المقاتلون الكرد في سوريا انتصروا على الخوف الذي يشيعه تنظيم الدولة

المقاتلون الكرد في سوريا انتصروا على الخوف الذي يشيعه تنظيم الدولة

قال المقاتل الكردي الذي يحرس على سطح مدرسة، خُرِّمت جدرانها بقذائف الدبابات والرصاص: “مسلحو تنظيم الدولة الاسلامية هاجمونا بالدبابات وعربات هامر من هناك”، مشيرًا الى أرض مكشوفة باتجاه مخازن حبوب دمرها القصف.

وأضاف المقاتل زنار كوجر (21 عامًا) الذي كان يتحدث في قرية جزعة في ريف القامشلي: “أن مسلحي تنظيم الدولة الاسلامية لن يعودوا بعد الضربة التي وجهناها لهم”.

إحساس عميق بالكفاح

ينتمي كوجر إلى وحدات الحماية الشعبية التي نادرًا ما تُذكر في تقارير وسائل الاعلام العالمية، رغم أنها قد تكون أشد التنظيمات فاعلية حتى الآن ضد تنظيم الدولة الاسلامية. ولكن لا أحد يتوقع أن يشمل الرئيس الاميركي باراك اوباما وحدات الحماية الشعبية بمساعداته العسكرية في اطار استراتيجيته لمواجهة خطر تنظيم الدولة الاسلامية.

فمن المنظور الجيوسياسي تنظر واشنطن إلى كرد سوريا على أنهم حلفاء ثقلاء ضد عدو مشترك، نظرًا لارتباط وحدات الحماية الشعبية بحزب العمال الكردستاني الذي أدرجته الولايات المتحدة على قائمة المنظمات الارهابية، بسبب نزاعه المستمر منذ 30 عامًا مع الدولة التركية العضو في حلف الأطلسي.وتفتقر وحدات الحماية الشعبية الكردية إلى الدروع الجسدية والمدافع والعربات المصفحة، ويعتمد مقاتلوها أساسًا على سلاح كلاشنكوف وقاذفات آر بي جي والشاحنات الخفيفة، وعلى إحساس عميق بالكفاح من أجل قضية عادلة وروح قتالية عالية، لعلها هي العامل الأهم في صلابتهم.

الإلهام من دماء القتلى

يرتدي المقاتلون الكرد أحذية رياضية أو أحذية مناسبة للمشي مسافات طويلة. وتوزَّع على عدد محدود منهم خوذ، لا سيما لرماة المدافع الرشاشة الذين يكونون مكشوفين عادة. واضافوا أخيرًا إلى ترسانتهم بضع عربات هامر غنموها من تنظيم الدولة الاسلامية، الذي غنمها بدوره من قوات الجيش العراقي الذي تسلمها بدوره من الجيش الاميركي.

وأعلنت القائدة العسكرية خوزيا حسرت، التي كانت تتمركز مع مجموعة من المقاتلات الأخريات في مقر القيادة في قرية جزعة: “لسنا بحاجة إلى مساعدة خارجية بل نستمد الالهام من دماء شهدائنا”. وهزت المقاتلات الأخريات رؤوسهن متفقات معها.

ولا توجد مراتب بين المقاتلين الكرد باستثناء مسؤول الوحدة والقائد الذي فوقه. وهناك بينهم نسبة لافتة من النساء، ورغم أن الغالبية الساحقة منهم مسلمون، فإنهم ليسوا إسلاميين. وكان المقاتلون يرابطون على بعد بضعة كيلومترات من خطوط مسلحي داعش الذين لديهم نظرة تختلف جذريًا إلى دور المرأة.

عشاء في العالم الآخر

وخوزيا حسرت التي ترتدي وشاحًا أسود هي المقاتلة المخضرمة للوحدة النسائية في جزعة، حيث انتهت معركة استمرت اسبوعين بهزيمة مسلحي التنظيم وانسحابهم من القرية.

وقال مقاتلون كرد لمراسل صحيفة لوس انجيليس تايمز في جزعة إن مسلحي تنظيم الدولة الاسلامية ملأوا مواقع التواصل الاجتماعي بالتبجحات، قبل أن يبدوأ هجومهم على القرية، متوعدين باجتياح المناطق الكردية، وتحقيق انتصارات متتالية في ساعات الفطور والغداء والعشاء. لكن المقاتلة كردستان داود (20 عامًا) اضافت مازحة أن المقاتلين الكرد ارسلوا المهاجمين لتناول العشاء في العالم الآخر.

وتنظر حكومة أنقرة بتوجس شديد إلى وحدات الحماية الشعبية خوفًا من طموحات الكرد القومية وربما مشاريعهم الانفصالية. ويتهم كرد سوريا الحكومة التركية بتسهيل دخول مسلحي التنظيم إلى الأراضي السورية عبر اراضيها. وتُتهم وحدات الحماية الشعبية من جهتها بالتواطؤ مع النظام السوري، وهي تهمة ينفيها الكرد بقوة.

وتؤكد وحدات الحماية الشعبية انها لا تعمل من اجل الانفصال، بل من أجل الحكم الذاتي ضمن سوريا على غرار اقليم كردستان العراق.

فتح ممر إنساني

وكانت وحدات الحماية الشعبية طيلة العامين الماضيين القوة التي أجهضت عمليًا محاولات “الدولة” توسيع خلافته في سوريا، وعلى امتداد الحدود العراقية. وهي القوة القتالية الرئيسية في المنطقة الكردية شمال سوريا التي يسميها الكرد “روجافا” أو كردستان الغربية.

وقامت وحدات الحماية الشعبية في آب (اغسطس) الماضي بدور حاسم في فتح ممر انساني من العراق إلى سوريا أتاح لعشرات الآلاف من الايزيديين المحصارين في جبل سنجار امكانية الافلات من براثن داعش. وتدرب وحدات الحماية الشعبية الآن مئات المتطوعين الايزيديين ليتمكنوا من العودة إلى بلدهم والقتال ضد التنظيم هناك.

ويأتي نجاح المقاتلين الكرد السوريين في مواجهة الدولة الاسلامية على نقيض حاد مع أداء حلفاء للولايات المتحدة مثل قوات الحكومة العراقية، وحتى قوات البيشمركة التابعة لحكومة اقليم كردستان العراق التي تقهقرت في البداية أمام مسلحي التنظيم.

لكن المعركة في هذه الرقعة من سوريا تتسم بدرجة استثنائية من الضراوة والتصميم على منع مسلحي التنظيم من تحقيق ما حققوه بسهولة مريبة في العراق. فإن السكان في هذه المنطقة ينظرون إلى تنظيم الدولة الاسلامية “داعش” على أنه تهديد وجودي.

نعيد الرؤوس إلى الأجساد

وقالت القائدة العسكرية فاطمة (48 عامًا) خلال تفقدها أحد المواقع في محافظة الحسكة لمراسل صحيفة لوس انجيليس تايمز: “يسمون أنفسهم مسلمين أو ما يُسمى الدولة الاسلامية، لكن من سمع بقطع الرؤوس؟ إنها همجية. علينا أحيانًا أن نعيد رؤوس شهدائنا إلى أجسادهم لكي يراهم ذووهم كما ينبغي”.

وكانت فاطمة ترتدي شارة عليها صورة شقيقها الأصغر الذي قُتل قبل اسبوعين في معركة جزعة. وقال مقاتلون كرد إنهم ينظرون باحتقار إلى تكتيكات تنظيم الدولة الاسلامية العسكرية باعتماد مسلحيه على الارهاب والتخويف. ولاحظ المقاتل زانا قامشلو: “إن قوتهم الأكبر نفسية فهم يدخلون قرية حيث يقطعون بضع رؤوس، وبذلك يبثون الرعب في نفوس الجميع”.

ويبدو أن المقاتلين الكرد في سوريا انتصروا على الخوف الذي يعمل مسلحو التنظيم جاهدين على اشاعته. وروى مقاتلون كيف صمدوا في مواقعهم خلال معركة جزعة رغم تفوق مسلحي التنظيم الساحق عدديًا واستخدامهم الدبابات مع وابل متواصل من قذائف الهاون. وقال المقاتل ديريك سرحد (19 عاماً): “ان وحدات الحماية الشعبية فقدت الكثير من الرفاق في معركة جزعة، وما كان من الممكن أن نسمح بأن تذهب دماؤهم سدى”

وكالات

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *