أزمة رغيف الخبز في دمشق

أزمة رغيف الخبز في دمشق

اعتاد أهل دمشق الوقوف في طوابير أمام شبابيك الأفران لشراء ربطة خبز. ومع دخول الأزمة في سويا منتصف شهرها  الحادي والعشرين؛ ونتيجةً لنقص مادة المازوت والطحين؛ أصبح تحصيل رغيف الخبز الهاجس اليومي لسكان دمشق الذين يضطرون الوقوف لساعات طويلة لشراء ربطة خبز لسد جوعهم.

أم محمد(55 سنة- أرملة وأم لأربعة أطفال تعمل في تنظيف المنازل) كانت واقفة في طابور النساء اللواتي وقفن أمام شباك بيع الخبز في فرن ابن العميد الاحتياطي الكائن بحي ركن الدين بدمشق. يبدوا ان دورها اقترب من الحصول على ربطة خبز للإسراع الى منزلها لإطعام أطفالها الجياع. وأخيرا طلب الموزع المال منها والذي حدد لها ربطتان خبز فقط. قالت بصوت حزين” أوقات بنطر دوري اربع ساعات لاشتري ربطة خبز لولادي بسعر 15 ليرة. لأنو ما فيني ادفع أكثر من هيك! ما معي مصاري زيادة, ولادي بحاجة لكل قرش وأنا بعد مابروح من هون بحاول اشتعل أي شي كرمال ما يموتو من الجوع”ام محمد التي كانت تلبس ثوبا وايشارب اسود للدلالة على وفاة زوجها في المعارك بين قوات الجيش الموالية للنظام, وميليشات المعارضة المسلحة. تشرح انه لم يكن هناك أزمة خبز في دمشق الا بعد اندلاع الثورة فيها. اذ ان موقف النساء ( دور النساء) لم يكن يقف عليه احد, وكانت تأتي الى الفرن تشتري الخبز وتمشي فوراً. ولكن الآن كل شيء تغير وتقول” ما كنا نوقف بالدور قبل, هلاء النسوان اكثر من الزلم( يعني الرجال)”

فرن ابن العميد في حي ركن الدين, من اكبر الافران التابعة لمؤسسة الافران الاحتياطية بدمشق. يصل طابور الواقفين في بعض الأحيان لأكثر من 300 شخص. كما يوجد البعض ممن يقفون في الليل ليصلهم الدور في الصباح الباكر.

وقبل ان تمشي ام محمد الى منزلها قالت والدمع ملئت عينيها” أمبارح ولادي ناموا بدون أكل, ما كان في خبز ولا أي شي يأكلوه بالبيت, شو ساوي بحالي, الله ينتقم من الي كان السبب”

الحكومة السورية كانت تصريحاتها متناقضة؛ ففي اجابته امام مجلس الشعب في اخر جلساته, قال نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية, وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك قدري جميل وفي إجاباته على أسئلة الأعضاء في” يوجد فساد في بعض المؤسسات بخصوص المحروقات، الأمر الذي أدى إلى زيادة الخلل بين العرض والطلب. وان أزمة المازوت إلى انفراج تدريجي في حدود منتصف الشهر الحالي، وإلى زوال بعد شهرين أو ثلاثة أشهر على أبعد تقدير”.

مشهد اصطفاف الطوابير بالمئات أمام الأفران التي ما تزال تعمل في المناطق الهادئة في دمشق لعدة ساعات للحصول على الخبز، هو مشهد يومي. اذ تصل سعر ربطة الخبز نتيجة الطلب عليه الى 75 ليرة( دولار اميركي) وفي بعض الأحيان الى 150 ليرة ( دولارين). مما يدبر الأهالي الوقوف في هذه الطوابير لشرائه. ولكن هناك ممن لايقفون في هذا الصف؟!!

صالح( 35 سنة- لديه بسطة يبيع ألبسة ولادية في الشيخ سعد) لم يخفي مخاوفه للتعرض لازمة خبز قريبة. “فالجوع كافر” عند بدء حديثه وهو يقف على بسطته القريبة من فرن المزة بالشيخ سعد. شعره طويل بعض الشيء ولبس معطفاً شتويا لشدة البرد. قال” ابسط هون من الساعة 9 الصبح للساعة 10 بالليل. الفرن يبقى معبأ بالناس الواقفين ليشتروا ربطة خبز. بس الي بيقهر انو الشبيحة وعناصر الأمن بيجوا ما يستنوا عالدور وفورا الموزع بيعطيهم طلبهم”

صالح رجل في منتصف عقده الرابع, اب لثلاثة بنات. كان يتحدث وهو يتألم لما هو عليه الحال. فرجال الامن والشبيحة لا يلتزمون بالدور الواقف امام الفرن. وأضاف ” هذول الناس( يقصد بهم رجال الامن وعناصر الشبيحة) قدام عيني يشيلوا 10 ربطات خبز, والناس تتفرج, لا وال أنكى( الأشد) من هيك انو النسوان والولاد بيكونوا واقفين ليشتروا ربطة خبز وحدي بس”

مدير عام شركة المخابز الآلية المهندس عثمان حامد وفي تصريح صحفي له يوم امس لموقع الاقتصادي الموالي للحكومة قال” الطلب زاد على الخبز بنسبة تراوحت بين 20 و30%. وإن معظم المخابز تعمل بطاقتها القصوى وعلى مدار 24 ساعة، ولا يوجد أي نقص في مادة الخبز، إذ إن المواد الأولية من الدقيق والمازوت والعمال متوفرة”.

كلام المسؤول السوري يتناقض والواقع الذي تعايشه دمشق وباقي مناطق سوريا. فأزمة الخبز شملت كامل سوريا لنقص مادة المازوت لتشغيل المخابز, ونقص كبير في مادة الطحين التي هي موجودة في المناطق الشرقية من سوريا( الحسكة- دير الزور- الرقة) وأصبح نقلها لدمشق وباقي المحافظات أمرا محالاً لسيطرة قوات المعارضة المسلحة على اغلب الطرق الدولية المؤدية من والى المراكز الرئيسية في سوريا.

كانون الأول    ٢٠١٢

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *