أكثر من أفيون: الموقف الماركسي من ‘الظاهرة’ الدينية

أكثر من أفيون: الموقف الماركسي من ‘الظاهرة’ الدينية

بقلم: غياث نعيسة

أمام الصعود الكبير للتيار الاسلامي في العالم العربي لا ينبغي اهمال حقيقة هذه الظاهرة الدينية المجردة التي تمزج بين طابع مزدوج؛ طابع قمعي وفي نفس الوقت كمون تمردي

“الدين هو صرخة الكائن المضطهد وقلب عالم بلا قلب وروح ظروف بلا روح….”
كارل ماركس

يعود، منذ وهلة، في أوساط اليسار الراديكالي عموما والماركسي خصوصا وعلى الصعيد العالمي اهتمام وحوار حول دور الدين، أو العامل الديني، في الصراعات الاجتماعية الداخلية أو على صعيد الصراعات الدولية والإقليمية، وتحديد الموقف منه.
لقد أدخلت الإدارة الأميركية العالم منذ بدايات القرن الحادي والعشرين في عصر أطلقت عليه مصطلح “الحرب على الإرهاب” وهو ما عني بشكل شبه حصري حرب على كل القوى والدول المعادية للمشاريع الامبريالية بدءا من أفغانستان إلى العراق ولبنان وفلسطين وغيرها من البلدان. ولم يكن غريبا أن تترافق هذه الحرب الامبريالية المتوحشة والفعلية مع حرب نفسية وإيديولوجية جعلت من “الإسلام” – كدين شعبي وليس كدين رسمي لأنظمة موالية أو عميلة للامبريالية- عدو يجب تطويعه وإدانته وخلق شعور بالعار أو بالخوف لمجرد الانتماء له.
وما حصل من تأثيرات لهذه السياسة الامبريالية العنيفة لم يكن إلا تحصيل حاصل: حروب مدمرة، وكره للإسلام في الدول الغربية ليس له مثيل في القرن العشرين، وإعلان مواقف حكومية لمنع النقاب في فرنسا وغيرها أو ما سمي قبل عامين بمنع المظاهر الدينية في المدارس بشكل خاص والتي لم تكن تعني إلا مظاهر الانتماء الإسلامي التقليدي في اللبس.
لقد ارتبك بعض اليسار الماركسي نفسه في تقدير الموقف من “الوعي الديني” باعتباره يمكن أن يشكل عند “المؤمنين” نوعا من أنواع الهوية المركبة لكل مواطن. فقد وقف قسم من اليسار النضالي –كالعصبة الشيوعية الثورية في فرنسا- مع القانون المحرم للمظاهر الدينية الذي أصدرته حكومة يمينية. كما تعالت أصوات أخرى تعلن مدى تخلف “الإسلام” في تعامله مع المرأة، وصدحت أصوات أخرى تعلن الميل العضوي للإسلام كدين يقوم على الإكراه والعنف وبالتالي على الإرهاب وساهمت في إشاعة ظاهرة معاداة الإسلام في الغرب أو الاسلاموفوبيا… وأخيرا أثار قرار الحزب الجديد المعادي للرأسمالية في فرنسا في ترشيح إحدى عضواته “مسلمة” وتغطي شعرها في الانتخابات الإقليمية القادمة في آذار/مارس إلى ضجة كبيرة داخل الحزب وخارجه وحركة احتجاج لقطاع من أوساطه.هذه المواقف الملتبسة والمرتبكة لليسار الأوربي تجد شبيها لها في بلداننا، فيصدح البعض بالقول بتماثل “القوى الإسلامية” مع الفاشية ويضع مواجهتها على قائمة أوليات برامجه . ويتخذ مواقف تقوم على إدانة رجعية “القوى” الإسلامية بغض النظر عن موقفها المعادي للامبريالية.
يضاف إلى هذا اليسار العقائدي والمناهض للوعي “الديني” باعتباره “رجعيا بالمطلق” بعض الكتاب الناقدين والمعادين للدين الإسلامي أو القوى الإسلامية باسم ضرورة الانتقال إلى “الحداثة” و”التنوير” في بلادنا.

الماركسية والدين

في الواقع، أن الفهم الماركسي لدور الدين – في كتابات ماركس وانجلز- كما الوعي الديني نفسه في مجتمع محدد يتسمان كلاهما بطابع مزدوج .
فإذا كان شائعا أن تعريف ماركس للدين بأنه “أفيون الشعوب” وهو تعريف يتشبث به بعض “الماركسيين” والمعادين للماركسية بنفس الوقت. لكن موقف ماركس وانجلز من الدين لا يمكن اختزاله في هذه الجملة المبتسرة من سياقها وحدها، ولا في التفسير الشائع لها.
مثلما لم يحظ الوعي الديني ودوره في الصراعات الاجتماعية بدراسات ماركسية جدية أو جديدة، بل اجتر عدد من الماركسيين مواقفهم السياسية من الدين من التفسير (أو بالأحرى سوء التفسير) الشائع لبعض نصوص ماركس أو انجلز. وخصوصا في كتابه” نقد فلسفة الحق لهيغل” حيث اعتبر ماركس أن نقد الدين في ألمانيا قد أنجز ” وان على نقد الدين أن يتحول إلى نقد السياسة، ونقد الجنة أن يتحول إلى نقد الأرض ” .
تنحصر معظم كتابات ماركس حول الدين في مرحلة شبابه، ولاسيما مقاله حول” نقاشات حول حرية الصحافة والنشر..” وكتابه “مساهمة في نقد فلسفة الحق لهيغل” وخاصة المدخل المنفصل عنها، و”اطروحات حول فيورباخ” . كما نجد في أعماله الأخرى وخاصة رأس المال ملاحظات وتعليقات وهوامش حول الدين.
في حين أن انجلز كتب عدد من الأعمال الفكرية الأساسية حول الدين مثل “رسائل من ويبرتال” و”حرب الفلاحين في ألمانيا” و”برونو باور والمسيحية الأولى” و” كتاب الوحي” وفي نهاية حياته كتابه “حول تاريخ المسيحية الأولى” . إضافة إلى عدد من المراسلات والقصائد. هذا دون أن ننسى عملين مشتركين بين ماركس وانجلز هما “العائلة المقدسة” و”الايديولوجيا الألمانية”.

وماركسية اليوم؟

ربما، يمكن القول أن عدد من الكتابات الماركسية الحديثة حول الحركات الدينية الحديثة وخصوصا الإسلامية، على قلتها، تشكل مساهمة جادة في الإجابة على تحديات الوقائع الجديدة وتطوير هذا الجانب الفكري والعملي للماركسية في تعاملها مع الدين والوعي الديني .. خصوصا في منطقنا.
لقد كان لمقال المفكر الماركسي جيلبير الأشقر المعنون “11 أطروحة حول الانبعاث الراهن للسلفية الإسلامية” المنشور عام 1981 أهمية في قراءة الوقائع الجديدة لنهوض الحركات السياسية الإسلامية- التي وصفها كلها بالسلفية- في منطقتنا ومحاولة تقديم تحليل ماركسي لهذه الظاهرة والموقف منها، وإن اتسم مقاله بالارتكاز على فكرة أساسية لا لبس فيها هي أن القوى “السلفية” في إيديولوجيتها وفي برنامجها رجعيان في جوهرهما . واعتبر أن كل أمثلته تقدم الدليل على أن كل هذه الحركات السلفية هي “قوة إعانة للبرجوازية الرجعية”. وعانت هذه المقالة من علة الموقف “الماركسي” التقليدي والأوربي-المركزي باستناده على علمانية راديكالية ومعاداة للدين بشكل عام. وقد طور جيلبير أشقر اطروحاته هذه وخلصها نسبيا من علتها المذكورة في مقاله ” الماركسية والدين، البارحة واليوم”، الصادر عام 2004.
لكن الدراسة الماركسية المتميزة حول الموضوع كانت لكريس هرمان المفكر الماركسي البريطاني الذي توفي نهاية العام الماضي في القاهرة، والمعنونة “النبي والبروليتاريا” الصادرة عام 1994. إذ انه لا يقوم فقط على عرض تاريخي للموقف الماركسي من الدين، بل انه يحلل الوقائع الملموسة في عدد من البلدان “الإسلامية” والحركات الدينية السياسية والإيديولوجية فيها ويرصد تناقضاتها على ضوء الصراعات الاجتماعية من وجهة نظر ماركسية ليستخلص إلى “أن الاشتراكيين قد اخطئوا في النظر إلى الحركات الإسلامية على أنها اتوماتيكيا رجعية وفاشية أو أنها اتوماتيكيا معادية للامبريالية وتقدمية”. إن الحركة الإسلامية الراديكالية، بمشروعها في إعادة تشكيل المجتمع على النموذج الذي أقامه محمد في القرن السابع في الجزيرة العربية، في الواقع هي “طوبى” نابعة من قطاع بائس من الطبقة الوسطى الجديدة . وكما في أي “طوبى برجوازية صغيرة”، فان مؤيديها في الممارسة يواجهون الاختيار بين محاولات بطولية عبثية لفرضها في مواجهة أولئك الذين يديرون المجتمع الحالي، أو المساومة معهم، بتوفير طابع إيديولوجي زائف لاستمرار القمع والاستغلال. وهذا هو حتما ما يؤدي إلى الانشقاقات بين الجناح الراديكالي الإرهابي من الحركة الإسلامية من جانب، والجناح الإصلاحي من الجانب الآخر. وهذا هو أيضا ما يدفع بعض الراديكاليين إلى التحول عن استخدام السلاح في محاولة إلى تأسيس مجتمع بدون “طغاة” إلى استخدامه لفرض أشكال السلوك “الإسلامي على الأفراد”. ويتوصل هرمان إلى الاستنتاج العملي التالي “سوف نجد أنفسنا في بعض القضايا في نفس الجانب مع الإسلاميين ضد الدولة والامبريالية .كان ذلك مثلا في عدد من البلاد أثناء حرب الخليج الثانية. ويجب أن يكون صحيحا في بلاد مثل فرنسا وبريطانيا في مواجهة التمييز العنصري. وعندما يكون الإسلاميون في المعارضة، فان شعارنا يجب أن يكون “مع الإسلاميين أحيانا/ ودائما ضد الدولة” ولكن حتى في ذلك الوقت تستمر معارضتنا للإسلاميين حول قضايا أساسية. فنحن مع الحق في نقد الدين كما أننا مع الحق في ممارسته…. والاه من ذلك، نحن ضد أي إجراء يضع قطاعا من الدولة، والمستغلين في مواجهة قطاع آخر على أساس أصولهم الدينية أو العرقية . ويعني ذلك أننا كما ندافع عن الإسلاميين ضد الدولة، فإننا سوف ندافع ضد اضطهاد بعض الإسلاميين للنساء و …عندما نجد أنفسنا في نفس الجانب مع الإسلاميين، فان جزء من مهمتنا هو الجدال الشديد معهم وتحدبهم ليس فقط في موقف منظماتهم من المرأة والأقليات ولكن أيضا المسألة الجوهرية ما إذا كان المطلوب التصدق من الأغنياء أو الإطاحة بالعلاقات الطبقية القائمة”.
شكلت مقالة هرمان منعطفا هاما ورؤية جديدة- وان لم تجب على كل التحديات التي طرحتها ظاهرة النهوض الإسلامي – في طريقة تحليل وتعامل اليسار الماركسي مع ظاهرة اجتماعية وسياسية جديدة هي نمو الحركات الإسلامية وتزايد نفوذها الجماهيري بشكليها الإصلاحي أو المتشدد في معظم البلدان الإسلامية. وان شكلت، في الوقت نفسه، صدمة واعتراض لدى بعض الماركسيين الحاملين للتفسير الشائع والقديم بان الماركسية تعني حتما عداء للدين والمتدينين فحسب.

“يسار” ديني !

وهنا تندرج مقالة الفيلسوف الماركسي ميشيل لووي – فرنسي من اصل أرجنتيني- عام 2005 بعنوان “أفيون الشعوب؟ الماركسية النقدية والدين”، لتشكل، في سياق اهتمامه المعروف بلاهوت التحرر في أميركا اللاتينية، خطوة هامة في إجلاء التطور التاريخي للموقف الماركسي من التدين والدين وفتح أفاق فكرية جديدة له، وقد تميزت مقالته بطابع انطولوجي ممتع بفضل تأثره العميق بالهيغلية، وركزت بنتائجها على ظاهرة لاهوت التحرر في أميركا اللاتينية، متجاهلة ظاهرة هامة جدا في الصراعات الاجتماعية والدولية هي الظاهرة ” الإسلامية”.
وينطلق لووي من قناعة بان كلا من أتباع ومعادي الماركسية يتفقان على نقطة واحدة أساسية هي “أن الجملة الشهيرة لماركس: الدين أفيون الشعوب، إنما تمثل زبدة الفهم الماركسي للظاهرة الدينية، بينما الحقيقة هي أن هذه الصيغة لم تكن حصرا أو خصوصية للماركسية”.
ويسرد لووي ويؤكد باستشهادات كيف أن هذه الجملة، أو ما يشابهها، نجدها في كتابات لمفكرين آخرين غير ماركس مثل “كانت وهيدر وفيورباخ وبرونو باور وآخرين كثيرين”.
ويدعو لووي من اجل فهم أفضل للظاهرة الدينية إلى الاستعانة بحدس ارنست بلوخ، لأن “ارنست بلوخ يرى كما ماركس عام 1844 أن للظاهرة الدينية طابع مزدوج، طابع قمعي وفي نفس الوقت كمون تمردي”. حيث أن بلوخ يرى في الصيغ التمردية والاحتجاجية للدين “احد أهم الأشكال للوعي الطوباوي، واحد أغنى التعبيرات عن مبدأ الأمل واحد المتخيلات القوية (لما لم يقم بعد)”. بالرغم من أن ماركس وانجلز اعتقدا بان الدور التمردي للدين قد أصبح ظاهرة من الماضي، ولم يعد له أهمية في عصر صراع الطبقات الحديث. وفي حين تبين أن توقعهما “كان صائبا لمدة قرن” إلا من “بعض الاستثناءات الهامة وخصوصا في فرنسا، التي شهدت الاشتراكيين المسيحيين في سنوات الثلاثينات والرهبان العمال في الأربعينات ويسار النقابات المسيحية في الخمسينات..الخ”.
ومع أن الطابع الاحتجاجي للدين قد برز مرة أخرى منذ أواخر القرن العشرين، إلا أن الاستنتاج العملي الوحيد لمقالة لووي اقتصر على دعوته إلى انه ” من اجل فهم ما يجري منذ ثلاثين عاما في أميركا اللاتينية – لاهوت التحرر ومسيحيين من اجل الاشتراكية- يجب أن نأخذ بعين الاعتبار حدس بلوخ حول الكمون الطوباوي لبعض التقاليد الدينية”. يقر لووي بشكل “خجول” بوجود “يسار” مسيحي، وإن لم يتطرق في مقالته للظاهرة الإسلامية فلأن ميشيل لووي، باعتقادنا، لا يرى مثيلا له فيها.

أكثر من أفيون

بعد كشف الطابع المزدوج للظاهرة الدينية، والتقاط الطابع الاحتجاجي لبعض تجلياتها في شروط تاريخية محددة، تأتي مقالة المفكر الماركسي البريطاني جون مولينو بعنوان “أكثر من أفيون: الماركسية والدين” المنشورة عام 2008، كاستكمال وتعميق لدراسة كريس هرمان المذكورة أعلاه.
ينطلق مولينو من مقولة أساسية لفهم “الظاهرة”الإسلامية، تنسف الادعاءات الإيديولوجية السائدة المعادية للإسلام والمسلمين، حيث يوضح بأن ما يجعل الإسلام اليوم في قلب الأحداث العالمية ليس طبيعته الاستبدادية الخاصة به وحده أو طبيعة لاهوته أو عقائده بخلاف أي دين آخر، بل أن ما يضعه في هذا الموقع اليوم هو ” أولا، أن غالبية السكان التي تقطن فوق اكبر احتياطي البترول والغاز الطبيعي في العالم هي مسلمة. وثانيا، أن مقاومة هذه الشعوب للامبريالية،منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، اكتست صبغة إسلامية”.
حيث انه لو كانت شعوب الشرق الأوسط بوذية لكنا وجدنا أنفسنا في مواجهة ظاهرة”البوذوفوبيا” (أي كره البوذية). ومؤكدا على أن الاسلاموفوبيا كمكون إيديولوجي للطبقة السائدة في الغرب إنما “تطورت على الصعيد الداخلي والعالمي باعتبارها مجرد غطاء إيديولوجي أساسي لتبرير الحروب الامبريالية”.
ويعيد مولينو قراءة الماركسية للدين ودوره، انطلاقا من أن الوعي الديني كأي وعي آخر له أساسه المادي فليس وعي البشر هو من يحدد وجودهم، بل على العكس، فان وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم (ماركس، مدخل لمساهمة نقد الاقتصاد السياسي).
ويصر مولينو على التأكيد على الطابع المزدوج للموقف الماركسي من الدين، إذ انه “من جهة، هو موقف مادي حازم، يرفض الإيمان الديني بكل أشكاله، لأن الأفكار الدينية مثلها مثل كل الأفكار هي منتجات اجتماعية وتاريخية، أي أنتجها البشر” ولكن على الماركسية “من جهة أخرى، أن تقدم تفسيرا ماديا للدين. فلا يكفي القول بأن الدين عموما أو دين محدد بشكل خاص هو مجرد أوهام تستولي على عقول الملايين من البشر، لأنه “في هذه الحالة يخطئ الموقف الماركسي في مساواته بين عقائد دينية في دول امبريالية وبين عقائد دينية لشعوب مضطهدة”.
فالموقف الماركسي بحاجة إلى “تحليل الجذور الاجتماعية للدين بشكل عام ولعقائد دينية محددة… للتوصل إلى فهم الاحتياجات الإنسانية الحقيقية وللشروط الاجتماعية والنفسية والتاريخية التي تتطابق هذه العقائد معها”.
ويعيد مولينو الاعتبار لنص لماركس يعتبره هام جدا و”مقلوب” للعالم كاف، ولم يحظ،برأيه، باهتمام أو انتشار جديرين به وهو مقتطف من “المدخل إلى نقد الاقتصاد السياسي لماركس”، وعلينا أن نقر سلفا انه نص مكثف جدا وصعب وليس سهلا ترجمته بأمانة إلى العربية.إذ يقول ماركس إن ” الدين هو بالفعل وعي ذاتي واعتبار ذاتي لإنسان لم يستعيد بعد اعتباره لذاته أو قد فقده من جديد. لكن الإنسان ليس كائنا مجردا يحيا خارج العالم. الإنسان هو عالم الإنسان –أي- الدولة والمجتمع . وهذه الدولة وهذا المجتمع ينتجان الدين الذي هو وعي “مقلوب” للعالم. لأنهما-يقصد الدولة والمجتمع- مقلوبان. الدين هو نظرية عامة عن العالم، وهو موسوعته وملخصه، انه منطقه في صورته الشعبية، وهو النقطة الروحية المضيئة له وهو حماسه وعقابه الأخلاقي وملحقه الشعائري ومبدأه العام في عزاء النفس وتبريرها. إن الدين هو التحقق المذهل هو وهم الإنساني من اللحظة التي لم يعد فيها الجوهر الإنساني يتطلب واقعا حقيقيا. لذلك فان الصراع ضد الدين هو، بشكل غير مباشر، صراع ضد عالم نكهته الروحية هي الدين”.
ليس مهمة الماركسية النقاش المجرد للأفكار عموما أو الأفكار الدينية بشكل اخص إلا بالدرجة التي تعبر فيها الأخيرة عن مصالح اجتماعية فعلية. فالقراءة التاريخية للتيارات الدينية أينما كانت تظهر أنها كانت تعبيرا في كل مجتمع عن مصالح اجتماعية محددة فيه، ومن هنا أهمية ما طرحه انجلز في “الاشتراكية الطوباوية والعلمية” (مدخل الطبعة الانجليزية لعام 1892): “خلف كل دعوة دينية كان يوجد، وفي كل مرة، مصالح مادية ملموسة”.

محاور الموقف الماركسي

يؤكد الاشتراكيون الماركسيون- في إطار عرضنا السابق وما اختتمه مولينو- أنهم، بخلاف ما هو شائع، يعارضون فكرة منع الدين . وهذا موقف سبق أن أعلن عنه الدين، عام 1874. وهم ليسوا فقط ضد فكرة منع الدين، بل أن الماركسيين يعتبرون أن الدين يجب أن يكون شأنا شخصيا في ما يخص علاقته مع الدولة . وأن تصان الحرية الدينية كاملة في ظل الرأسمالية الآن والاشتراكية في المستقبل. وهو موقف يتوافق مع ما عبر عنه لينين عام 1905 في “الاشتراكية والدين” حيث شدد لينين على انه ” لا يجب أن يكون للدين علاقة بالدولة، ولا يجب أن يكون للهيئات الدينية صلة بالسلطة الحكومية. ومن حق كل فرد أن يكون حرا في ممارسة الدين الذي يرغب به، أو أن لا يرغب بأي دين كائنا ما كان، أي أن يكون ملحدا، وهو حال كل اشتراكي كقاعدة عامة”.
إن الوسيلة الوحيدة التي يعتقد الماركسيون بزوال الدين من خلالها هي اندثاره التدريجي كنتيجة لزوال أسبابه الاجتماعية كالاستلاب والاستغلال والاضطهاد..الخ . وليس أبدا من خلال استخدام وسائل المنع أو القمع.
ينطلق الماركسيون في تحديد موقفهم من الحركاتأنصارها،ذات الطابع الديني، وهي عديدة ومتنوعة، من تحليلهم لدورها السياسي والاجتماعي الذي يستند على القوى والمصالح الاجتماعية التي تعبر عنها. وليس من ماهية معتقدات قادة هذه الحركات أو أنصارها، ولا من تحليل الماركسيون لعقائد ولاهوت الدين المعني.
ولهذا فا ن الاشتراكيين الماركسيين يرفضون فكرة المفاضلة بين هذا الدين أو ذاك بحجة أن معتقدات هذا الدين أو ذاك تجعل منه دينا أكثر تقدمية أو رجعية من الآخر. ما هو حاسم بالنسبة لهم ليس المعتقد الديني نفسه بل قاعدته الاجتماعية في ظرف اجتماعي محدد.
من يقوم بالثورات والتغيير هم العمال والجماهير بما فيهم المتدينين، وفي البلدان التي تطغى فيها المشاعر الدينية فان الحزب العمالي الاشتراكي يعلم أن الغالبية العظمى من العمال والجماهير لن تتحرر من أوهامها الدينية بفضل السجالات الفكرية أو الكتب والكراسات، بل هي ستتحرر من أوهامها من خلال المشاركة في النضالات والتغيير ومن ثم من خلال بناء الاشتراكية.
في هكذا شروط، أي في بلدان تطغى فيها المشاعر الديني حقا، أن واجب الحزب العمالي الاشتراكي أن يعمل من اجل أن لا يؤدي التمييز بين العمال المتدينين واللامتدينين إلى عرقلة وحدة نضال الطبقة العاملة والجماهير.
وفي حال أصبح الحزب العمالي الاشتراكي حزبا جماهيريا حقا، يعمل في أوساط الطبقة العاملة والجماهير الشعبية في أماكن عملها وسكنها، فانه سيجد حتما في صفوفه شريحة من العمال التي بقيت متدينة أو شبه متدينة . إن الحزب، هؤلاء العمال في صفوفه بسبب أوهامهم الدينية سيكون موقفا عصبويا ومثاليا. لأن الحزب، في هذه الحالة، يتعامل مع الوعي (وهنا نقصد الوعي الديني) باعتباره أعلى أهمية من الممارسة، فهو إذن موقف مثالي ولا مادي.
في الوقت ذاته، لا يعني هذا، بل ولا يجب، أن يتحول الحزب العمالي الجماهيري إلى حزب ديني، أو حزب تقوم سياساته أو إستراتيجيته أو تكتيكاته على التأثر بالاعتبارات الدينية. فالنضال العمالي والجماهيري الشعبي لهكذا حزب توجهه نظرية تعبر عن المصالح والمفاهيم المشتركة لنضال الطبقة العاملة: هي الماركسية، من وجهة نظرنا. لكن على الحزب العمالي أن ينمي تثقيف وتعليم أعضائه المتدينين والتأثير فيهم، وليس العكس.
مع انهيار الاتحاد السوفياتي سابقا ودول أوربا الشرقية تفكك وانهار اليسار الراديكالي عموما والماركسي خصوصا على الصعيد العالمي، بيد أن نهوضا ملحوظا له بدأ منذ عام 1995، مما يستدعى طرح إستراتيجية جديدة لإعادة بنائه في بلادنا بالارتباط مع ضرورة بناء أحزاب يسارية واسعة، وهذا يتطلب منا قراءة جديدة لسياسات التحالفات تعترف أولا بتعددية وتنوع أطياف اليسار. وهذا ما يستحق دراسة خاصة له انطلاقا من واقع بلادنا.

غياث نعيسة
كاتب سوري مقيم في فرنسا

صدر المقال عام ٢٠١٠

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *