لا الجوع ولا الركوع !

لا الجوع ولا الركوع !

منذ انطلاق الثورة قبل خمسة أعوام مارس نظام الطغمة سياسة وحشية بحق الجماهير الشعبية الثائرة. وسريعا ما قام بتطبيق سياسة الارض المحروقة بحق المناطق الثائرة ، بقتل الناس وتدمير البنى والبيوت وتهجير السكان. ولكنه أضاف لذلك سياسة الحصار والتجويع لعديد من المناطق في ريف دمشق وحمص وادلب ودير الزور وغيرها. ورفعت قواته وميليشياته شعار : الجوع او الركوع.

وبالرغم من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الكارثية في عموم البلادالتي حولت معظم الشعب السوري الى وضع الحضيض على مستوى الحياة اليومية، وخلقت هذه الأوضاع البائسة طبقة جديدة من تجار الدم امتصت الرمق الاخير من قدرات أهلنا ، رغم ذلك لم يتردد نظام الطغمة بفرض حصار قاتل على ما يقارب عشرين منطقة، نحو أربعة ملايين شخص يحصلون بصعوبة شديدة على المساعدات الانسانية ، وحوالي نصف مليون اخرين من المدنيين يعانون الحصار والتجويع الشديدين ، حالة تدفع بالناس البسطاء الى حياة الجحيم والموت جوعاً ان لم يموتوا قتلا.
ما هو اكثر بؤسا ان هذه السياسة المجرمة بحق المدنيين لم تعد حصرا لنظام الطغمة وحده، بل تمارسه القوى الرجعية المعادية للثورة في عدد من المناطق التي تقع تحت سيطرتها، وفيها أيضاً يزدهر تجار الدم والحروب.
وإذا أضفنا الى ذلك ان أعداد القتلى والجرحى والمخطوفين والمعتقلين يقارب المليون ونصف، وان نصف عدد السكان قد هاجر او نزح عن دياره، تكتمل صورة التعب والانهاك الكبيرين التي أصابت الشعب السوري برمته -باستثناء البرجوازية وتجار الحرب- الذي اصبح احد مطالبه الرئيسية وقف آلة القتل والدمار لقوى الثورة المضادة باطيافها المتعددة . هذه الرغبة بالسلام لدى الجماهير السورية ليست معزولة عن مطالب أساسية ثارت الجماهير من اجلها : الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية.

لكن النظام ، من جهة، لا رغبة له بإيقاف حربه قبل ان يتحقق له السحق الكامل لإرادة الشعب بالتخلص منه، وهو الذي يستقوى منذ أيلول الماضي بالتدخل العسكري الروسي المباشر، وقبله التدخل الإيراني وحزب الله. ومن جهة اخرى، لا ترغب القوى الاسلامية الرجعية ، هي الاخرى، وقف الحرب، فقد وضعت يديها على أراض وموارد وسكان ترغب بتحقيق إماراتها الرجعية والحفاظ على مواردها المالية ومناطق نفوذها. ولا الدول الإقليمية ترغب بذلك أيضاً، فهي تدعم فصائل مقاتلة لتحقيق مصالحها في سوريا على حساب دماء السوريين. وما كان أصلا هدف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة إسقاط نظام الأسد . بل وضع قدم له في بلادنا تحقيقا لمصالحه الأنانية.
اما المعارضة المكرسة والمرتهنة، فقد اثبتت وخلال سنوات الثورة انها عبئ عليها وعائق لها، ولا يمكن الرهان عليها باطرافها المتنازعة على كسب ود القوى الإقليمية واعترافها بها كطرف مفاوض على حساب مصالح الشعب السوري، لتمرير ما تتوافق عليه القوى الإقليمية والدولية في بلادنا.
ان تعب وانهاك الجماهير الشعبية لا يعني استسلامها لقوى الثورة المضادة. فقد قامت مظاهرات وحملات تضامن مع مضايا ودير الزور والمدن المحاصرة ، كما شهدت مدن ريف دمشق وادلب وحلب وغيرها من المدن نهوضا للحراك الشعبي يستعيد شعارات الثورة الشعبية ويواجه القوى الرجعية المعادية للثورة.
لكن القوى الثورية، تهمشت وضعفت وتشتت، نتيجة أسباب عدة ، سياسية وتنظيمية ( او بالأحرى غياب الاطر التنظيمية) ، والاهم نتيجة للقتل والقمع الذي تعرضت له مما أدى الى فقدان افضل مناضليها الذين اما قتلوا او اعتقلوا او هاجروا الى بلدان العالم حاملين معهم ، في غالب الأحيان نفس التشتت والتهميش. وساهم انحسار الحراك الشعبي وتراجعه في مفاقمة الوضع المضعضع للقوى الثورية، في لحظة حاسمة من تاريخ بلادنا وثورته. فالنظام الدكتاتوري يعزز فرص بقائه والمعارضة الليبرالية مرهونة للإرادات الدولية والإقليمية اضافة الى نفوذ واسع للقوى الرجعية السلفية والجهادية المعادية للثورة وتدخل إقليمي وامبريالي متعدد الأطراف والمصالح.
ان ترك هذه الأطراف المعادية للثورة تقرر مصير شعبنا وبلادنا هي الهزيمة الكبرى التي يجب علينا حشد كل طاقاتنا من اجل مواجهتها.
الخطوة الأهم على هذا الطريق هو بناء تحالف عملي لقوى يسار الثورة- يمكن ان يكون لاحقا مبادرا لتحالف أوسع لقوى الثورة اليسارية والديمقراطية- يسمح لها باسماع صوتها وبالفعل المؤثر المرتبط بكفاح الناس من أسفل .
يدافع عن أهداف الثورة في إسقاط نظام الطغمة ومن اجل الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والعلمانية والكرامة الوطنية التي تعني مواجهة ورفض تدخلات القوى الإقليمية والإمبريالية في بلادنا. فالجماهير الشعبية السورية وحدها تمتلك حق تقرير مصيرها بنفسها.
السلام والخبز والحرية والكرامة الوطنية!

تيار اليسار الثوري في سوريا
—-
إفتتاحية العدد ٣٣ لشهر يناير ٢٠١٦ من جريدة “الخط الأمامي “٬ لسان حال تيار اليسار الثوري في سوريا.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *