لمشاريع الديمقراطية توحد سوريا وآستانا قسمتها مع بدء حرب الأصلاء

لمشاريع الديمقراطية توحد سوريا وآستانا قسمتها مع بدء حرب الأصلاء

أكد المنسق العام لتيار اليسار الثوري في سوريا  الرفيق غياث نعيسة في حوار مطول مع وكالة ANHA بأن مؤتمر آستانا 9 الذي عقد في الآونة الأخيرة هو مجرد إعادة لرسم مناطق السيطرة وتقاسمها فيما بين روسيا وتركيا وإيران، منوهاً بأن الحرب السورية دخلت مستوى جديداً من التصعيد وهو بدء حرب الأصلاء بدل الوكلاء. ..

وتحدث  الرفيق غياث نعيسة ، بأن مشروع الفيدرالية يأتي من أجل توحيد ما هو مقسم بالفعل في سوريا،

مشدداً على أن كافة التحركات والمخططات التركية في المنطقة تأتي في سياق استهداف المشروع الديمقراطي المتميز في شمال سوريا والمتمثل بالإدارة الذاتية الديمقراطية،

قائلاً بأن الاحتلال التركي يقوم بتطبيق سياسة استيطانية في عفرين.

وهذا هو القسم الأول من الحوار:

1- الأزمة السورية دخلت مرحلة جديدة مع دخول المحتل التركي للأراضي السورية بشكل رسمي بالتنسيق مع العديد من الدول وعلى رأسها روسيا، ومع عقد الجولة التاسعة من آستانا ماذا سيكون متواجداً على الميدان السوري سياسياً في المرحلة المقبلة؟ قد بات واضحاً للعيان اليوم أن سوريا كبلد تم اقتسامها إلى مناطق نفوذ وسيطرة واحتلال بين عدد من الدول الإقليمية والدولية. ولعب اتفاق آستانا بين إيران وروسيا وتركيا إطاراً للاتفاق بينهم على إعادة رسم مناطق السيطرة وتقاسمها وفي هذا السياق، أجبرت تركيا الفصائل المسلحة على الخروج من حلب الشرقية لصالح استعادة النظام السوري وحلفائه للمدينة كاملة، وذلك مقابل احتلال تركيا لجرابلس واعزاز والباب، وآخرها كان عندما استعاد النظام الغوطة الشرقية وغيرها من مناطق ريف دمشق وريف حمص وحماة، كان مقابلها احتلال الجيش التركي لعفرين. فالمشهد العام في سوريا يدل على انقسامها بشكل واضح إلى مناطق منعزلة وشبه مستقلة عن بعضها البعض، تتمايز فيها أشكال السيطرة السياسية والعسكرية بل وحتى الشروط الاقتصادية والاجتماعية. حيث نجد أن نظام الطغمة أصبح مسيطراً على 60 بالمئة من الأراضي السورية ويعيش في تلك المناطق حوالي 65 من الأهالي، بالإضافة لبعض المناطق مثل منطقة جنوب سوريا الواقعة تحت هيمنة النظام الأردني – أمريكا وتدخلات إسرائيلية، وهنالك أيضاً منطقة شمال غرب سوريا التي تضم محافظة إدلب وجرابلس وعفرين المحتلة وتقع تحت حكم الاحتلال التركي. وفي الحين نفسه تجري ومنذ نحو ستة أعوام تجربة متميزة في شمال وشمال شرق سوريا، تتفارق تماماً مع سياسات النظام وما يجري في بقية المناطق كونها تجربة تقوم على أساس سياسي واجتماعي مختلف قائم على المشاركة الشعبية وآفاق ديمقراطية، وهنا أنا أقصد تجربة روج آفا، التي تستحق الاهتمام رغم الظروف الصعبة من الحرب والتضييق التي تعيشها. يجب تطوير وتعزيز دور القوى الديمقراطية والاجتماعية في سوريا فتواجد قوات للتحالف الدولي في تلك المنطقة لمحاربة داعش كما تقول الإدارة الأمريكية لا ينتقص من هذه التجربة، فتحالف قسد مع قوات التحالف ليس إلا عسكرياً لمحاربة داعش تكتيكياً، لكن لا يغيب عن أحد أن الإدارة الأمريكية حليف غير موثوق به، وأثبت ذلك مراراً، فالتحالف المؤقت عسكري الطابع ومحدد بمحاربة داعش الفاشي فقط. هذه التجربة في روج آفا وإن حازت على تعاطف دولي، لكنها افتقرت للأسف لتضامن واسع وحقيقي في سوريا نفسها خارج مساحتها، وهذا أحد عوامل ضعف القوى الديمقراطية والثورية السورية، وأيضاً أحد العوامل التي تضعف التجربة نفسها، وما يتطلب هو ضرورة تعزيز تحالف هذه القوى الديمقراطية والاجتماعية في القطاعات الثلاث بشكل أكثر جدية وفعالية، وإلا فإن استمرار تشرذمنا سيجعلنا أكثر ضعفاً وهشاشةً في مواجهة مختلف أطراف الثورة المضادة المتعددة الرؤوس. لذلك، فإنه في حالة غياب دور سياسي وجماهيري موحد وفعال للقوى الديمقراطية والثورية السورية، فإن البلاد تقف أمام احتمالين، الأول هو أن تتوصل الدول الإقليمية والدولية إلى تفاهمات فيما بينها للمحافظة على مصالح كل منها، فتسمح بذلك بفتح مسار “حل سياسي” تفرضه على السوريين، بينما الاحتمال الثاني، هو أن يتفاقم نزاعها وتنافسها على مصالحها في بلادنا، فيتفاقم ويلتهب الوضع عسكرياً وتشتد الحرب على دماء شعبنا، وفي كلا الاحتمالين ليس لهذه الضواري أدنى اهتمام بمصالح أو دماء السوريين ومطالبهم بالحرية.

2- الواقع الخطير الذي يعاش في سوريا حالياً، أي انتهاء حرب الوكالة وبدء حرب الدول رسمياً، اسرائيل تضرب إيران، روسيا صامتة، النظام يندد وأمريكا تشجع وتركيا تستكمل احتلالها في الشمال السوري بالتنسيق مع العديد من الأطراف، دخول السوريين إلى هذا الواقع وبدء الدول الإقليمية بالتضارب على الأراضي السورية مع قرب انتهاء داعش أين سيضع الملف السوري؟ باتت حرب سوريا بالأصالة بدلاً من حرب الوكالة صحيح تماماً، فقد أصبح التنافس والصراع على المصالح بين الضواري الإقليمية والدولية المتدخلة في سوريا حرباً بالأصالة أكثر منها حرباً بالوكالة، ولكن لنحاول أن نفكك ونبسط قليلاً الوضع الراهن الذي هو معقد ومشوش إلى حد كبير. ليس كل الحلفاء من هذه الدول في المعمعة السورية متفقين تماماً ودوماً فيما بينهم على أهداف أو مصالح مشتركة في سوريا، قد تكون جميعها متفقة على قضيتين أساسيتين فقط وهما إجهاض الثورة الشعبية السورية وهذا ما تحقق لها، وإجهاض أو تحجيم تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في روج آفا، وهذا لم يتحقق لها بعد، وهو ما تسعى إليه مجمل هذه الدول التي تحاول المخادعة بخطابها المعسول. لنأخذ مثالاً، تركيا وروسيا وإيران تعتبر نفسها دولاً “ضامنة” وفق اتفاق آستانا، لكن يجب ألا يغيب عن أنظارنا أن هنالك اختلافاً هاماً فيما بينها حول مصالحها وأهدافها في سوريا، وهذا التفارق والاختلاف في الاستراتيجيات فيما بينها معرض للتحول في أي لحظة إلى حالة عداء فيما بينها. العالم غض النظر عن احتلال عفرين ففي المقابل، وعلى الرغم من أن تركيا والولايات المتحدة عضوان في حلف الناتو (أي حليفين استراتيجيين) لكننا نجد أن بينهما بعض التفارق في المصالح، فإن غضت الولايات المتحدة الطرف وسمحت باحتلال تركيا لعفرين، بمباركة روسية، لكنها تمانع ذلك فيما يخص منبج وشمال سوريا. على الأقل حتى الآن. والاحتلال التركي لعفرين، كان مثالاً على أن التنافس الروسي – الأمريكي على المصالح والنفوذ في سوريا، لم يمنعهما من تسهيل أو “غض الطرف” عن احتلال تركيا لعفرين، وإن كان لكل منهما مأربه الخاص. وفي مثال آخر، أشير إلى أن روسيا، التي من المفترض أنها حليفة لإيران، تتجاهل ضرب إسرائيل لمواقع لإيران “وللنظام” داخل سوريا. فنحن في تيار اليسار الثوري طرحنا منذ بداية التدخل الامبريالي والإقليمي في بلادنا شعاراً “لا موسكو ولا واشنطن، لا أنقرة ولا الرياض ولا الدوحة”، لأننا نرى بأن البوصلة الوحيدة لكفاحنا هي تحرر شعبنا الشامل ومصالحه، وواجبنا هو التعبير والدفاع عن أهداف كفاح شعبنا التحرري في كل ساحة ومكان والاستناد على طاقاتنا الذاتية وطاقات شعبنا وتنظيمها، مع التضامن الأممي لقوى التحرر في العالم، هذه هي الاستراتيجية التي نرى أنها تهدف إلى تحررنا جميعاً من ربقة الاستبداد والاستغلال والاحتلال.

3- كنتم من الثوار السوريين الأوائل الذين انطلقوا بالحراك السلمي في آذار 2011، وكانت رؤيتكم للحل حينها سلمية وسياسية، ما ينتظر الحل السياسي في سوريا في ظل تدخل الاحتلال من صعوبات في المستقبل القريب؟ بناء جبهة متحدة للقوى الديمقراطية والثورية والشعبية الطابع العام للثورة الشعبية في عامها الأول كان سلمياً، والسبب في تسلحها كان أولاً عنف النظام الوحشي بحق المتظاهرين السلميين، وثانياً، حالة انشقاق الآلاف من الجنود والضباط الذين رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين. لكن، غياب قيادة سياسية ثورية وهشاشة حركة تضامن قوى التحرر في العالم مع الثورة السورية إضافةً إلى تدخل قوى إقليمية لصالح كل من النظام والميليشيات الرجعية والطائفية والجهادية التكفيرية أدت إلى إضعاف الثورة والحراك الشعبي والقوى الديمقراطية رويداً رويداً وصولاً إلى إجهاضها . الكارثة هي أن سوريا أصبحت بلداً مقسماً لمناطق نفوذ للدول الكبرى والإقليمية، مع خصوصية تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، في الوقت الذي أنهكت فيه الجماهير الشعبية وتلاشى الحراك الشعبي بعد سبع سنوات من القتل والتهجير والتجويع وحالة وهن عام للقوى الديمقراطية والثورية والشعبية وتشرذمها، هذه الشروط المذكورة تجعل من أي “حل سياسي” محتمل في اللحظة الراهنة مشروطاً بما تتوافق علية الضواري الإقليمية والدولية المتدخلة في بلادنا. وبكل الأحوال، فإن من أهم الأولويات وقف هذه الحرب المجنونة لتستعيد الجماهير أنفاسها وتلملم جراحها، وتطرح علينا جميعاً مسؤولية بناء جبهة متحدة للقوى الديمقراطية والثورية والشعبية تسمح بتنظيم الصفوف والكفاح من أجل حرية شعبنا وبلادنا استناداً إلى دروس السنوات السبع الماضية والعمل على تغيير موازين القوى لصالح الجماهير الشعبية وبناء سوريا الحرية والتعددية والمساواة والعدل الاجتماعي.

4- مناطق خفض التصعيد، كانت المناطق ذات النصيب الكبير في العمليات العسكرية العنيفة من قبل النظام وحلفائه وخرج أغلب أهاليها للشمال السوري مستوطنين مدن غيرهم من المهجرين، ما كانت أبعاد اتفاقية آستانا الحقيقية عقب احتلال عفرين وإخراج أهالي الغوطة والرستن وحرستا؟ الاحتلال التركي يقوم بتطبيق سياسة استيطانية في عفرين من الواضح، أن مؤتمر آستانا جاء منذ نحو عام لينظم تنافس تركيا وإيران وروسيا، وليرسم مناطق نفوذ وسيطرة كل طرف منها، فمن خلال آستانا تقاسمت هذه الدول الجزء الأكبر من أراضي سوريا، وبذريعة أنها دول ضامنة لمناطق خفض التصعيد فإنها تقاسمت وتبادلت الأرض والناس في هذه المناطق، على حساب الناس والمقاتلين (مهما كان توصيفهم أو انتماؤهم) فقد تحولوا إلى مجرد أوراق في يد هذه الدول تلعب بها كما تشاء وتلعب بدمائهم. لهذا لم يترك للمرحلين من الغوطة أو غيرها (مدنيين ومقاتلين) من خيار لجهة ترحيلهم سوى الترحيل إلى إدلب وتجميعهم هناك، بحيث أن إدلب تحولت إلى قنبلة موقوتة. ما يفاقم من الحال، أن الاحتلال التركي يقوم بتطبيق سياسة استيطانية بشعة ولاسيما في عفرين، حيث أنه يمارس عملية تغيير ديمغرافي بطرد السكان الكرد من أرضهم وبيوتهم ليضع مكانهم بعض المرحلين من الغوطة وغيرها. هذه السياسة الاستعمارية التركية ليست فقط معادية لمصالح السوريين وتاريخهم ومستقبلهم، وتتطلب المقاومة والإدانة والمواجهة من كل السوريين، بل الأفظع أن هذه الممارسات الاستيطانية تزرع بذور صراعات ونزاعات وحروب أهلية لا نهاية لها. مطلوب منا جميعاً فضح ومقاومة كل عمليات التهجير لأهالينا أينما جرت ورفض الاحتلال القسري للسكان الأصليين، إنها سياسة “فرق تسد” الاستعمارية التي تمزق المجتمعات وتفجرها وتعيق وحدة كفاح الجماهير الشعبية (أياً كانت قوميتها أو دينها) من أجل مصالحها وأهدافها المشتركة ضد أعدائها من الأنظمة والطغم الحاكمة والاستعمارية ومرتزقتها.

5-العلاقات التركية الروسية في تطور ملحوظ وذلك بعدما تم احتلال عفرين بموافقة روسية ومفاوضاتهم المستمرة بخصوص إدلب وآخرها إمكانية تشكيل فصيل تركي بإدلب لإرضاء روسيا، ما هو مستقبل هذه العلاقات حسب منظوركم، مع العلم بأن تركيا عضو في حلف الأطلسي (الناتو)؟ العلاقات التركية الروسية مرحلية ومؤقتة صحيح تماماً أن الاحتلال التركي لعفرين جاء أساساً بضوء أخضر من نظام بوتين، وأيضاً بعدم اعتراض أمريكي، فجعلت اتفاقيات آستانا إدلب من حصة تركيا، ويحاول الاحتلال التركي بناء “جيش وطني” تابع له من فتات فصائل هي بالأساس طائفية وإرهابية في غالبيتها العظمى. وهو بذلك يحاول أن يضفي على فصائل المرتزقة الرثة التي تقاتل معه صفة أرقى، ولكن التسمية لا تغير شيئاً من حقيقة أنهم مجرد مرتزقة تابعين لجيش الاحتلال التركي ولا يملكون شيئاً أو هامشاً من استقلالية الإرادة أو القرار، بل الجيش التركي هو المقرر الأول والأخير في مناطق احتلاله. وقد ضاق الأهالي بالممارسات القمعية والبشعة لجيش الاحتلال التركي ومرتزقته التي دفعت بالأهالي في عدة مدن للتظاهر والاحتجاج، وهنالك حالة غضب شعبية متزايدة ضد الاحتلال التركي ومرتزقته، من المهم دعمها وتعزيزها. وفيما يتعلق بعلاقة تركيا وروسيا، أود أن أشير إلى أنهما، وكذلك إيران، ليسوا حقاً حلفاء، بل هنالك تقاطع مصالح فيما بينهما في سوريا في هذه اللحظة، ولا أعتقد أن حالة التوافق بينها ستدوم، إنها مرحلية ومؤقتة. ليست مصالح هذه الدول في سوريا متطابقة، فتركيا عضو أساسي وتاريخي في حلف الناتو، وهي رغم خلافاتها مع أمريكا لن تتخلى عن علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة (ولا الأخيرة ستتخلى عن تركيا)، في الواقع، إن موقف الإدارة الأمريكية في دعم قوات سوريا الديمقراطية ضد داعش هو الذي أثار غضب نظام أردوغان، لأن للنظام التركي هاجساً أساسياً وهو الهاجس الكردي، الذي يشكل له عصباً لا شفاء منه. بالنتيجة، فإن العلاقة بين هذه الدول مرحلية وفق المصالح الخاصة لكل منها والمتناقضة على حساب شعوب المنطقة ومستقبلها.

هذا وأضاف الرفيق غياث نعيسة 

1- هناك عدة مشاريع طرحت على الطاولة الإقليمية وحتى الدولية لحل الأزمة السورية، خفض التصعيد، الفيدرالية، التسوية والعودة لحضن الوطن، جميعها نوقشت بشكل واسع، برأيكم ما هو المشروع الأنسب لسوريا المستقبل الذي يضمن كرامة المكونات وحقوقهم وتحافظ على حرية التعبير؟ مشاريع الحل الفاشلة تعتمد على المصالح أساساً طرحت عدة مشاريع تنحصر بتحقيق تعديلات شكلية في هيكلية النظام القائم وتعمل على أعاده تعويمه وإنتاجه من جديد، وهي مشاريع كارثية وتجاوزها الزمن والاحداث. هناك أيضا مشاريع طرحتها بعض القوى المعارضة المكرسة والتابعة لدول إقليمية، مثل المجلس الوطني والائتلاف الوطني، التي تعبر في جل ما تطرحه عن رغبتها في الحلول مكان النخبة الحاكمة مع الإبقاء على نفس شاكلة النظام، وطبعاً هكذا مشاريع تشكل طعنا بالثورة الشعبية ومطالبها بل حتى فشلت عملياً. وأيضاً هناك مشاريع أخرى تدعو الى بناء نظام يحاكي لما جرى بعد الاحتلال الامريكي للعراق عام ٢٠٠٣ أو النظام اللبناني اي نظام يقوم على المحاصصة الطائفية، وطبعا هكذا مشاريع تشكل إهانة لتضحيات الثورة السورية وأهدافها في الحرية والمساواة والكرامة والعدل، وتحمل هكذا مشاريع في طياتها كل بذور الحروب الأهلية والطائفية والتمزيق والانقسام داخل المجتمعات. بما يخصنا في تيار اليسار الثوري فقد طرحنا في تشرين الأول من عام ٢٠١١ برنامج يدعو الى تشكيل حكومة ثورية مؤقتة يكون أحد أهدافها إعداد لانتخابات حرة ونزيهة لانتخاب جمعية تأسيسية على أساس النسبية وسوريا دائرة واحدة، بحيث تمثل في داخلها التعددية والتنوع لمجتمعنا، وتقوم هذه الجمعية التأسيسية بتحديد الشكل السياسي للنظام الديمقراطي والاجتماعي المنشود. ولأننا كنا منظمة حديثة العهد وغضة لم يستمع إلينا. الفيدرالية هي توحيد لما هو مقسم في سوريا وأخيراً، فقد طرح الرفاق في الادارة الذاتية في شمال سوريا مشروع “الفيدرالية” الذي أثار لغطا وسوء فهماً في صفوف أقسام من المعارضة. دعني أوضح الفكرة بتفصيل قليل، حالما طرح مشروع “الفيدرالية” الديمقراطية خرج علينا عزمي بشارة على قناة الجزيرة ليرفض ذلك وليدين كل “فدرلة”، وتتالت بعده المواقف العدائية لهذا الطرح من أطراف المعارضة “الليبرالية” و”الاخوانية” و”القومية”. وقد وسمت هذه الأطراف المذكورة مشروع الفيدرالية السياسية الديمقراطية بأنه مشروع تقسيمي وانفصالي، الى أخر الترهات المعروفة. وقد وصل الامر أحيانا الى حد من التفاهة، فقد صرحت، مثلاً، إحدى الناشطات متسائلة: “اذا تحققت الفيدرالية في سوريا هل سأحتاج الى فيزا للسفر من دمشق الى القامشلى ؟”، إذاً هناك مزيج من سوء الفهم وأحيانا سوء النية وغالبا غباء مطلق في فهم موضوع الفيدرالية، فالفيدرالية كمصطلح لغوي وسياسي تعني “الاتحادية’، وهي بذلك تعني انها توحيد لما هو مقسم ومجزئ وليس تقسيم ما هو موحد. وإذا نظرنا الى وضع سوريا الراهن المأساوي نجد أن سوريا مقسمة الى مناطق سيطرة ونفوذ ومنعزلة الى حد كبير عن بعضها البعض من نحو ست سنوات . وبالتالي، فإنني أتفهم طرح الرفاق في الادارة الذاتية في شمال سوريا لمشروع الفيدرالية لعموم سوريا، لكنني أعتقد إنه يجب شرحه بصبر وأناة لعموم جماهير شعبنا ووضعه في إطار تجربة ثورة شعبنا ومصالحه وحاجاته ومستقبله، والعمل على أن تتبناه غالبية وازنة من شعبنا وقواه التقدمية، باعتباره يسمح بإعادة توحيد البلاد على أسس جديدة سياسية واجتماعية تقدمية وديمقراطية. لا حل سياسي دون ضمان حقوق كافة المكونات إنني أعتقد جازماً بأن لا إمكانية اليوم لحل “سياسي” ديمقراطي واجتماعي في سوريا دون الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي. وكافة القوميات الاخرى. كما انني أعتقد أن مستقبل الديمقراطية والحرية في بلادنا مرهون بحل القضية الكردية في بلادنا وكل البلدان التي تقاسمت كردستان. تجاهل ذلك، كما تفعل بعض الأطراف المعارضة الشوفينية وكذلك النظام، إنما يبعد إمكانية وقف الحرب المدمرة ويغلق آفاق قيام نظام ديمقراطي لكل السوريين وعلى مجمل الارض السورية الموحدة، فلا ديمقراطية ببلادنا دون حل ديمقراطي للقضية الكردية. ولذلك، فأن شكل ما، أو جرعة ما، من الفيدرالية أو اللامركزية السياسية ضروري لإعادة توحيد الجماهير والأرض السورية على أسس ديمقراطية وتقدمية تسمح بازدهار اَهلها جميعا رغم تنوعهم القومي والديني والجنسي.

2- داعش إلى الزوال مع بدء قوات سوريا الديمقراطية والتي قد تكون الحملة الأخيرة لهم على مرتزقة داعش في سوريا كونها بقي للمرتزقة مجرد بعض الجيوب، هل تتوقع أن يكون هناك تعاضد دولي جديد لمحاربة هيئة تحرير الشام والفصائل الأخرى المتعاملة مع الاحتلال التركي مثل الحزب الإسلامي التركستاني وأحرار الشام – المصنفين على لائحة الإرهاب – أم ستبقى هذه الفصائل والقوى حججاً تستعمل وقت الحاجة؟ هدف تركيا ومخططاتها هو الاعتداء على التجربة الديمقراطية بشمال سوريا صحيح أن الدولة الاسلامية “داعش” انهزمت عسكرياً وتهاوت الى حد كبير، وذلك منذ هزيمته الأولى الكبرى أمام المقأومة البطولية في كوباني، تلاها سلسلة من الهزائم المتواصلة وتم كسر شوكتها، وقد كأنت هيمنة داعش في عامي ٢٠١٣ و٢٠١٤ علامة بارزة ومنعطف يدل على تراجع الحراك وهزيمة الثورة لصالح قوى الثورة المضادة، بيد أن بقاء الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي سمحت بنمو داعش وأشباهها، انما يوفر المناخ لاستمرار أو نشوء منظمات فاشية جديدة شبيهة به. أما بالنسبة لهيئة تحرير الشام “جبهة النصرة” الإرهابية فأن تجمع اغلب كتائبها في ادلب يحولها الى حد كبير لمشكلة للاحتلال التركي، ولا يدع لها من خيارات إلا اثنين: أما أن تخضع لأوامر وتوجيهات الاحتلال التركي مثلها مثل بقية فصائل المرتزقة، أو انه سيتم إخضاعها بالقوة، وعمليات التفجيرات والاغتيالات تشير الى ذلك، وتبقى داعش المهشمة والنصرة المقلمة الاظافر ذريعة يمكن أن تلوح بها الدول الاقليمية والدولية لتبرير تدخلها العسكري في بلادنا، وأن اضطررت لتكرار ما سبق أن قلته فاني اعتقد أن تحشيد الاحتلال لكل هذه الفصائل ومنها النصرة تحت سيطرتها انما هي سياسة تنظيم مرتزقتها بقصد الاعتداء على شمال سوريا والإدارة الذاتية فيها. وهو هدفها القادم. وفي الوقت نفسه، فأن ادلب تحولت الى نوع من مخيم كبير للنازحين المدنيين والمقاتلين التكفيريين من مختلف مناطق سوريا، وتضم نحو ثلاثة ملايين في منطقة جغرافية ضيقة يتفاقم فيها عوامل التوتر والانفجار في كل لحظة، لتتحول الى محرقة جديدة، أن انفجرت فاستنفر في وجه الجميع مثل “طنجرة البخار”، وهو ما لا ترغب به تركيا لأنه ينسف مشروعها المذكور أعلاه .

3- المعارضة وضعها ليس أفضل من داعش بتاتاً، فتقصلت نسبة سيطرتها على الأراضي السورية إلى أقل من 40 بالمئة وتعتبر المناطق الواقعة تحت سيطرتها حالياً مناطق نفوذ تركي بالدرجة الأولى، وتواجه تلك المناطق أيضاً سياسية تتريك موجهة مشابهة للاحتلال العثماني بالإضافة لوجود مخاطر اقتطاعها، في حال تطبيق سيناريو الاقتطاع، هل سيكون النظام المتحالف مع روسيا – الموافقة على الاحتلال التركي – أم المرتزقة الذي دخلوا مع الاحتلال التركي هم السبب وما سيكون له تبعيات على خارطة الشرق الأوسط الجديد؟ توحيد الطاقات السورية الثورية وبناء نظام ديمقراطي تعددي من وجهة نظري أرى أن هم النظام الأول هو بقائه واستمراره بالحكم حتى ولو على جزء من سوريا، فمشكلته كانت مع المناطق التي خرجت عن سيطرته في السنوات الماضية التي كانت تشكل تهديداً على بقائه كنظام، وجاء الدعم الروسي والإيراني ليسمح له بالسيطرة على أغلب الجيوب المعارضة ولا سيما في ريف دمشق وحمص وحماة، ولن يهتم النظام باستعادة بقية المناطق الا بالقدر الذي تؤثر فيه على بقائه من عدمه، ولذلك فهو مستعد لكل اشكال التحالفات وتغييرها. وفي كل مرة يجد فيها النظام أن الظروف تسمح له بتوسيع نطاق سيطرته فهو سيفعل ذلك بكل وحشية. فيما يخص تركيا، إنني أرى بخلاف العديد من المعارضين السوريين أن الاحتلال التركي لإراضي سورية ليس مؤقتاً وأن جيش الاحتلال التركي لن يخرج طوعا من بلادنا، بل أن التجربة التاريخية (العراق وقبرص وأسكندرون) أثبتت أن تركيا لا تجلي قواتها طوعاً من منطقة احتلتها، واحتمالاتها تمزق دوماً شكلي الاستعمار والتغيير الديمغرافي، وهي تربط دوماً مناطق احتلالها بها سياسياً واقتصادياً وثقافياً وإدارياً وسياسياً، فهو شكل استيطاني من الاستعمار. ويقوم الاحتلال التركي بمحاولة تجميع كل الفصائل المسلحة الطائفية والرجعية فيما يسمونه “جيش وطني”، الا أن هذه الفصائل خاضعة تماما لإمرة النظام التركي وتعمل كمرتزقة لصالحه، وليس لها أدنى استقلالية لإرادتها، وأظن أن هدف الاحتلال التركي ومرتزقته الأساسي هو محاولة اجهاض تجربة الادارة الذاتية في شمال سوريا. ما يطرح على جدول مهامنا هو توحيد طاقات القوى الديمقراطية في كل أرجاء سوريا لمقاومة الاحتلال، من اي طرف كان، وإخراج كل القوات الأجنبية والميليشيات الطائفية من بلادنا، وبناء نظام ديمقراطي تعددي لامركزي على أنقاض الدكتاتورية. وبكل الأحوال، ومهما كأن اليوم ميزان القوى يميل لصالح قوى الثورة المضادة المتعددة الأطراف، لكن من واجبنا متابعة المقاومة الشعبية بالوسائل المتاحة وتنظيم وتوحيد كفاح الجماهير على كامل التراب السوري، ونقطة الارتكاز في هذا المشروع الديمقراطي المستقبلي المنشود لسوريا، هي مناطق الادارة الذاتية في شمال سوريا.

4- الشرخ الاجتماعي الحاصل بعد احتلال عفرين، ونبذ روح الطائفية من قبل الجيش التركي المحتل في الشمال ومحاولته لإحداث شرخ في الشارع السوري ومكوناته وخاصة بعد منعه من أهالي عفرين ذو الأغلبية الكردية من العودة لمنزلهم وتوطين أهالي الغوطة وريف حمص الشمالي ذو الأغلبية العربية، إلا تمعق عمليات التغيير الديمغرافي الباب النزاع الطائفي في سوريا وما هو الهدف التركي الرئيسي من هذه العمليات؟ روسيا والنظام المسؤولين عن سبع أعوام من الدمار والتهجير لقد شهدت سوريا خلال السنوات السبع الماضية عمليات تهجير اجبارية واسعة لملايين المواطنين، تقدر بنحو نصف سكان سوريا، فالمسؤولية الأكبر على ذلك تقع على عاتق النظام أولاً والقوى الطائفية وعمليات القصف والقتل للضواري الامبريالية ولا سيما روسيا وليس سكان الغوطة المدنيين وغيرها من المناطق هم المسؤولين عن مأساتهم وتهجيرهم الى ادلب وعفرين وغيرها. فأن عمليات التهجير وإحلال سكان مهجرين مكان السكان الأصليين هي سياسة تركيا والنظام وحلفائهم، الذين يتلاعبون بحياة اهلنا ومستقبل بلادنا خدمة لصالحهم الانانية الضيقة. الحل بأن يعود كل مواطن الى بلدته وداره ليمارس حياته بكرامة وحرية، وهذا يتطلب الانتصار على كل قوى الثورة المضادة، ولا مدخل لذلك سوى بالدعوة الى اخوة الشعوب من اجل الكفاح المشترك لكل الجماهير الشعبية في سوريا من اجل تحررها جميعا واستعادة حياتها وبيوتها بكل عدل ومساواة وكرامة ويعترف فيها الجميع بحقوق المتساوية في إطار سوريا الحرة والتعددية واللامركزية والديمقراطية والعدل الاجتماعي.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *