الثورات “العربية” … بعد خمس سنوات. ثمة شبح يطوف العالم!

الثورات “العربية” … بعد خمس سنوات. ثمة شبح يطوف العالم!

لقد شهدت الأشهر الأولى من عام ٢٠١١ انتشار للهيب الثوري في عدد من البلدان العربية : تونس ومصر والبحرين وليبيا وسوريا وبلدان أخرى. واجتاحت ملايين البشر ساحة العمل العام صارخة شعارها الشهير : الشعب يريد… إسقاط النظام. والحال، فإن هذه الدينامية الثورية الهائلة تجاوزت حدود الدول، فقد بزغت حركات احتجاج شعبية في إيران وتركيا وأوروبا والولايات المتحدة… وهكذا أصبح الأمل بعالم جديد أكثر عدالة وأفضل ليس ضروريا فحسب ، بل ممكنا أيضا.

فأصيبت الأنظمة الدكتاتورية والرأسمالية في المنطقة وأيضاً الإمبرياليات بالذعر من هذه الموجة الثورية التي تهدد النظام الرأسمالي كله. وهو ما يؤكد ، من جديد، صواب ماذكره ، بشكل تنبؤي مؤسسي الماركسية في البيان الشيوعي : ” ثمة شبح يطوف أوروبا: شبح الشيوعية. ضد هذا الشبح إتحدت في حلف مقدس أوروبا القديمة كلها: البابا والقيصر، مترنيخ و غيزو ، الراديكاليون الفرنسيون والبوليس الألماني.”. وبالفعل، فقد تجمعت الأنظمة الحاكمة وأيضاً القوى الأقليمية والدولية (الغربية والشرقية) على هدف مشترك ، بالرغم من نزاعاتها وتنافسها فيما بينها، هو اجهاض ومنع إنتصار الثورات الشعبية.

في تونس قام النظام بإعادة انتاج نفسه من الأعلى، وفي مصر حافظ النظام على نفسه من خلال الجيش وانقلابه العسكري، وفي كلا من البحرين واليمن من خلال التدخل العسكري للنظام السعودي ، بينما حصل ذلك في ليبيا من خلال التدخل العسكري للامبرياليات الغربية. اما في سوريا، فقد تحقق ذلك عبر الوحشية الرهيبة لنظام آل الأسد ومن خلال “تطييف” الصراع وأسلمته وهو ما دفع نحوه كل من نظام الطغمة والقوى الأقليمية على حساب القوى الثورية والديمقراطية السورية……

يبدو المشهد السياسي في المنطقة باعثا لليأس، فالثورة المضادة تتقدم. لكن كثيرا ما يكون الظاهري خادعا . فالدينامية الثورية ما تزال ناشطة وان كانت تمر بمرحلة تراجع، لكنها لا تزال ملتهبة. وهو ما تشير اليه التحركات الاحتجاجية في لبنان والإضرابات العمالية والتحركات الاجتماعية في مصر والإضرابات والمظاهرات في المغرب والبحرين والسعودية ،وحتى في سوريا نفسها حيث نشهد تحركات احتجاجية متعددة تجري في المناطق الخاضعة للنظام وتلك التي تقع تحت سيطرة قوى رجعية مثل داعش وجبهة النصرة …

فالدوافع العميقة للثورات ما تزال قائمة، القمع والتفاوت والظلم الاجتماعي والفساد والسياسات النيوليبرالية العنيفة وايضا السياسات التمييزية على أساس الجنس او العرق او الدين في سياق نظام رأسمالي في حالة أزمة مستدامة…

ولذا، فإن أحد أهم الدروس ، التي سبق اختبارها في كل الثورات الحديثة، هو أن صراع الطبقات لا يمكن التعامل معه في إطار استراتيجية تغيير اجتماعي جذري إلا من خلال ربطه عالميا . فميزان قوى صراع الطبقات هو عالمي في جوهره. لذلك، فإن الأممية تشكل أحد الأركان الأساسية لكل ممارسة ثورية. وهكذا نجد أنه وفي كل مرة أعلنت فيها الطبقات المالكة والحاكمة وايديولوجييها “أنها” ماتت ، “فإنها” تنهض وتقاوم … و”هي” حية : إنها الثورة!

غياث نعيسة

٩كانون الثاني/يناير ٢٠١٦

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *