العمال السوريين في الأردن

العمال السوريين في الأردن

ولكن الفتى السوري فيها غريب الوجه واليد واللسان.. إيه يا أبا الطيب، أين أنت لترى شعب بوان الفارسي وقد امتدت ظلال شعوبيته لتغطي معظم -إن لم يكن كل- الأرض العربية، فصار اللاجئ السوري –بالذات- غريباً، طريداً شريداً في المضارب ثاويا!
هو إذن فصل جديد في “تغريبة بني شام”، يكتبه اليوم اللاجئون السوريون الذين يعملون بصورة غير قانونية في الأردن، حيث يعيشون ظروفاً سيئة من التهميش والاستغلال الاقتصادي، سواء على صعيد الأجور التي تقل كثيراً عن أجور العمال الأردنيين أو ساعات العمل الطويلة.
غير أن المشكلة الأهم التي تواجه “عمال سوريا اللاجئين” أو “لاجئي سوريا العاملين” هي ملاحقة السلطات الأمنية لهم، كونهم لا يحملون تصاريح عمل، وقد تنتهي هذه الملاحقات باحتجازهم ريثما يتم النظر في أوضاعهم، وربما يتم ترحيلهم بعد تغريمهم بمبالغ تفوق طاقتهم.
*لا لـ”طوابير الذل”
محمد الفاعوري شاب سوري أصيب برصاصة في بطنه وأخرى في قدمه اليسرى، ومع ذلك سعى لإيجاد عمل كي لا يكون عالة على غيره، كما يقول لـ “زمان الوصل”، متابعاً: مشكلتنا مع العمل كبيرة، فهو ممنوع إلا بموجب تصريح من وزارة التنمية والشؤون الاجتماعية، والتصريح مكلف ويفوق ما يحتمله لاجىء يعتمد في معيشته على الجمعيات الخيرية.
ويمضى اللاجئ الفاعوري في شكواه، معدداً صعوبات المعيشة وغلاء الأسعار وملاحقة الأمن، راجياً من السلطات الأردنية مساعدة اللاجئين السوريين، قبل أن يتساءل مستنكراً: “هل من
المعقول أن أكون في دولة عربية ولا أستطيع أن أشتغل؟!، نحن أناس نريد أن نعمل، ولم نأتِ إلى هنا لنقف في طوابير الذل”.. يقصد طوابير الجمعيات الخيرية.
مرٌّ وأمرّ وأمرُّ الأمرِّ
ما قاله الفاعوري هو نفس ما كرره كثير من العمال السوريين الذين التقينا، وإن اختلفت حدة الشكوى وطريقة التعبير عنها، فهناك من يركز على استغلال بعض أرباب العمل إن في الأجر أو في شروط العمل المجحفة، فهذا عامل سوري لم يأخذ من حقه إلا جملة “روح بلط البحر” التي سمعها من صاحب العمل عندما طالبه بالأجرة، وعندما ذهب العامل لـ”يبلط البحر” أي ليشتكي، اكتشف أن كلفة “التبليط” -عفواً الشكوى-، أمرّ وأدهى من كلفة ذهاب الأجر، فقد تحول اللاجئ الشاكي لدى السلطات من مدَّعٍ إلى متّهم، وتم تهديده بالقذف خارج الحدود، أو بإدخاله “معتقل” الزعتري، فعرف “لاجئنا” أن هناك المرّ والأمرّ وأمرّ الأمرّ، ولم يتردد كثيراً لإيجاد الخيار المناسب من تشكلية الخيارات الرائعة المطروحة أمامه، باعتباره ضيفاً يعربياً في بلد يعربي.
*نهاية مغايرة
محمد جاسم العفنان لاجىء سوري آخر قدم من حمص، بطل آخر من أبطال رواية “بلط البحر”، لكن المؤلف -أي الأمن الأردني- وضع له نهاية مغايرة قليلة، فقاموا باحتجازه، وطلبوا منه تعهداً خطياً بعدم تكرار العمل بلا رخصة، وتم تغريمه بمبلغ 350 ديناراً أردنياً.
ويروي محمد عبد الكريم العرفي تفاصيل ما جرى له قائلاً: كنت أعمل في مهنة كي الملابس عندما جاء عناصر الدرك وألقوا القبض علي، وفوجئت بأنهم يريدون إرجاعي إلى المخيم، لولا تدخل أحد الضباط الذي رأف بحالي وتم إطلاق سراحي، بعد تهديدي بالحبس والإبعاد إذا عملت مرة أخرى.
ويوضح العرفي أنه يعيل أسرة كبيرة، وأن توقفه عن العمل أعجزه عن دفع أجرة المنزل(200 دينار)، ما اضطره لأن “يدبر” نفسه في منزل ابن عمه.
ويرى أبو فراس الحمصي أن تشغيل اللاجئين ورب الأسرة بالذات أهم من الطرود الغذائية أو أي مساعدات أخرى.
ومن موقعه في إدارة شؤون سكن وتشغيل اللاجئين السوريين بجمعية المركز الإسلامي الخيرية، ينصح أبو فراس أرباب العمل أن ينسقوا مع جمعية أو أكثر في مختلف المحافظات الأردنية، لتكون هذه الجمعيات صلة الوصل بينهم وبين صاحب العمل وطالبه، فيغدو البحث عن عمل وإيجاده أقل عناء على الطرفين.
*نص بلا روح
“السوريون يُعدّون لاجئين، واللاجىء ليس له عمل في موطن اللجوء”.. هذه باختصار وجه نظر القانون، كما يلخصها المحامي أحمد سعيد الطالب، الذي يشرح: “جاء في اتفاقية عام 1951 أن اللاجىء يؤمن له السكن والمأكل والمشرب والتعليم المجاني لأطفاله، ولكن مع تقصير المفوضية العليا للاجئين وتقصير الجمعيات عن إغاثة اللاجئين السوريين اضطر كثير منهم للبحث عن عمل يساعدهم في تأمين أجور المساكن ولقمة العيش، خصوصاً بعدما شعروا بإذلال كبير جراء وقوفهم أمام الجمعيات الخيرية لذلك اضطروا إلى العمل”.
ويعود المحامي الطالب إلى القانون، ليؤكد أن لاعمل في الأردن بلا تصريح، وأن الحكومة الأردنية لا تعطي تصاريح عمل للاجئين السوريين كما إن المفوضية العليا لا تؤمن لهم الضروريات من مأكل ومشرب ومسكن، ولذلك “وقع السوريون بين نارين نار الحكومة الأردنية ونار المفوضية”.
هكذا إذن هو القانون في بلاد العُرب “أوطاني!”.. نص بلا روح على جميع العرب، ويبدو أنه بلا روح ولا نص حين يتعلق الأمر بالسوري، الذي تحول في طرفة عين من مستضيف كريم إلى ضيف مذموم.
لكن القانون يبقى منصفاً بشكل أو بآخر، فالمحامي الطالب يؤكد أن أبواب المحاكم “مفتوحة”، وأن للمتضرر اللجوء إليها لـ”تقتص من رب العمل” المستغل.. فماذا ينتظر المتضررون؟!
كانون الثاني ٢٠١٣
فارس الرفاعي – عمان – زمان الوصل
Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *