الثورة أمل لا ينضب

الثورة أمل لا ينضب

ثلاث سنوات مرت على انطلاقة السيرورة الثورية في المنطقة العربية. ثورة اشتعلت وأسقطت رؤساء. ثورة غيّرت معنى الزمن. التاريخ الذي تسارع في هذه الفترة القصيرة، سمة العصر الآتي، لأن كلمته هي الحاسمة، كلمة يستمدها من الشعب الذي كسر جدران الصمت.

الأجيال التي هرمت، تعلّمت، وتشرّبت كلمات كالنكبة والهزيمة والنكسة، وكل الحقل المعجمي المرتبط بها، أما الجيل الحالي، جيلنا، والجيل الآتي، جزء منه يتوزّع على مخيمات اللجوء، القَلِق من المستقبل، ومن الحاضر بطبيعة الحال، تعلّم، بسرعة قياسية، معنى الثورة، وهو يعلّم الغرب والشرق والشمال والجنوب، المعاني الفضلى لتمرّده ولزعزعته استقرار الأنظمة المتوهمة المعتدّة بذاتها.والسنوات الثلاث التي مرّت، عرّت كل القوى المهيمنة على الساحة السياسية، فضلاً عن أجهزتها الدعائية والتحريضية، وفضحت الليبراليين والإسلام السياسي، والمؤسسة العسكرية واليسار التقليدي، وبطبيعة الحال، الأنظمة التي سقطت، أو تلك المتهاوية أو في طريقها إلى ذلك. وإذا كانت المساحة الممتدة بين المحيط والخليج قد أعدّت الجنازة وانتخبت المقصلة، بحسب التعبير الدرويشي، فإن هذه المساحة، مساحتنا، تُعِدّ الأمل والثورة على كل الرواسب الميتة التي ما زالت عالقة في كل زاوية من زواياها.

أصيبت العديد من القوى بإحباط، لا فكاك لها منه، إذ انتظرت من الغرب تدخلاً لصالحها على غرار سوريا، ولا سيما إثر الهجوم الكيميائي على الغوطتين الشرقية والغربية، ومنها من ارتمى في أحضان العسكر في مصر على سبيل المثال.
وكانت تجربة الإخوان المسلمين في الحكم شديدة السوء حيث أسقط الشعب هذه التجربة، ما لبثت المؤسسة العسكرية إلا أن انقلبت على هذا الجزء من الثورة المستمرة في مصر، و”تفرعنت” على الناس.

أما اليسار التقليدي، القومي والستاليني، وفرعه المشرقي الجديد، فأكمل سيرورته المهادنة، والمتواطئة على أقل تقدير، التي استمدها من ذكرياته من ماضيه الموسكوبي البائد. قد يقول المثل “ضرب الميت حرام”، ولكنهم حسناً فعلوا ذلك، إذا كانوا ما زالوا قادرين على الفعل، فقد شبع الناس من التجارب التي أوصلت كل هذه الأنظمة الى السلطة.

ولكن، ماذا عن “مدن الملح”؟ مدن تؤجج النار، ناراً طائفية بأقبح صورها، على شاكلة داعش أو جبهة النصرة، حتى تُبعِد النار عنها. لا تدرك هذه المدن أن الذي ثار على سنوات البعث المديدة، قادر على إكمال ثورته الأبهى، دون وصاية من أحد. ولكن، لماذا الخوف؟، إذا كانت هذه الأنظمة عادلة وديموقراطية، فلماذا ترتعد فرائصها خوفاً؟، أما إذا لم تكن كذلك، فمصيرها معروف.

تفاؤل؟ ربما. ولكن لأنه لن يستطيع أحد إعادة الروح إلى جسد محمد بو عزيزي، أو إعادة الدماء إلى جسد وسام الغول، الفلسطيني الذي سقط برصاص القوى الأمنية على أبواب مستشفى في درعا، بتاريخ 23 آذار 2011، حيث ذهب للتبرع بدمه، أو يساعد الطالبة، والمعتقلة، آمنة ياسر على رفع أصابعها الأربع بوجه العسكر المصري، أو أن يبتسم مع المناضلة الفلسطينية رؤيا الهزيل بوجه الاحتلال الإسرائيلي، لن يستطيع فعل كل ذلك، إلا بثورة مستمرة.

ثورة؟ نعم. لا تزال كلمات الفنان الفرنسي جورج موستاكي تتردد، الآن وهنا: “وأود، من دون تسميتها، أن أحدثكم عنها. المحبوبة أو المكروهة، الوفية وإذا أردتم أن أعرّفكم بها، نحن نسميها الثورة الدائمة!”.

الاثنين 30/12/2013،

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *