد القيصر. وذلك على حد تقدير الصحفي الشيوعي الأمريكي، جون ريد، الذي رصد أحداث ثورة أكتوبر في كتاب “عشرة أيام هزت العالم” –طبعة دار التقدم، موسكو. (المترجم)

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *