الثورة المضادة، وتنظيم “الدولة الإسلامية”

الثورة المضادة، وتنظيم “الدولة الإسلامية”

مجلة الثورة الدائمة
العدد الخامس – آذار ٢٠١٥
الدولة: 
سوريا
الملف: 
الحركات الاسلامية
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

منذ شهر حزيران الماضي، يبدو العالم، وفق وسائل الأعلام الكبرى العالمية، وبحسب تصريحات قادة الدول الامبريالية الكبرى، بل وحتى الدول الاقليمية، وكأنه يتعرض لخطر غير مسبوق وداهم لا يمس فقط أمن دول المنطقة العربية، بل يتجاوزها الى تهديد «السلم العالمي». انه «سرطان» وخطر على «الأمن القومي» للدول الامبريالية الشرقية، والغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لدرجة أن مجلس الأمن أصدر قرارا في ١٥ آب/أغسطس ٢٠١٤ برقم ٢١٧٠، وتحت البند السابع الذي يجيز استخدام القوة بحق تنظيم الدولة الاسلامية- وجبهة النصرة لأهل الشام، اللذين وصفهما القرار بالارهابيين، وقرر عقوبات تمس كل شكل من أشكال تقديم الدعم أو العون لهما.ويأتي هذا التهويل بخطر تنظيم «الدولة الاسلامية»، بعد اعلانها قيام دولة الخلافة الاسلامية في ٣ تموز/يوليو من العام الماضي.

العراق، بلد محطم

كان العراق يعاني نظام حكم دكتاتورياً ودموياً، تحت ظل حكم البعث، منذ العام ١٩٦٨، بقيادة أحمد حسن البكر ومن ثم صدام حسين، هذا النظام الذي ساد في بلد غني بثرواته الطبيعية وخاصة النفط، سحق الحركة العمالية والشيوعية، التي كانت واحدة من الأكثر جماهيرية ونشاطاً، في عموم بلدان المنطقة. كما فعل كل ما في وسعه لسحق حركة التحرر القومية الكوردية، بكل الوسائل الوحشية، ومنها استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين، في حلبجة.

ولقد تميز حزب البعث الحاكم سابقاً، في العراق، على رغم تشابهه بالوحشية، مع شقيقه ومنافسه البعث الحاكم في سوريا، في ظل الأسد الاب، ومن ثم وريثه الابن، بأن بعث العراق كان أكثر شوفينية من الثاني، فهو حزب يستند في تبرير «شرعيته»   إلى فكرة القومية العربية الشوفينية. فهو لم يتردد باتهام غالبية «الشيعة» والكورد، التي كانت تشكل الجسم الاساسي للجماهير المفقرة والشعبية، والحاضنة الاساسية  للحركة العمالية والشيوعية، بأنهم «ايرانيون»، في اصولهم او صفويون، كما هو شائع في الخطاب الشوفيني القميء، بالنسبة للأوائل، وعملاء لاسرائيل، بالنسبة للاخيرين.

ثلاثة عقود من الحروب والدمار والخراب

العراق، كبلد، يعيش فعلاً حالة حرب، منذ العام ١٩٨٠. اي اكثر من ثلاثة عقود من الزمن، مع ما لذلك من آثار كارثية على المجتمع العراقي على كل الصعد. فقد خاض نظام صدام حسين البرجوازي الدكتاتوري حربه الاولى، او ما يسمى بحرب الخليج الاولى، عام ١٩٨٠ ضد ايران، حرباً دامت ثمانية اعوام، وسببت دماراً هائلاً في العراق.  اذ يتراوح تقدير الخسائر في البنى التحتية للعراق نتيجة هذه الحرب ما بين ٢٠٠ الى ٣٥٠ مليار دولار.

وبعد نحو عامين من انتهاء حرب نظام البعث في العراق ضد ايران، قام النظام البعثي في بداية آب/أغسطس١٩٩٠ بغزو الكويت، بنتيجة خلاف على حقول النفط وتغير سياسات السعودية ودول الخليج تجاهه، من التحالف معه الى السعي لتحجيمه. واستخدمت الامبريالية الاميركية هذا الغزو كذريعة لها، لإعادة تأكيد هيمنتها، ليس فقط في المنطقة، بل على الصعيد العالمي، ولا سيما انه ترافق مع دينامية انهيار الكتلة الشرقية والاتحاد السوفياتي، من أجل أن تشن بداية عام ١٩٩١ حرباً مدمرة ضد العراق، وتدمر قواته في الكويت، فيما سمي بحرب الخليج الثانية، وهو ما كلف العراق دماراً اضافياً، في بناه التحتية، تقدر كلفته بنحو ٢٣٢ مليار دولار. وتلا حرب الخليج الثانية حصارٌ امبريالي قاتل للعراق، وبين الاكثر وحشية، دام لغاية الغزو الاميركي للعراق، عام ٢٠٠٣، أو حرب الخليج الثالثة، التي حطمت ما تبقى من الدولة والمجتمع العراقيين. ووحدهما حربا الخليج الاولى والثانية كلفتا الشعب العراقي وفاة ما يقدر بمليون ونصف مليون شخص مدني وعسكري.

ويقدر اجمالي الخسائر التي تحملها وسيتحملها العراق نتيجة هذه الحروب بنحو تريليون- الف مليار- و١٩٣ مليار دولار. بمعنى آخر، ان ثروات العراق النفطية قد تم بيعها مسبقاً، لفترة الـ ٨٥ عاماً القادمة. ولكن الامبريالية الاميركية هزمت في العراق، واضطرت للانسحاب منه عام ٢٠١١، بعد مقاومة باسلة من الجماهير العراقية بكل تلاوينها السياسية. بيد ان هذه الامبريالية أقامت، قبل انسحابها، نظاماً سياسياً ركيكاً وفاسداً يقوم على المحاصصة الطائفية لم يفعل سوى مفاقمة الوضع الكارثي والمجحف بحق الغالبية العظمى من العراقيين. فعلاوة على الظلم الاجتماعي والسياسي الذي تعرضت له قطاعات واسعة من العراقيين  بفعل ممارسات اقصائية طائفية، أسهمت سياسات «اجتثاث البعث» في إقصاء مئات الالاف من الموظفين، والعسكريين العراقيين من النظام السابق، وهو ما أضرم في نفوس الكثيرين منهم عداء لا حدود له للنظام، الذي اقامه الاحتلال الاميركي، ليس دوماً كرد فعل سياسي على هذا الغبن، بل على شكل غبن طائفي تعرضوا له. وهو ما فاقمته سياسات نوري المالكي الطائفية والفاسدة.

في التأسيس

أصبح معروفاً ومكررا في العديد من الكتابات أن التشكيل الأولي لما بات يعرف بداعش هو «جماعة التوحيد والجهاد»، التي أسسها الأردني أبومصعب الزرقاوي (احمد فاضل الخلايلة)، عام ٢٠٠٤، بعد الغزو الاميركي للعراق، وتوافد مجموعة كبيرة من الجهاديين اليه لمقاومة ذلك الغزو، ليصبح اسم الجماعة، بعد مبايعته بن لادن «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين». ولكن بعد مقتل الزرقاوي في ٧ حزيران/يونيو ٢٠٠٦، أُعلن في ١٥ ت١/اكتوبر من نفس العام عن تشكيل «دولة العراق الاسلامية» باندماج عدد من التنظيمات الجهادية، ولا سيما مجلس شورى المجاهدين في العراق، وتنظيم القاعدة. وفي ١٩ نيسان/ابريل ٢٠١٠، خلف كلٌّ من ابي عمر البغدادي وابي حمزة المهاجر الزرقاوي في قيادة المنظمة، ليتم بعد ذلك انتخاب ابي بكر البغدادي (ابراهيم عواد البدري السامرائي) زعيماً لها، ويعين نفسه خليفة، لاحقاً.

وقد عرفت «دولة العراق الاسلامية» بأنها من اقوى التنظيمات على الساحة العراقية، وخاصة انها بدأت بجذب العشرات من ضباط نظام صدام حسين، البعثيين، ولا سيما بعد ان تلاشت قوى عسكرية اخرى كان يعمل فيها هؤلاء الضباط، مثل كتائب ثورة العشرين والجيش الاسلامي وجيش محمد وجيش الطريقة النقشبندية. والاخير من أصول بعثية اعتنق اطروحات اسلامية لتسويق نفسه في وسط اجتماعي سني، عندما لم يعد يجد تعبيراً سياسيا له في النظام السياسي الذي اقامه الاحتلال الاميركي. هذا فضلاً عن مجموعات مسلحة أخرى معارضة للاحتلال الاميركي وللنظام السياسي الذي شكله الاحتلال القائم على المحاصصة الطائفية. وهي مجموعات كانت باغلبها تحمل طابعاً دينياً او طائفياً متزايداً سمح ببروزه، من جهة، الخراب الاجتماعي والاقتصادي للبلاد، ومن جهة أخرى، التمييز الطائفي والسياسي الذي تعرض له «السنة» من النظام الطائفي الذي اقامه الاحتلال، وما ادى اليه ذلك من مشاعر الغبن المتزايدة في اوساطهم. وكان احد هؤلاء الضباط البعثيين، الذين لعبوا دورا هاما في تحسين الوضع التنظيمي والاداء العسكري والاستخباراتي لدولة العراق الاسلامية، هو العقيد الركن حجي بكر (واسمه الحقيقي سمير الخليفاوي)، اضافة الى اسماء كثيرة لم يرشح للعلن سوى القليل منها، مثل العميد ابومهند السويداوي والعقيد ابو مسلم التركماني وعبد الرحيم التركماني وعلي أسود الجبوري والمقدم ابو عمر النعيمي والمقدم ابو احمد العلواني والمقدم ابو عبد الرحمن البيلاوي والمقدم ابو عقيل موصل وابو علي الانباري. وهؤلاء الضباط من قادة التنظيم، إضافة الى كثيرين غيرهم (١).

هذا الاندماج وبالاخص ما بين الضباط البعثيين – وهم تربية نظام استبدادي وعقائدي يقوم على فكر قومي شوفيني- وتيارٍ تكفيري يستند لنهج السلفية الجهادية المعروف لتنظيم القاعدة، في ظروف العراق المذكورة، هو ما يعطي لتنظيم «دولة العراق الاسلامية»، الذي اصبح اسمه لاحقاً الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش)، خصوصية تميزه عن بقية التنظيمات الجهادية التقليدية. فالقتال بالنسبة له هو لبناء دولة (الخلافة)، بصيغتها الاكثر رجعية وشراسة، الآن وهنا في الارض، وفق استراتيجية عسكرية وسياسية واقتصادية واعلامية واضحة، على انقاض كل ما هو ديمقراطي وتقدمي في المجتمع..

وفي كل الحالات، فقيادة تنظيم داعش الاساسية هي في غالبيتها العظمى عراقية، حيث يقال إن العشرين القياديين الأهم في هذا التنظيم،  جميعهم عراقيون، باستثناء سوري واحد.

تشكيل داعش

أدرك النظام السوري خطورة استمرار المظاهرات الجماهيرية السلمية، فعمد منذ البداية الى توصيفها بالارهابية والتكفيرية، وإلى تهييج المشاعر الطائفية، عبر بث اجهزة امنه المتواصل، وخاصة في العام الأول للثورة، أفلام فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي، باعتبارها تلك التي يتابعها الكثير من الناشطين مع الثورة، تعرض مشاهد تعذيب وقتل قوات النظام للمتظاهرين بكل وحشية وعلى خلفية طائفية حرصت هذه الافلام على التركيز عليها، بكل خبث ودهاء. كما قام النظام، في النصف الثاني من عام ٢٠١١ ومطلع عام ٢٠١٢ بإطلاق سراح المئات من الجهاديين القابعين في سجونه، والذين اعتقلهم بعد عودتهم من العراق.

وكانت مجموعة جبهة النصرة الاساسية تنشط في العراق من ضمن مقاتلي «دولة العراق الاسلامية»، وارسلتهم هذه الاخيرة في النصف الثاني من عام ٢٠١١ الى سوريا، لتشكيل فصيل للقاعدة فيها. وهذا ما فعلته بنجاح جبهة النصرة، التي بدأ اسمها بالبروز في بداية عام ٢٠١٢، وحازت شيئاً من الشهرة والنفوذ بسبب شجاعة مقاتليها، وانضباطهم حينئذ، كما انها لم تطرح في بداياتها مشروعا لبناء دولة اسلامية، على الاقل علنا، اضافة الى تسليحها الجيد الذي كان يفوق تسلح كتائب الجيش الحر، وهذا ما دفع ببعض الشباب السوري الى الالتحاق بها.

وبدأ منذ نيسان/أبريل ٢٠١٣ تَفارُق بين شقي التنظيم الواحد التابع للقاعدة في سوريا، واحد رفض الالتحاق بداعش والآخر التحق بها، وان كان كلاهما ينهلان من نفس الايديولوجية الدينية الرجعية والارهابية. الا ان تنازع الاستراتيجيات والمصالح بينهما تفاقم ليصل الى حد الصراع المسلح.

وفي السجال، الذي دار بين الطرفين، من المفيد ملاحظة تأثير هذا التزاوج، المذكور اعلاه، بين بعض القوميين البعثيين وتيار السلفية الجهادية داخل داعش، فقد رد ابو محمد العدناني، في ٢٠ حزيران/يونيو ٢٠١٣، على دعوة ايمن الظواهري لحل داعش، وان تستعيد كل منظمة اسمها، وحدود عملها، اي دولة العراق الاسلامية في العراق،  وجبهة النصرة في سوريا، قائلاً: «اذا التزمنا بقرار حل الدولة… (فان) وجود ولاية مكانية تكريس لحدود سايكس بيكو». وبالفعل فأحد الاعمال الرمزية، التي يعتمد عليها كثيراً تنظيم داعش في كل اعماله، هو جرف جزء من الحدود التي تفصل بين العراق وسوريا، وتصويره ونشر صورته على نطاق واسع، في بداية شهر حزيران/يونيو ٢٠١٤.

بل إن هذه النفحة «القومية» والاسلامية المتشددة لدى داعش تتجاوز حدود العراق وسوريا، لتعيد انعاش ذاكرة الامبراطورية الاسلامية، واستحضار ماضٍ غابر. فأبو بكر البغدادي نفسه يؤكد في كلمة له بتاريخ ٣٠ تموز/يوليو ٢٠١٣: «نجدد العهد للأمة، ألا يطيب لنا عيش حتى نحرر أسرى المسلمين في كل مكان، وحتى نعيد القدس، ونرجع الأندلس، ونفتح روما»، في خطاب يداعب المشاعر القومية والدينية، ويبدو مناهضاً للدولة الصهيونية، وايضاً للغرب، وان كان من وجهة نظر شديدة الرجعية.

ويؤكد المذكور في رسالته اهتمام داعش بالقتال والعنف اساساً، حتى في مجال الدعوة.  فهو يشدد على أن «القتال جزء من الدعوة أيضاً، والناس يجب أن تجر الى الجنة بالسلاسل» (٢).

وركز العدناني في كلمته على أهمية قيام «الدولة الاسلامية»، حتى لو لم تتوفر لها شروط التمكين. يضاف الى ذلك تمييز آخر لداعش عن غيرها من التنظيمات الجهادية، هو أن موقفه من القوى الاخرى لا يقوم حقا على قرار الآخرين من الاسلاميين اعتناق الاسلام «الصحيح»، والايمان وممارسة الشعائر الدينية، بل انه يشترط منهم ولاءهم للدولة التي تنوي «الدولة الإسلامية» بناءها، حتى قبل اعلان قيام دولة الخلافة. وفي حين كان الظواهري يصف الاخوان المسلمين في مصر بـ «إخواني»، فالعدناني يقول عنهم في رسالة بعنوان «السلمية دين من؟»، بتاريخ ٣١ آب/أغسطس ٢٠١٣: «ان الاخوان ليسوا إلا حزباً علمانيا بعباءة إسلامية، بل هم شر وأخبث العلمانيين» (٣).

هنالك نوع من القطيعة، الفكرية والسياسية، بين داعش وطيف من القوى الاسلامية، التي تتفاوت في رجعيتها، ومن ضمنها القوى الجهادية التي كانت معروفة قبلها، مثل تنظيم القاعدة وفرعه السوري. ولهذا النوع أسسه المادية التي سبق ان ذكرنا الارضية التي نمت عليها. فقد تميزت داعش في سوريا باعتمادها الاساسي على قيادات ومقاتلين نسبةٌ غالبةٌ منهم من أصول غير سورية، في حين أن جبهة النصرة طغت على مقاتليها والعديد من قياداتها أصولهم السورية، وهذا ما قد يفسر، جزئيا، مراعاتها لخصوصية الوضع السوري، مقارنة بتنظيم داعش الذي غلب على قياداته وكتلة كبيرة من مقاتليه انتماؤهم غير السوري. اضافة الى ان النزاع بينهما يدور حول السيطرة والنفوذ الماديين، ولا سيما على مصادر الثروة، مثل آبار النفط والمعابر الحدودية.

وجاء احتلال داعش للموصل في العراق  في ١٠ حزيران/يونيو ٢٠١٤، بسرعة كبيرة، والتمدد نحو المناطق الكردية والايزيدية، وارتكاب المجازر البشعة بحق العسكريين والمدنيين، ليمهد لاعلان هذا التنظيم قيام ما سبق ان دعا له بصراحة، وهو اقامة دولة الخلافة، في ٢٩ حزيران/يونيو ٢٠١٤، ومبايعة قائد التنظيم ابي بكر البغدادي كخليفة، ليصبح لداعش حضور متواصل، ما بين دولتين هما العراق وسوريا، مسيطرٌ على نحو ثلث من مساحة كلا البلدين.

ورويداً رويداً، طغى نفوذ الجماعات الاسلامية المتشددة على مشهد العمل المسلح في المناطق «المحررة»، وذلك بسبب ضعف تنظيم وتسليح الجيش الحر، وتخلي دول مجموعة «أصدقاء الشعب السوري»، التي وعدت بتسليحه، عن الوفاء بوعودها، والاحرى انها لم تكن تنوي ذلك اصلا، بل قدمت له بالكاد من السلاح الخفيف ما يسمح بعدم ابادته. في حين وفرت دول اقليمية، مثل قطر والسعودية وتركيا، اضافة الى شبكات ضخمة داعمة للجهاد الاسلامي، في دول الخليج وغيرها، وفرت للمجموعات الاسلامية المتشددة سلاحاً ومالاً بلا حدود، ما سمح لها بفرض هيمنتها، التي اصبحت واضحة في نهاية عام ٢٠١٤، على معظم المناطق التي تخرج عن سيطرة النظام.

نمو داعش والاسلاميين المتشددين في سوريا يشترط خراباً اجتماعياً

لا بد من وضع سيطرة الثورة المضادة الرجعية المتزايدة، في المناطق «المحررة»، وبالاخص تنظيم الدولة الإسلامية، ولكن ايضاً النصرة واحرار الشام وغيرها من المجموعات الجهادية الشديدة الرجعية، في سياقها الزمني، اي مع ربيع عام ٢٠١٣ وما تلاه من اعلان تشكيل داعش، في ٩ نيسان/أبريل ٢٠١٣.  كما لا بد من ربطها في سياق الوضع الاجتماعي العام للجماهير السورية، في المناطق المحررة، هذه الجماهير التي كانت تعاني حرباً ضروساً تشنها عليها قوات النظام، دمرت البنية المجتمعية والاحياء والبلدات، وكل مكونات الحياة فيها، المدينية والزراعية، وذلك بمواجهة قوات ضعيفة التسليح والتنظيم والشعبية، هي تلك التي يطلق عليها اسم «الجيش الحر».

ولرسم صورة عما كانت تعانيه جماهير المناطق المحررة في بداية عام ٢٠١٣، تفسِّر، الى حد ما، الشروط الموضوعية التي سمحت بتمدد القوى الاسلامية الجهادية الرجعية  وفي مقدمتها داعش، فإن تقريراً صدر بعنوان «الواقع الاقتصادي الاجتماعي في ظل الثورة السورية»، بتاريخ ٢٤ ت٢/نوفمبر ٢٠١٣، عن «مركز سورية للبحوث والدراسات»، يختصر صورة الوضع في المناطق «المحررة»، في آذار/مارس من العام نفسه، هكذا:

«وفي حالة سورية، فقد أثرت العمليات العسكرية والقصف والاعتقال والتشرد والنزوح بشكل مأساوي، في الوضع الإنساني والاجتماعي للسوريين. فبالرغم من تنامي دور المجتمع المدني،أدت الأزمة إلى تدهور في العلاقات الاجتماعية وانتشار للتطرف والتعصب. وتأثرت سلباً القيم والأعراف الاجتماعية، من خلال تأجيج أفكار وسلوكيات الانتقام من الآخر، وتسبب كل ذلك في خسارة كبيرة في الانسجام والتضامن الاجتماعي والموارد البشرية، على المستويين الاجتماعي والثقافي، يصعب تعويضها، وساهم ذلك في نشوء الكسب غير المشروع، باستخدام العنف، ما يعزز عوامل التنمية العكسية.

وبالطبع، فالعدد زاد منذئذ، فأكثر من نصف سكان سورية فقراء، من بينهم ٦٫٧ مليون دخلوا خط الفقر منذ بدء الثورة، وخسر، لغاية ربيع عام ٢٠١٣، حوالى ٢٫٣ مليون موظف وعامل، وظيفتهم وعملهم، واصبحت البطالة حوالى ٥٠ بالمئة.

ورداً على من كان يتساءل عن دور العمال- الذين شاركوا في المظاهرات منذ بداية الثورة، وان يكن بصفاتهم الشخصية اغلب الاحيان، نتيجة لغياب هياكل نقابية مستقلة لهم، او احزاب سياسية وثورية ينخرطون فيها، حيث لا يسمح قانون الطغمة الحاكمة سوى لحزب البعث والاحزاب التابعة له، كالحزب الشيوعي البكداشي، بأقسامه العديدة التي تتميز بانتهازيتها وخيانتها لكفاح الطبقة العاملة، بالعمل في اوساط العمال- يشير التقرير المذكور إلى أنه: «تم تسريح أكثر من 85 ألف عامل خلال عام الثورة الأول، وكان نصف عدد المسرحين من العمل من نصيب محافظتي دمشق وريفها، وهذا العدد لا يشمل محافظات حمص وحماه وإدلب… حيث يشار بحسب الأرقام الرسمية إلى أن 187 منشأة من القطاع الخاص تم إغلاقها بشكل كامل خلال الفترة من 1/1/2011 ولغاية تاريخ 28/2/2012. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام لا تحمل مصداقية عالية، فعدد الورش والمصانع المغلقة يقدر بـ5000 مصنع وورشة، هذا عدا عن المحلات والأسواق الكاملة التي تمت سرقتها وتدميرها، في حمص وحلب وغيرها من المحافظات».

يضاف الى ذلك ان عدد المنازل التي دمرت بشكل كامل، في بداية عام ٢٠١٣، يقدر بنحو نصف مليون منزل، يضاف لها نصف مليون آخر لمنازل تدمرت بشكل جزئي. هذا الوضع المأساوي ادى عام ٢٠١٣ الى ان ثلث عدد سكان سوريا، وهم من المناطق الثائرة اساسا، قد تحولوا الى لاجئين في البلدان المجاورة او الى نازحين في مناطق اخرى اكثر اماناً، داخل البلاد. طبعا،ً اصبح في عام ٢٠١٤ نصف سكان سوريا لاجئين او نازحين.

على هذه الارضية الاجتماعية والاقتصادية، من الخراب العام والتفكك الاجتماعي، والتصحر الانساني، استطاعت داعش، بشكل اساسي، والمجموعات الاسلامية الرجعية والجهادية، النمو والسيطرة. وان كان الشرط الآخر لقدرتها على تحقيق ذلك هو تهميش وسحق الجيش الحر، باعتباره، في اغلبه، الشكل الشعبي للمقاومة، في وجه عنف السلطة البعثية ووحشيتها، وابن الثورة الشعبية. وهو ما قامت به داعش والنصرة، وشقيقاتهما من المجموعات الجهادية.

نمو داعش والثورة المضادة يشترط ايضاً سحق الحراك الشعبي والديمقراطي

لعل نموذج مدينة الرقة، وهي المدينة الاولى، التي تحررت من قوات نظام الطغمة في ٤ آذار/مارس ٢٠١٣، هام في توضيح ممارسات داعش، تجاه الحراك الشعبي. فقد عاشت هذه المدينة حيوية ثقافية وسياسية وشعبية كبيرة، بعد تحريرها من قوات النظام، ولغاية وقوعها في قبضة داعش. ويشير تقرير لصحيفة صاندي تلغراف نشرته الصحيفة في ٣٠ آذار/مارس ٢٠١٤، عن مراسلها ريتشارد سبنسر: «ان مدينة الرقة خضعت لسيطرة المعارضين من الفصائل الليبرالية، حيث كانت المدينة الواقعة شمالي سوريا تشهد حلقات نقاش للأفكار الفلسفية والسياسية، في حلقات متعددة، لدرجة ان احدى الفصائل كانت تشارك في زراعة الأشجار والخضروات لحماية البيئة، في محمية في قلب المدينة… وانطلقت النشاطات الاجتماعية بقوة وحيوية مثيرة للإعجاب، وقام النشطاء بعدة فعاليات مثل حملة (شوارعنا تتنفس حرية)، وحملة (علمنا)، وحملة (رغيفنا)، ومعرض الاعمال اليدوية والفنية، التي ذهب ريعها الى اهالي الشهداء، وحملة (جنة يا رقتنا)، وهي المبادرة كل يوم جمعة لتنظيف احد شوارع المدينة، وما إلى ذلك.

وقد كان حال مدينة الرقة هو حال اغلب المدن والمناطق «المحررة»، قبل استيلاء داعش عليها. فرغم ممارسات عدد من الكتائب الاسلامية الاخرى، او غيرها، العنيفة ضد هذا الناشط او ذاك، او اعتقال هذا او ذاك، او بعض الاعدامات التعسفية التي قامت بها، لكن ممارسات داعش تميزت من سواها، بشموليتها العنفية، ضد اي نشاط مستقل او ديمقراطي، وفرضها بالعنف والقوة لايديولوجيتها، مع فرضها بالعنف لممارسات اجتماعية رجعية، على عموم السكان الواقعين تحت سيطرتها.

وقد نشرت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة تقريرها،  تحت عنوان (حكم الرعب: العيش تحت الدولة الاسلامية في سوريا)، بتاريخ ١٤ ت٢/نوفمبر ٢٠١٤، واشارت فيه الى ان تنظيم داعش قد «بث الرعب في سوريا عبر ارتكاب جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب». ودعت الى ملاحقة زعمائه امام المحكمة الجنائية الدولية. واكد التقرير الذي استشهد بحوالى ٣٠٠ شهادة للضحايا وشهود العيان، ان تنظيم داعش «يسعى الى السيطرة على كافة نواحي المدنيين في المناطق الخاضعة له، من خلال الترهيب، والتلقين القسري لعقيدته، وتقديم الخدمات لمن يذعنون له». كما انه «ينتهج سياسة العقوبات التمييزية، مثل الضرائب، او الارغام على تغيير الدين، على اساس الهوية القومية او الدينية، وتدمير اماكن العبادة والطرد المنهجي للاقليات». واضاف التقرير ان داعش قام «بقطع رؤوس ورجم رجال ونساء واطفال في الساحات العامة، في بلدات وقرى شمال شرق سوريا»، و«علقت جثث الضحايا على اعمدة لمدة ثلاثة ايام، ووضعت الرؤوس فوق بوابات الحدائق، لتكون بمثابة تحذير للسكان حول عواقب عدم الانصياع لسلطة الجماعة المسلحة». وكشف التقرير عن عمليات الاغتصاب التي ترتكب بحق النساء، مشيراً الى ان الذعر يدفع العائلات الى تزويج بناتهن القصر على عجل، خوفاً من ان يتم تزويجهن بالقوة لمقاتلي داعش. كما يمارس علناً، وفي مشاهد وطقوس لترهيب السكان، تطبيق «الحدود»، بقطع ايدي «السارقين» او الجلد او الصلب.

وكشف تقرير هذه اللجنة ان هذا التنظيم الوحشي، الذي يشكل الاجانب غالبية مقاتليه، يركز على «الأطفال بوصفهم الركيزة التي ستحمل الولاء له، على المدى البعيد، والانتماء لايديولوجيته، باعتبارهم مجموعة من المقاتلين المتفانين الذين تتم تربيتهم على اعتبار العنف اسلوب حياة».

الدولة «الداعشية»… سنجر الناس الى الجنة بالسلاسل!

بخلاف المجموعات السلفية الجهادية الاخرى، فلداعش مشروع بناء دولة ومجتمع من نوع خاص، الآن وليس في المستقبل، وبقوة السلاح والعنف. فبعد ان واجه هذا التنظيم الجيش الحر والمجموعات الجهادية المنافسة له، لتوسيع مناطق نفوذه و«دولته»، اهتم بتأمين مصادر تمويله، وبشكل اخص معابر الحدود والآبار النفطية. وهو مارس عنفاً شديد الوحشية، ضد عشائر الشعيطات في دير الزور، حيث قتل المئات وشرد الآلاف منهم، ليستولي على حقلي نفط في تموز/يوليو ٢٠١٤، أحدها حقل العمر، اكبر حقول النفط والغاز في دير الزور. ويشير موقع ميدل ايست اونلاين، في تقرير له بتاريخ ١٣ آب/أغسطس ٢٠١٤، الى ان داعش يسيطر على ٥٠ بئر نفط في سوريا، و٢٠ بئر نفط في العراق. وان كان عددها قد تقلص قليلاً مع استعادة القوات الحكومية العراقية لبعضها، في الشهر الاخير من عام ٢٠١٤. ويقدر عوائد داعش من البترول يومياً بحوالى ثلاثة ملايين دولار. كما أنه يجبي الضرائب وخاصة من التجار، وتقدر بنحو ٦٠ مليون دولار شهريا، وعوائد الفدية عن المخطوفين، وبيع الآثار المسروقة، وما يصله من تمويل ضخم من المتعاطفين معه في دول الخليج  واوروبا.

والى جانب استخدام داعش للعنف والترهيب، فهو يستخدم ايضا وسائل اخرى لاستمالة السكان، فمثلاً بعد مجازره ضد عشائر الشعيطات في دير الزور، قام بتوزيع الغاز والكهرباء والوقود والغذاء، لنيل تأييد السكان المحليين، ولأن هذه المناطق شديدة الفقر. ومع وضع داعش حداً للسرقات ومعاقبته «اللصوص»، استطاع ان يحوز شيئاً من التأييد في أوساط الشرائح الاجتماعية المهمشة والمفقرة، ولا سيما انه بدأ بدفع رواتب «ضئيلة جداً» للعاطلين عن العمل، اضافة الى دفع رواتب ٣٠٠ دولار لمقاتليه، مع تأمين سكنهم ومستلزمات حياتهم، في شروط حياة قاسية جداً لغالبية السكان. ما شكل ايضاً عامل جذب نحوه، من تلك الفئات المهمشة اجتماعيا، والتي لم تعد تجد تمثيلاً سياسياً ملائماً لمصالحها.

إن تنظيم داعش يدير ويتدخل، اذاً، في الحياة اليومية للناس، بكل تفاصيلها، في عاصمته الرقة، وباقي المناطق التي يسيطر عليها. فيجول عناصره، الذين يملكون وحدهم حق حمل السلاح، في شوارع مدينة الرقة ببنادق الكلاشنكوف او المسدسات. وقد كلف داعش قوتين منفصلتين من قوى الأمن (الشرطة الاسلامية) مراقبة النساء والرجال. فكتيبة «الخنساء»، المؤلفة من نساء ينتمين الى التنظيم، يحملن السلاح، ولهن الحق بتفتيش أي امرأة في الشارع. في حين تقوم كتيبة «الحسبة» بنفس المهمة مع الرجال، اضافة الى انها مكلفة ايضاً بفرض رؤية التنظيم للشريعة الاسلامية.

ولا يقتصر الامر على ذلك، بل قام داعش بتشكيل حكومة مقرها عاصمته الرقة، تشمل وزراء للتربية والصحة والموارد المائية والكهرباء والشؤون الدينية والدفاع، ويشغلون المباني التي كانت للحكومة السورية.

والحال فقد كان غالبية السوريين، في المناطق المذكورة، ينظرون الى داعش في عام ٢٠١٣، باعتباره تنظيماً «غريباً»  و«محتلاً»، او كما وصفه احد الناشطين السوريين من مدينة دير الزور بأنه «حركة استعمارية، كما احتلت اسرائيل فلسطين مع المستوطنين» (٤). ولكن، رغم بقاء هذا الموقف من عامة الناس تجاهه، لا بد من القول بانه اصبح له عام ٢٠١٤ حاضنة شعبية هامة، في تلك المناطق، رغم بقائها محدودة نسبياً. وما يلفت الانتباه هو ما كان قد شدد  عليه احد الناشطين من مدينة الرقة، على موقع «الرقة تذبح بصمت»، بأن داعش لم يقدم او يطرح اي تعميم او قانون يحد من جشع التجار الكبار المحتكرين، الذين تربطهم به علاقات جيدة.

ما هي «الداعشية»؟

ان استعراضاً سريعاً لتطور داعش، كمنظمة خرجت من رحم تيار السلفية الجهادية الاسلامية، ذات توجهات شديدة الرجعية، لا يكفي لتفسير تمايزه في الايديولوجيا والممارسة عن غالبية تجليات هذا التيار السلفي الجهادي، وفي القلب منه تنظيم القاعدة الارهابي. وذلك بقدر ما تشير صيرورة داعش أولاً الى قطيعته الكاملة مع المجموعات التابعة للسلفية الجهادية، وهو الامر الذي وصل الى حد العمل على تصفيتها الجسدية.هذا من جهة، ومن جهة أخرى الى ميل ملحوظ «للتدعشن» يصيب اقساماً متزايدة من مجموعات السلفية الجهادية نفسها، واهمها جبهة النصرة، التي يبدو انها اصبحت جبهتين، واحدة تقارب داعش بافكارها وممارساتها، واخرى ما تزال على ما كانت عليه، في حين ان حركة احرار الشام، ما تزال تحافظ، الى حد ما، على سياقها السلفي الجهادي، رغم ميل كتائب فيها الى تبني «الداعشية». بل الأنكى من ذلك، هو مبايعة مجموعات جهادية رجعية لداعش وخليفته في عدد من بلدان شمال افريقيا وغيرها من المناطق.

ربما يرى البعض ان لا اهمية سياسية او تطبيقية في البحث عن توصيف آخر لداعش. طالما أنه مكون من مكونات الثورة المضادة الرجعية. ولكن، هذه الظاهرة «الجديدة» لا يمكن فهمها، كما رأينا اعلاه، بعيداً عن الشروط المادية الاجتماعية والاقتصادية، التي قامت عليها. ولا يمكن وضع سياسات ملائمة ضدها، من دون فهم هذه الشروط المادية  التي ادت الى تشكلها، بل وتوسع نفوذها، كمدخل لوضع السياسات الملائمة في التصدي لها، من وجهة نظر الطبقات المستغلة والكادحة، اي من وجهة نظر ماركسية.

ومن الضروري التذكير، مرة أخرى، أنه خلال عرضنا لسيرورة تشكل داعش، في سياق شروط محددة، كقوة رجعية ومضادة للثورة، وزيادة نفوذها في كل من العراق وسوريا، ركزنا على ان احد الاسباب الاساسية الموائمة والمشجعة لتشكلها، كانت الانظمة الحاكمة نفسها وسياساتها الوحشية والتهميشية، اضافة الى التدخل الامبريالي. فالاحتلال الاميركي للعراق، بتدميره لما تبقى من بنية تحتية فيه ونسيجه الاجتماعي، سمح بخلق شروط نمو هكذا حركات، مثلما ان «الحرب على داعش» منذ أشهر عدة، التي تقود فيها الولايات المتحدة تحالفاً إمبريالياً، لم تؤَدِّ الى هزيمته، بل قد توفر له تعاطفاً شعبياً اكبر، باعتباره يواجه الامبريالية الاميركية وبالتالي عدوها الاول.

اننا نعتقد ان مقاربة سيرورة تشكل داعش، مع تمايزه عن الحركات السلفية الجهادية التقليدية الاخرى، وهذا البزوع السريع و«المفاجىء» له في سياق سيرورة ثورية، في سوريا، وقيامه بسحق كل تعبيراتها في مناطقه، وفرضه نمط حياة اجتماعية وعقائدية على السكان فيها، وبناء «دولته»، تدفع الى مقاربة ظاهرة داعش والنظر اليها من خلال التجربة الفاشية، ليس كما حدثت بتفاصيلها في دول اوروبا، بل بالاحرى، من منظور الحركات الفاشية الجديدة، في سياق محدد. هذا المنعطف الخطير في سياق الثورة السورية، بل وفي تاريخ البلد، فاجأ الكثيرين، وهكذا «بغتة أصبح المصير التاريخي والمصير الفردي شيئاً واحداً وحيداً، بالنسبة للآلاف من البشر، ثم للملايين فيما بعد. ولم تتساقط الأحزاب السياسية وحسب، بل أصبح وجود مجموعات بشرية كبيرة وبقاؤها المادي موضع شك فجأة»، وفق وصف المفكر الماركسي الثوري، أرنست ماندل، لظهور الفاشية في كتابه، «العناصر التكوينية لنظرية تروتسكي حول الفاشية».

من المؤكد أن تبني مقولة الكومنترن (الستاليني) في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو التعريف الشائع بأن الفاشية ليست سوى «سلطة رأس المال المالي نفسه»، لا يصلح في حالة ظاهرة داعش، مثلما أنه كان قاصراً في تفسير ظاهرة الفاشية في أوروبا نفسها، سابقاً، او الحركات الفاشية الجديدة المتزايدة في بلدان اوروبا وغيرها.

والحال، أن تروتسكي كان ابرز المفكرين الماركسيين في تفسير وتحليل ظاهرة الفاشية في أوروبا، فهو لم يكتف بالقول ان الفاشية «تصل للسلطة محمولة على ظهر البرجوازية الصغيرة»، بل قدم تحليلا اعمق من ذلك، معتبراً ان الشرائح الاجتماعية التي تستند إليها الفاشية هي ما يسميه «الغبار البشري»، وهم الحرفيون وتجار المدن والموظفون والمستخدمون والتقنيون والانتلجنتسيا والفلاحون المعدمون، بحسب توصيف تروتسكي، ويمكن اضافة العاطلين عن العمل (٥) …

انطلق تروتسكي في تحليله للفاشية من تحليل طبقي للمجتمع، وادراك عميق لقانون التطور المركب والمتفاوت، حيث تتعايش بنى انتاجية مع علاقاتها وايديولوجيات من عصور سابقة، مع البنى الانتاجية وعلاقاتها الاكثر حداثة مع ايديولوجياتها. وقد لخص ارنست ماندل في كتابه «دينامية فكر تروتسكي» فهم تروتسكي العميق للظاهرة الفاشية: «لقد فهم تروتسكي، مثله مثل بعض الكتاب الماركسيين الآخرين (كارنست بلوخ وكورت توشولسكي)، مسألة عدم تطابق الأشكال الاجتماعية- الاقتصادية مع الأشكال الأيديولوجية؛ أي بكلام آخر، واقع أن أفكاراً وأطباعاً وطموحات لا عقلانية ذات قوة كبيرة قد بقيت حية من الأزمنة ما قبل الرأسمالية، في أجزاء كبيرة من المجتمع البرجوازي (وبالأخص بين الطبقات الوسطى المهددة بالإفقار الشديد، و لكن أيضاً بين قطاعات من البرجوازية نفسها، ومثقفين منحطين طبقياً، وحتى الشرائح المختلفة من الطبقة العاملة)». وأفضل من أي شخص آخر، وضع تروتسكي الاستنتاج الاجتماعي والسياسي التالي: في شروط تنامي ضغط التناقضات الطبقية الاجتماعية-الاقتصادية المتزايدة بشكل لا يحتمل، يمكن أن تصبح قطاعات هامة من الطبقات والشرائح الاجتماعية الأخرى المذكورة أعلاه- الغبار البشري، كما صنفها تروتسكي بنباهة- مدموجة في حركة جماهيرية جبارة، يبهرها زعيم ذو سلطة نفسية خارقة، وتتسلح بقطاعات من الطبقة الرأسمالية وجهاز دولتها، ويجري استعمالها كآلة من أجل تحطيم الحركة العمالية، من خلال الإرهاب الدموي والتهويل.

كما شدد تروتسكي على ان ما يميز الفاشية عن البونابرتية، والاشكال الدكتاتورية الاخرى، هو ان الفاشية  «شكل خاص من «الجهاز التنفيذي القوي» و«الديكتاتورية المكشوفة»، يتميز بالتدمير الكامل لكل منظمات الطبقة العاملة- حتى الأكثر اعتدالاً بينها، بما فيها منظمات الاشتراكية- الديموقراطية، من دون أدنى شك. تحاول الفاشية أن تمنع مادياً كل شكل من أشكال الدفاع الذاتي من جانب الشغيلة المنظمين، عن طريق تذرير هؤلاء الشغيلة بصورة كاملة. إن الاحتجاج بواقع أن الاشتراكية- الديموقراطية تمهد الطريق للفاشية للإعلان بأن الاشتراكية- الديمقراطية والفاشية متحالفتان، واستبعاد كل تحالف مع الأولى ضد الثانية هو أمر خاطئ بالتالي».

إن توصيف ظاهرة الفاشية، باعتبارها حركة تستند إلى جماهير «الغبار البشري»، ينطبق تماماً على سيرورة تشكل داعش. فالفاشية تتشكل عموماً كحزب- ميليشيا لمقاتلة الدولة القائمة، واقامة دولة فاشية، والفاشيون، وفق الباحث الايطالي ايميليو جانتيل: «يعتبرون انفسهم وكأنهم نخبة (ارستقراطية) من الرجال الجدد، ولدوا في الحرب وعليهم الاستيلاء على السلطة، من أجل تجديد أمة فاسدة»٥. والفاشية تسعى لتنظيم الناس باعتبارها «جماهير وليس طبقات». ويؤكد الباحث ان الدراسات التاريخية أكدت أن الفاشية لا تسعى حقا كما تدعي «لا الى تغيير العالم ولا المجتمع، بل تسعى لتغيير الطبيعة البشرية نفسها»، باعتمادها على ضبط الناس وممارسة العنف العاري.

بهذا المعنى، فقط، يمكننا وصف داعش بأنه يملك سمات عدة لواحد من الاشكال الجديدة  للحركات الفاشية، ودولة خلافته هي دولة  فاشية، من نمط خاص وفي ظرف خاص، ومحدد.

استنتاجات

إن القول بأن داعش له سمة فاشية خاصة، في ظروف من الخراب والتفكك الاجتماعيين، يطرح فوراً قضية كيفية تعامل القوى الثورية تجاهه، باعتباره خطراً قاتلاً للحراك الثوري والشعبي، وما هي المواقف والخطط العملية لمواجهته؟. ومن جهة اخرى، يطرح على جدول الاعمال الملحة تشكيل الجبهة المتحدة من القوى الثورية الديمقراطية واليسارية. كما أنه يطرح ايضاً قضية كيفية التعامل مع نظام الطغمة، الذي يقوم بسحق وتدمير شعبنا وبلادنا.

إن الوضع الراهن للسيرورة الثورية في سوريا سيىء جدا،ً فانحسار الحراك الشعبي والثوري جاء نتيجة الهجمات الوحشية لنظام آل الاسد، وتقتيل وتشريد الملايين من ابناء شعبنا، ليصبح نصف عدد سكان سوريا مشردين. اضافة الى تمدد وتوسع قوى الثورة المضادة الرجعية، كداعش والنصرة وغيرهما على حساب الجيش الحر، بما يعني التقلص المتزايد لمساحات الحراك الشعبي، حتى في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام.

ان اي دعوة للركون والسكوت والتراجع للقوى الشعبية الثورية، أي استسلامها امام هذا الهجوم الشرس لقوى الثورة المضادة المتعددة- والمتقاتلة فيما بينها- سيكون كارثيا،ً وسيفاقم من تدهور وضع الثورة، بخلاف ما يعتقد البعض. اننا نرى على العكس تماماً، ان حشد المجموعات والتنسيقيات والمنظمات الثورية، في كل مكان، من اجل الاستمرار في الاعتصامات والمظاهرات وكل اشكال الحراك الشعبي، واستنهاضها من جديد، مهما كانت ضعيفة ومشتتة في هذه المرحلة، هو ما يجب القيام به بكل طاقاتنا. وخصوصاً ان الحراك الشعبي ما يزال حياً وبدأ في استعادة حيويته، حتى في مناطق تسيطر عليها قوى جهادية متطرفة، مثل جبهة النصرة. ولكننا، نفتقد الاداة اللازمة لتحقيق ذلك. ما نفتقده هو تشكيل الجبهة المتحدة للقوى الثورية الديمقراطية واليسارية، التي تستطيع ان تضع استراتيجية عمل كفاحية ومركزية تستعيد المطالب الاساسية للثورة الشعبية. وفي مناطق الجيش الحر، او المقاومة الشعبية المسلحة، فإن مواجهة هذه القوى الرجعية، وان بقوة السلاح، لم تعد ترفاً، بل قضية حياة او موت للثورة والحراك الشعبي، على رغم غياب تسليح جدي لها. فما يتوفر لها كاف في حال وحدت قواتها تحت قيادة عسكرية وسياسية وطنية مركزية، ايضا. لا يمكن حصر تشكيل هذه الجبهة المتحدة في الشق السياسي، بل يجب ان تشمل الشق المسلح ايضاً.

وبالاخص، لأن الخصم الرئيس للقوى الثورية ليس فقط قوى الثورة المضادة الرجعية، إنه ايضاً، واولاً، نظام الطغمة الحاكم، وما يجب ان لا يغيب عن اذهاننا هو ان اسقاطه هو شرط اساسي لإسقاط هذه القوى الفاشية والرجعية. لأن بقاء هذا النظام، ولو معدلاً قليلا، هو هزيمة فادحة للثورة الشعبية، وانتصار صريح للثورة المضادة، ما يستلزم بذل كل الجهود لتعديل موازين القوى لصالح الطبقات الشعبية، التي كانت وما تزال القوى الاجتماعية المحركة للثورة، ولصالح القوى السياسية الثورية.

والواقع، ان الحرب الامبريالية على داعش تقدم للقوى الامبريالية وحلفائها الاقليميين ذريعة للعمل على اعادة انتاج النظام الاسدي. فقد لاحظنا تسخيناً للحل السياسي في سوريا في الاشهر الاخيرة، تباركه الدول الامبريالية، التي تدعي صداقتها للشعب السوري، والتي لم يكن ابدا هدفها اسقاط النظام، بل دفعه للقيام بتغيير شكلي فوقي داخله واعادة تموضعه، وتدمير قدرات سوريا الاقتصادية والعسكرية. كما نشاهد ان حكومات السعودية وقطر ودول الخليج، قلب ومعقل الثورة المضادة في المنطقة، مع حكومة الثورة المضادة في مصر، تعمل على تسويق هذا الحل السياسي لتعويم نظام الاسد، لدرجة ان الائتلاف الوطني، وهو صنيعتها، اصبح يشتكي علناً من توقف تمويل السعودية ودول الخليج له، منذ اكثر من ستة اشهر، لدفعه الى الالتحاق بالحل السياسي الذي يحافظ على النظام القائم ويعيد انتاجه. وهو ما قد يفعله، لاحقاً، بكل انتهازية ووضاعة، علماً بأنه امتنع عن الانضمام إلى لقاء موسكو، في أواخر الشهر الماضي، الذي شاركت فيه، بوجه خاص، مجموعات مما يسمى معارضة الداخل تضم بشكل اساسي هيئة التنسيق، الملتبسة بمواقفها منذ بداية الثورة، وبعض التجمعات القادمة من الخارج، والمفتقدة اي وزن فعلي على الارض. ويبدو ان موسكو وطهران ومصر هي الدول المكلفة برعاية هكذا محاولات، لتسويق حل سياسي يصدر عن مساعٍ تفتقر إلى ابسط شروط الجدية، في الواقع، وليس هدفها سوى اعادة انتاج النظام نفسه.

هذا ومع أننا لا يمكن ان نقف ضد أي إجراء قد يخفف من آلام الجماهير الشعبية، من دون ان يفرط بمطالبها التي اعلنتها في ثورتها الشعبية، فسياق «الحل السياسي» الذي يسوَّق له يتطلب كل اليقظة والحذر من جانب القوى الثورية، ويطرح ضرورة فضحها كل تنازل من قبل القوى المنخرطة، أو التي قد تنخرط، في مفاوضات الحل السياسي، لأجل الابقاء على هذا النظام القاتل، فضلاً عن مواجهة اي تنازل عن الحريات الديمقراطية، او عن مطلب بناء نظام ديمقراطي جذري على انقاض النظام الدكتاتوري، او السمسرة على التضحيات التي قدمتها الجماهير الشعبية من اجل اسقاط النظام وبناء سوريا الحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية.

وبالنسبة للماركسيين الثوريين في تيار اليسار الثوري، وفي خضم هذا النضال المتعدد الجبهات، فانهم متمسكون، ايضاً، بمهمة اساسية يعملون عليها، بلا اهمال او تراخٍ، ألا وهي متابعة السعي لبناء الحزب العمالي الثوري والجماهيري.

الهوامش:

١- http://www.alaan.tv/news/columnist/113679/isis-zarqawi-network-state-bag…

٢- عبدالله سيف، «القاعدة في سوريا… من الدولة الى الخلافة»، مركز الجمهورية.

٣- عبدالله سيف، المصدر نفسه.

٤- تقرير وكالة الصحافة الفرنسية المنشور في جريدة الرياض السعودية بتاريخ ٢٢ ايلول/سبتمبر ٢٠١٤

٥- أعمال تروتسكي، مفتاح الوضع الدولي في ألمانيا، ٢٦ تشرين الثاني ١٩٣١

٦- مجلة التاريخ الحديث والمعاصر الفرنسية رقم ٥٥-٣ عام ٢٠٠٨.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *