جريدة المناضل-ة تحاور المناضل اليساري السوري غياث نعيسة حول مجريات وآفاق الثورة السورية

جريدة المناضل-ة تحاور المناضل اليساري السوري غياث نعيسة حول مجريات وآفاق الثورة السورية

  • المناضل-ة: هناك تكالب دموي للضواري الإمبريالية حاليا على سوريا وثورتها الشعبية (عام على التدخل العسكري الروسي وعامان على التدخل الأمريكي وتحالفه الدولي فضلا عن تدخل قوى اقليمية)، ويعبر هذا عن صراع القوى الإمبريالية والإقليمية على الأرض السورية، ما خلفيات ودلالات “التوتر” الحاصل بين أمريكا وروسيا؟

 

غياث نعيسة: كما أصبح واضحا٬ هنالك عدة تدخلات أقليمية ودولية عسكرية ومباشرة في سوريا٬٬ هنالك التدخل الإيراني والروسي وحزب الله، وعدد من الميليشيات الطائفية العراقية وغير العراقية تدخلت عسكريا٬ دعما للنظام وأيضا لمصالحها الخاصة الأخرى. في المقابل لديك ما يسمى بالتحالف الدولي لمحاربة داعش تقوده الولايات المتحدة٬ يكتفي حتى الآن بتثبيت وجوده العسكري داخل سوريا٬ وقصف مواقع داعش من حين لآخر٬ إضافة إلى الحادثة اليتيمة لقصفه لمواقع عسكرية للنظام في دير الزور في ١٧ سبتمبر الماضي، وخصوصا بعد إعلان فشل ما سمي بالهدنة التي كان متفقا عليها أمريكيا وروسيا. طبعا دون أن أنسى التدخل العسكري التركي منذ نحو شهر في شمال حلب.

من وجهة نظري٬ أعتقد بوجود نوع ما من التفاهم العام بين الحكومتين الروسية والأمريكية لتنظيم تدخلهما في سوريا وإدارته المشتركة. ويتفق الطرفان٬ أصلا٬ على نقطة أساسية هي عدم رغبتهما بسقوط نظام الأسد. وإن كانت الإدارة الأمريكية تحبذ إضعافه وإضعاف قدرات سوريا الاقتصادية والعسكرية٬ وهما أمران حققتهما دون دفع جنودها في حرب لا أحد يمكن أن يتوقع ارتداداتها على صعيد المنطقة. جوهر التوتر الطارئ بينهما في هذه المرحلة ينبع من المسعى الروسي لحسم عسكري في حلب. وهو ما تخشاه الولايات المتحدة وحلفائها لأن انتصار الروس والنظام في حلب٬ سيعني عمليا انتصار شبه كامل للنظام٬ وتأكيد للهيمنة الروسية على سوريا٬ وابتعاد أفق تسوية بين النظام والمعارضة البرجوازية التي تراهن عليها الإدارة الأمريكية وحلفائها..

  • المناضل-ة: ثمة دور لقوى إقليمية فيما يجري حاليا من قصف ودمار، منها الداعم لنظام بشار الدموي، ومنها من “يعارضه ويطالب برحيله”، كيف هو وضع هذه القوى ميدانيا حاليا؟

غياث نعيسة: إن متابعة يوميات الوضع عسكريا تبعث على الدوخان٬ لكثرة المعارك٬ مع حالات تقدم وتراجع٬٬ من جهة. ولكثرة الأطراف المنخرطة فيه: فهنالك جيوش امبريالية كالجيوش الروسية٬ والأمريكية وغيرها والتركية… إضافة إلى عدد كبير من الكتائب والفصائل العسكرية التي تتراوح  في إيديولوجيتها من الجيش الحر إلى الفصائل الإسلامية الرجعية٬ علاوة على الوحدات الكردية وحلفائها.

باختصار شديد؛ وضع القوى الشعبية والثورية المدنية والعسكرية٬ هو عموما ضعيف٬ ومهمش إلى حد كبير٬ ولكنه ما يزال حيا ووازنا ولم يحتضر كما يعتقد البعض. في المقابل هنالك حلف النظام، إيران٬ حزب الله- وروسيا بوتين٬ وهذه القوات حققت تقدما ميدانيا في عدد من المناطق٬ إن كان  في ريف دمشق أو ريف حماة ولا سيما في حلب وريفها… ويمارس هذا الحلف الذي تقوده روسيا حربا قاتلة ليس ضد “المعارضين المسلحين” بل ضد المدنيين٬ وهي حرب تشبه حرب غروزني تطبقها روسيا في حلب.

في الجهة المقابلة٬ لدينا عدة أطراف لا يجمعها سوى درجة عدائها للنظام: داعش وهو بالنسبة لي تنظيم ذو طبيعة فاشية٬ يتعرض إلى تراجع نسبي في شمال سوريا٬ وجبهة النصرة الرجعية التي أعلنت قطع علاقتها التنظيمية وليس الإيديولوجية مع تنظيم القاعدة، وغيرت إسمها إلى جبهة فتح الشام في نهاية شهر يوليو الماضي٬ حيث تسيطر بالتحالف مع التنظيم السلفي الجهادي الآخر المسمى أحرار الشام تحت إسم جيش الفتح، فإنهما يسيطران بشكل رئيسي على مدينة أدلب وبعض أريافها.

وما يسمى بجيش الإسلام وفيلق الرحمن، فإنهما يسيطران على بعض أرياف دمشق وخاصة الغوطة الشرقية… ولهذه القوى٬ كلها٬  تواجد هنا أو هناك في عدد من المناطق الأخرى.

في حين نجد أن جنوب سوريا يتميز بتواجد قوات للجيش الحر إضافة إلى تواجد لداعش والنصرة.

والفصائل العديدة لما يعرف بالجيش الحر٬ وهي في غالبيتها مقاومة شعبية محلية٬ فإنها توجد على امتداد غالبية المناطق ولكنها٬ في أغلب الحالات٬ الطرف الأضعف تسليحا وتمويلا.

يبقى أن للوضع الكردي خصوصيته٬ فقد فتحت الثورة الشعبية السورية في المجال لتفتح كل طموح المضطهدين بالتحرر٬ وكانت الفرصة التي منحت لحركة التحرر القومي الكردي أن تبرز بقوة وأن تحقق إنجازات كبيرة منها سيطرتها٬ رغم اللغط الدائر حول علاقتها الملتبسة مع النظام٬ على مناطق واسعة في شمال شرق سورية، وقطاع هام في شمال غربها٬ حيث استطاع حزب الإتحاد الديمقراطي الكردستاني وقوات حماية الشعب التابعة له ومن ثم تحالفها مع فصائل اخرى عربية وأشورية وتركمانية، فيما يسمى قوات سوريا الديمقراطية من إقامة مناطق “إدارة ذاتية” تشمل ثلاث كانتونات هي الجزيرة وكوباني وعفرين.

والتدخل العسكري التركي الأخير إنما أتى، من بين أسباب أخرى٬ لمنع تحقيق تواصل جغرافي بين هذه الكانتونات الثلاث٬ وهذا يفسر المعارك التي يخوضها الجيش التركي ليس مع داعش فحسب بل مع قوات سوريا الديمقراطية.

الوضع ليس ثابتا في الميدان العسكري٬ دائم التغير٬ لكن اليد الطولى فيه هي لآلة الحرب للنظام وحلفائه.

  • المناضل-ة: كشفت الثورة السورية العديد من أعداء تحرر شعوب المنطقة، لاسيما اولئك الذين تحجبهم خطابات “الممانعة” “ومعاداة إسرائيل”، أي دور ل”حزب الله” في إجهاض ثورة الشعب السوري؟

غياث نعيسة: لم يعد سرا٬ ولا سيما أن حزب الله وأمينه العام يقران علنا بذلك٬ بأن التدخل العسكري المباشر والواسع لحزب الله بدأ في عام ٢٠١٣٬ حيث بدأ حينها٬٬ والأصح منذ نهاية عام ٢٠١٢٬ أن النظام فقد السيطرة على أغلب الأراضي، وأن وضعه أصبح سيئا جدا مع احتمال سقوطه وشيكا٬ هذا الوضع ترافق مع تدخل عسكري ايراني واسع، وأيضا لحزب الله وغير ذلك من الميليشيات الطائفية. في الوقت نفسه لاحظنا أن هذا التدخل استدعى وشجع تدخلا مقابلا له من القوى الإسلامية المتعددة٬ بل وتسارع بعده٬ حيث برز تزايد نفوذ الميليشيات الطائفية والتكفيرية في الجهة المقابلة٬ وتدخلت في تحشيد طائفي قذر٬ أوشك أن يودي بالثورة وكل تضحيات شعبنا.

فقد برر حزب الله تدخله٬ في البداية٬ أنه لحماية المراقد الدينية الشيعية في سوريا٬ وخاصة في دمشق٬ وأنه لن يقبل أن “تسبى زينب من جديد”٬ إذن جاء على أسس إيديولوجية طائفية. ولكن أيضا جيوسياسية٬ فقد طلب النظام الإيراني تدخله٬ كما أن لحزب الله، باعتبار ارتباطه الوثيق بالنظام الإيراني وتحالفه مع نظام الاسد٬ كل المصلحة لأن يقاتل دفاعا عنه٬ فسقوط النظام تعني بالنسبة لحزب الله هزيمة لإيران وله.

لم يواجه حزب الله منذ بداية تدخله العسكري٬ داعش والنصرة٬ بل واجه المقاتلين الشعبيين من بسطاء السوريين٬ ومدنييهم٬ وما جرى في الزبداني وقبلها القصير٬ دليل على ذلك.

خطابه اليوم أنه يواجه التكفيريين٬ وخاصة داعش والنصرة٬ إنما يذكرنا بنفس خطاب الحكومات الروسية والأمريكية والنظام السوري والإيراني والتركي لتبرير وحشيتهم بحق الجماهير السورية٬ بذريعة محاربة داعش والنصرة.

إن الجماهير السورية احتضنت حزب الله وجمهوره في كل اللحظات العصيبة التي واجهها خلال كل الحروب التي شنتها الدولة الصهيونية على لبنان٬ تواجه اليوم بنادق وحراب حزب الله التي توجه إلى صدورها. يا للمأساة والعار.

  • المناضل-ة: تبدو سوريا محتلة من قبل قوى إمبريالية وإقليمية من جهة، ومن جهة أخرى من قوى متمردة ظلامية في الغالب (داعش وشبيهاتها)، فعلى ماذا يستند نظام الأسد؟

 

غياث نعيسة: نعم تبدو سوريا ساحة لتدخل عسكري مباشر للعديد من القوى الإمبريالية والإقليمية٬٬ مع سيطرة على الأرض لعدد من القوى الرجعية. ومع ذلك نلاحظ بأن نظام الطغمة ما يزال قائما. والحقيقة أن الوضع هو فعلا معقد كما يبدو٬ ولكن كل وضع ثوري هو وضع معقد٬ كما كان يقول لينين. فمن جهة نجد أن النظام، حاله كحال العديد من الفصائل المعارضة له٬ أصبح رهينا لحلفائه ولاسيما ايران وروسيا٬ مثلما أن العديد من الفصائل الإسلامية التي تواجهه٬ إضافة للمعارضة البرجوازية كالائتلاف الوطني٬ هي أيضا٬ من جهتها٬ رهينة للدول التي ترعاها كالسعودية وتركيا وقطر وبعض الدول الغربية. هكذا كوجهان لعملة واحدة٬ ولكن الساحة السورية لا تقتصر عليها، فهنالك فصائل للجيش الحر التي تعمل باستقلالية وتحمل برنامج الثورة الشعبية وإن كانت في اللحظة الراهنة أضعف الأطراف العسكرية المتصارعة٬ دون أن ننسى داعش التي تعمل لمشروع خاص بها وشديد الرجعية في مواجهة الجميع٬ وجبهة النصرة التي أصبح إسمها فتح الشام؛ وهي فرع لتنظيم القاعدة الإرهابي وتتبنى إيديولوجيته. أي الدعوة للجهاد ضد ما تسميه “المشركين” و”الغرب الصليبي٬” وعلى أساس برنامج رجعي طائفي وديني. والحال٬ فإن المشهد العام للصراع لا يقتصر على القوى المذكورة ٬ إذ علينا أن لا ننسى العدد  الهائل من التنسيقيات والمجموعات والهيئات والمجالس التي تشكلت خلال السنوات الماضية والتي تحمل برنامجا ديمقراطيا واضحا والبعض منها علماني ويساري… سواء تلك الموجودة في مناطق سيطرة النظام أم تلك الموجودة في المناطق التي تخرج عن سيطرته٬ وإن كان وضعها العام يتميز٬ للأسف٬ بأنها ما تزال مشتتة ولم توحد طاقاتها وجهودها بشكل فعال بعد.

وردا على السؤال٬ فان النظام الحاكم يمتلك استراتيجية واضحة لمواجهة الثورة٬ لم تقتصر فقط على العنف الشديد منذ البداية وسياسة الأرض المحروقة العسكرية٬ وتهجير السكان وتحطيم البنى الاقتصادية والاجتماعية والسكانية للمناطق التي ثارت عليه٬ وتهييج التحشيد الطائفي والعسكرة أو ما سمي دفعه “لأسلمة” الثورة٬ لانها تصب في صالحه حيث أنها تجهض الثورة الشعبية وتحولها إلى فزاعة٬ داخليا وخارجيا. ونجح في ذلك إلى حد كبير. لكن أهم ما فعله النظام هو الإمساك بالرقعة الأكثر كثافة سكانيا والأهم اقتصاديا في سوريا او ما يسميها “سوريا المفيدة” وهي القسم الغربي من سوريا بما تضم من المدن الكبرى٬ باستثناء جزء من مدينة حلب٬ وجعل منها إلى حد كبير أكثر أمانا مما تبقى من البلاد. بحيث أن الغالبية العظمى من السكان تتواجد فيها. وفيها أهم ما تبقى من الحياة الاقتصادية في البلاد. وهذا التغيير الاقتصادي والاجتماعي والديمغرافي ستكون له أثاره الكبيرة للعقود القادمة.

إذن٬ يستند النظام من أجل بقائه على عدة عوامل منها سيطرته على “سوريا المفيدة”٬ وعلى كتل مهمة من الأقليات “القومية والدينية” التي حرض لديها خطر “الإسلاميين” الداهم٬ ويستند على جيش وأجهزة أمن ثم بنائها في خدمة النظام لمدة أربعة عقود، ولم تتفكك إلا قليلا خلال سنوات الثورة٬ بسبب الخطاب الطائفي والغبي للمعارضة البرجوازية والإسلامية. كما أن النظام يستند على دعم واضح من المؤسسات الدينية الرسمية لكل الاديان والطوائف. نظام الطغمة يمثل ويستند على دعم٬ ما يزال واسعا٬ للبرجوازية السورية الكبيرة، التي ترتبط بنيويا بالنظام. وأخيرا٬ يستند النظام على دعم عسكري واقتصادي ودبلوماسي لحلفائه: روسيا وإيران وحزب الله والعراق…

كثير من الجماهير الواقعة تحت سيطرة النظام تكن له كرها عظيما لما فعله ويفعله من جرائم٬ ولبشاعة ممارسات ميليشياته المتعددة، “الشبيحة” التي تعتدي على الناس وتثير جوا من الإرهاب الواسع. ولكن تفسير صمت الناس النسبي في هذه المناطق إنما هو ناتج عن اعتقاد قطاع واسع منهم٬ وليس حبا بالنظام أو موالاة له٬ بالخطر الوجودي الذي قد يتعرضون له من “الإسلاميين والجهاديين”٬ إنه الخوف مما سيحل بهم ومما سيحل محل النظام في حال سقوطه… غياب البديل التقدمي عن النظام البورجوازي والدكتاتوري هو العائق الرئيسي لاستنهاض الحراك الجماهيري في هذه المناطق وعموم سوريا.

  • المناضل-ة: ما حال الثورة الشعبية السورية اليوم بعد المجازر والخراب الذي نعاينه؟وما حال المقاومة الشعبية التقدمية التي يجري طمسها، بالخصوص في ظل هذه الظروف القاسية؟

 

غياث نعيسة: أعتقد أنه  يمكن القول اليوم أن الثورة الشعبية بشقيها المسلح والمدني٬ تعاني من تراجع واضح منذ النصف الثاني لعام ٢٠١٣ ٬٬ لصالح قوى الثورة المضادة المتعددة التي ذكرناها أعلاه. هنالك حالة إنهاك كبير لدى عموم الشعب السوري نتيجة سنوات طويلة من المعارك الطاحنة والخراب الهائل٬ ومستوى القتل الواسع والدمار الشاسع والترحيل والتهجير الواسعين لحوالي نصف سكان سوريا٬ داخل سوريا أو خارجها٬ هذا الوضع العام الكارثي جعل من الثورة الشعبية في حالة تراجع كبير… بيد أن قدرة الجيش الحر على متابعة القتال-ـ وأقصد المقاومة الشعبية-ـ الذي لا يملك من السلاح والإمكانيات إلا القليل٬ هو نوع من البطولة الرومانسية الرائعة. واستمرار المظاهرات الشعبية في هذه المدينة أوتلك وإن أصبحت مظاهرات محدودة نسبيا إلا أنها تعبر عن مدى تجذر الحراك الشعبي وثوريته٬ في حين أن خروج مظاهرات شعبية واسعة تحت قصف المدافع والطائرات سيكون نوع من الانتحار الجماعي…  اذن٬ إن كان صحيحا حقيقة تراجع  دور المقاومة الشعبية وتراجع الحراك الشعبي٬  لكن المزاج العام للناس في سوريا اليوم هو مع وقف “الحرب” بمعنى أن تقف آلات القتل والدمار. ولكن مزاجها لا يقتصر على ذلك فقط٬ إنها مع رفع الحصار عن كل المناطق المحاصرة والإفراج عن المعتقلين في كل المعتقلات وعودة المخطوفين. وأيضا٬ وفي كل مرة خفتت فيها أصوات المعارك: خرجت الجماهير تهتف للحرية والعدل والمساواة والاستقلال والكرامة الإنسانية. وهذا ما يجري وسيجري في كل مناطق سوريا. ليس ثمة  من قبول أبدا٬ لدى القطاعات الواسعة من الجماهير السورية٬ للعودة إلى أنظمة الاستبداد والقهر.

انتهى “إلى الأبد” حكم الاستبداد٬ والحزب الواحد والعائلة الواحدة والشخص الواحد: سوريا تريد الحرية. هذا هو الشعار الأول للثورة. وما يزال شعار الغالبية العظمى من الجماهير السورية. وأيا كانت مآلات الأمور في الفترة القادمة: لا عودة إلى الماضي٬ ولا قبول٬ بعد اليوم٬ بالاستبداد والاستغلال والقهر. لقد تحطمت القيود.

  • المناضل-ة: إضافة للأنشطة السياسية، وحتى العسكرية في فترات سابقة، والحملات التي تقومون بها، يضطلع تيار اليسار الثوري السوري، الذي تناضل في صفوفه، بجهود هامة في عديد من بلدان المهجر لدعم اللاجئين السوريين. ماهي أهم المبادرات في هذا الصدد؟

 

غياث نعيسة: مع تفاقم الوضع الحياتي لقطاعات كبيرة من السكان، وتزايد حالات التهجير داخليا، عملنا وفق إمكانياتنا، وفي مناطق تواجدنا على توفير أفضل ما يمكن من شروط الحياة للنازحين: تأمين مأوى وثياب ومواد غذائية وأدوية ومازوت للتدفئة الخ… وذلك بالاعتماد على تضامن الناس أنفسهم…

ومع تزايد أعداد اللاجئين خارج البلاد، ساهمنا بتوجيه مؤسسات الإغاثة إلى مخيمات اللاجئين، وقمنا بعدد من النشاطات الإغاثية في بعض المخيمات ولا سيما في تركيا. ومنذ نحو عامين نعمل على استقبال وإيواء أعداد هامة من اللاجئين في اليونان، قبل عام في جزيرة ليسبوس حيث احتلينا مبنى مهجور وحولناه إلى مأوى للاجئين، وقدم لنا السكان مساعدات كبيرة إضافة إلى الجمعيات الإنسانية، ولكن تم طردنا من المبنى. ومع تزايد أعداد اللاجئين في العاصمة اليونانية أثينا، قمنا باحتلال ستة مباني شاغرة… بمساعدة أصدقاء يونانيين ومتطوعين واللاجئين أنفسهم، ويقدم لنا السكان مساعدات طعام وملابس… وبعض الجمعيات الإنسانيه أيضا. تدار مراكزنا هذه بشكل ديمقراطي عبر جمعيات عامة.

الوضع يبقى صعبا جدا، بالنسبة للعدد الضخم للاجئين، ويتجاوز قدرات منظمتنا (تيار اليسار الثوري) بكثير، رغم أننا ندير مراكز تضم نحو 3 آلاف لاجئ في أثينا، إضافة إلى 1600 اخرين يعيشون خارج هذه المراكز. يبقى ما نفعله في تيار اليسار الثوري بخصوص اللاجئين متواضعا مقارنة بحجم المأساة.

 

  •  المناضل-ة: ما الذي يتوجب القيام به لنصرة من لا يزال يقاوم ويقف على أرضية الثورة الشعبية الأصلية؟ (أخذا بالاعتبار وضع اليسار بالمنطقة، اليسار الثوري المتضامن فعلا مع الثورة ضعيف، وقسم من اليسار لا يزال يرى بشار الدموي ممانعا ويعتبر ما يجري بسوريا مجرد مؤامرة إمبريالية صهيونية رجعية)؟

غياث نعيسة: أعتقد بأن ذلك القسم من اليسار- الذي وقف مع نظام برجوازي وفاسد ومجرم لنظام الطغمة في سوريا٬٬ الذي يمارس أبشع أنواع الجرائم بحق شعبه، وأيضا صمت ووقف يتفرج على المذبحة التي تمارس بحق شعب يريد الحرية والكرامة- هذا “اليسار” سقط أخلاقيا وسياسيا. وعليه حمل هذا العار الذي لن تغسله الثرثرات والجمل اليسارية التي يتفوه بها لتبرير هذا الموقف المخزي والشريك لنظام القتل البرجوازي.

لكن مواقف هذا النوع من اليسار المخزي والمصاب بانفصام الشخصية ساهم في تغطية نظام الطغمة وجرائمه٬ كما أنه ساهم٬ أيضا٬ في إضعاف صوت المناضلين ـ ات اليساريين السوريين المنخرطين في الثورة٬ في حين يقوم فيه نظام الطغمة باعتقالهم وقتل بعضهم وتهجير آخرين منهم. إن موقف هكذا يسار يشابه كثيرا موقف الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوربية، وخيانتها للاشتراكية الثورية بعد الحرب العالمية الأولى٬ حيث دعمت برجوازيتها في حربها الإمبريالية. قد لا تقف أغلب منظمات هذا اليسار المخزي الذي نعنيه مع حكوماتها البرجوازية٬ إلا أن موقفها دعم لنظام برجوازي ديكتاتوري ودموي هو النظام السوري٬ يقارب موقف الاشتراكية الديمقراطية المذكور٬ فهو ارتداد عن المواقف الاشتراكية الأساسية: ضد النظام الرآسمالي العالمي وتجلياته المحلية وضد الدكتاتوريات ومع الوقوف مع كفاح الجماهير الشعبية من أجل تحررها.

لا يقتصر تأثير الثورات في المنطقة على الصعد السياسية والاجتماعية فحسب٬ بل إن لها تبعات ايديولوجية ونظرية وعملية٬ أيضا. لقد كشف تفاوت المواقف والتحليلات تجاه الثورات الشعبية الجارية عن اصطفافات جديدة داخل اليسار عموما٬ واليسار الجذري بشكل أخص. وفضحت التشوش والانحطاط الفكري والعملي لدى بعض أطرافه٬ على ضوء مواقفه من الثورات الشعبية.

لاشك بأن أي تنظيم من اليسار الجذري٬ في أي بلد كان٬ يقف مع نظام برجوازي ودكتاتوري في بلد اخر يسحق انتفاضة شعبه من أجل الحرية والعدل٬ إنما يفقد صدقيته في بلده نفسه٬ ويضع المبادئ الفكرية التي يدعي تبنيها٬ كما إستراتيجيته في بلده موضع شك كبير… كيف يمكن للجماهير أن تثق بحزب هلل أو صمت عن مذابح جرت بحق الجماهير الشعبية في بلد اخر يقوم بها نظام رأسمالي ودكتاتوري؟

ولذلك٬ فان حملات التضامن مع كفاح المنظمات التقدمية والجماهير الشعبية في سوريا يبقى ملحا.

يمكن أولا أن نشير إلى ضرورة تعزيز حملات إنسانية تدعو إلى فتح الحدود والاستقبال اللائق للاجئين. وأيضا حملات الإغاثة والمساعدات الطبية التي يمكن إرسالها إلى كافة المناطق المحاصرة والمدمرة ولمخيمات اللاجئين. ثانيا٬ يمكن القيام بحملات من أجل وقف الحرب والتدخلات الإقليمية والإمبريالية كلها٬ وإن يقرر الشعب السوري مصيره بنفسه بكل حرية وديمقراطية. ثالثا٬ على القوى اليسارية والديمقراطية دعم مثيلاتها في سوريا٬ وأشكال التضامن في هذا المجال تتراوح من الدعم المعنوي والسياسي إلى الدعم الإعلامي وتبادل الخبرات والدعم اللوجستي…

إننا عشنا، في منظمتنا تيار اليسار الثوري٬ خلال السنوات الست الماضية٬ اختبار النار في ثورة جماهير من أجل حريتها٬ بنينا المنظمة في أكثر الشروط صعوبة وقساوة٬ ونتابع العمل من أجل بناء الحزب الاشتراكي العمالي بكل صبر ومثابرة وإصرار… وأيضا اختبرنا بالمعنى العملي والملموس ما تعنيه الأممية والتضامن الأممي٬ فقد وقفوا٬ وما زالوا٬ معنا رفاق رائعون في المنطقة والعالم… ذاكرة الكفاح المشترك لا تمحى٬ إننا نكن تقديرا كبيرا لكل الرفاق والاصدقاء الذين وقفوا معنا ومع كفاح شعبنا٬ بكل إمكانياتهم… وفي الوقت نفسه٬ فاننا نشعر بمرارة وألم كبيرين ممن تخلى عن واجبه الإنساني والأممي، ولا يخجل حتى الان من تسمية نفسه باليساري.

إننا نتابع نضالنا مع الجماهير الشعبية في بلادنا، من أجل الحرية والمساواة والكرامة الإنسانية واستقلال بلادنا من كل هيمنة أو احتلال أو وصاية والعدالة الاجتماعية. ومهما كان الوضع الراهن قاسيا وصعبا٬ لكننا نعمل بجدية على بنآء جبهة متحدة للقوى اليسارية٬ أولا.  وايضا جبهة ثانية أعرض تشمل القوى الشعبية اليسارية والديمقراطية الثورية.

سنتابع النشاط الثوري والمقاومة الشعبية٬ فالدينامية الثورية ما تزال مستمرة٬ والمهمات الملقاة على عاتق القوى الثورية والطبقات الشعبية لم تنجز بعد.

وكما قال مهدي عامل: “لست مهزوما ما دمت تقاوم”.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *