آثار العقوبات في الاقتصاد الكليّ السوريّ خلال عام 2012

آثار العقوبات في الاقتصاد الكليّ السوريّ خلال عام 2012

بحلول شهر كانون الأوّل / ديسمبر 2011، كانت رزمة العقوبات الاقتصاديّة الأميركيّة والأوروبيّة والعربيّة-التركيّة ضدّ سوريّة قد استكملت حلقاتها، وأصبحت سارية في سياقٍ وصلت فيه الأزمة السوريّة – وهي أساسًا مأزق النّظام في سورية – إلى أعلى درجات تعقّدها واحتقانها الداخليّ والخارجيّ الدوليّ والإقليميّ من النواحي كافّة. ويتكامل أثر هذه العقوبات مع الأثر التراكميّ للعقوبات الأميركيّة السّابقة التي اتّخذت مبكّرًا في عام 1980 على خلفيّة تصنيف سوريّة في فئة الدّول ” الدّاعمة للإرهاب”، وفي عام 2006 على خلفيّة تداعيات عمليّة اغتيال رئيس الوزراء اللبنانيّ الأسبق رفيق الحريريّ. وفي حين كانت دوافع عقوبات 1980 و2006 والسّارية المفعول حتّى اليوم جيو-بوليتيكيّة، فإنّ العقوبات الجديدة التي شُرع في اتّخاذها منذ نيسان / أبريل 2011، جاءت تحت عنوان معاقبة النظام السوريّ على قيامه بعمليّات العنف المفرط ضدّ المتظاهرين، ومن أجل الحدّ من مصادر تمويله لتلك العمليّات، ولتحصيل عوائد جيو-بوليتيكيّة على المدى الأبعد في مرحلة ما بعد تغيير النّظام أو وهنه الشّديد، أو انهياره. وفي المحصّلة، وجدت سوريّة نفسها بحلول أواخر عام 2011 في مواجهة رزمة عقوباتٍ جديدةٍ متفاوتة الشدّة في آثارها الملموسة والمتوقّعة في منظومة اشتغال العلاقات الاجتماعيّة-الاقتصاديّة للسّلطة، لكنّها تتضافر في الحقيقة مع الأثر التراكميّ للعقوبات السّابقة، لتكوِّن في مجملها نوعًا ممّا يُطلق عليه تسمية “العقوبات الموجّهة”.وإذا كانت عقوبات عام 1980 قد قامت على حظْرٍ تكنولوجيٍّ، شمل جميع السّلع والتّجهيزات التي تشتمل على مكوّنٍ أميركيّ بنسبة 10% فأكثر؛ وأكّدتها في عام 2006 مترافقةً مع عقوباتٍ منهجيّةٍ ضدّ النّظام المصرفيّ؛ ولاسيّما المصرف التجاريّ السوريّ؛ فإنّ عقوبات عام 2011 قد أضافت إلى ذلك الأثر التراكميّ آثارًا جديدةً أمضى وأشمل تأثيرًا، وأبعادًا مختلفةً اقتصاديّةً وماليّةً ونفسيّةً على القدرات الاقتصاديّة الكليّة لمنظومة الاشتغال الاقتصاديّة- الاجتماعيّة- السياسيّة العامّة (شخصيّات وشركات ورجال أعمال واستثمارات وائتمانات وأجهزة ماليّة ونقديّة ومصرفيّة..)، ومصادر دخْلها وتمويلها. وهي بذلك في مجملها حزمة سياساتٍ متضافرةٍ تقوم على محاولة إضعاف النّظام، وتقليص قدراته سياسيًّا في الحدّ الأدنى، وفتح الباب أمام عمليّة انهياره كحدٍّ أعلى، عبر بوّابة العقوبات الاقتصاديّة.

الوظيفة الموجّهة
تراهن سياسة العقوبات في الواقع على أثرٍ سياسيٍّ كليٍّ ينتج عنها خلال فترةٍ منظورة، ويقلّص قدرة النّظام على التحكّم والسّيطرة، ويؤدّي إلى دفع وتائر الاحتجاج وتطوير ديناميّاته، واستمالة رجال الأعمال أو تحييدهم عن مؤازرة النّظام. وهنا تبرز الوظيفة السياسيّة الموجّهة للعقوبات، بمعنى أنّها تستهدف عبر البوّابة الاقتصاديّة إحداث تغييرٍ جذريٍّ في منظومة الاشتغال العامّة للسّلطة، وبالتّالي تقليص قدرة “أهل الدّولة” بالتّعبير الخلدونيّ على التحكّم فيها، وتوجيهها، والحفاظ على توازنها.
وانعكس الأثر النفسيّ للمسار التزامنيّ في فرض العقوبات الأميركيّة-الأوروبيّة بالتدرّج المتسارع والشدّة، على إيقاع احتدام المواجهات بين أجهزة السّلطة والمتظاهرين، واستخدام العنف المفرط، وعلى تتابع ما يمكن وصفه بوقْع ضربات “المطرقة”؛ فقد بدأت في أواخر نيسان / أبريل لتصل إلى ذروتها في مطلع شهر كانون الأوّل / ديسمبر 2011 بمنظومة العقوبات الموجّهة والمطوّرة لخنق كافّة حلقات واعتمادات قطاع الطّاقة في سوريّة في حدّ ذاتها، ولاسيّما أنّ تأثّر دول أوروبا الغربيّة بانقطاع النّفط السوريّ هامشيّ بسبب كونه حصّةً بسيطةً من استهلاكها. و لقد أتت العقوبات العربيّة- التركيّة مندرجةً في هذا السّياق. أمّا بالنّسبة إلى العقوبات التركيّة- السوريّة المتبادلة، فيبدو أثرها واضحًا على الطّرفين، لكنّ تأثّر الاقتصاد التركيّ أقلّ من تأثّر الاقتصاد السوريّ بالنّظر إلى ضخامة الاقتصاد التركيّ بالمقارنة مع الاقتصاد السوريّ.
وكي نفهم أبعاد هذه العقوبات ووظائفها في المنظور السياساتيّ، فإنّه لابدّ من الإشارة إلى أنّ أثرها الاقتصاديّ الخالص يتداخل مفصليًّا – في وقتٍ واحدٍ – مع الأثر السّياسيّ. ويظهر مضمون ذلك في أنّ العقوبات تستهدف إلحاق خللٍ بنيويٍّ بتوازن الإطار الكليّ للاقتصاد السوريّ أو الاقتصاد الكليّ Macroeconomics (عجز الموازنة، ميزان المدفوعات ولاسيّما التّبادل التجاريّ، سعر الصّرف والاحتياطيّ وفقًا لمعايير “الحيطة الدوليّة”، الدّين، التضخّم، البطالة، الكتلة النقديّة.. إلخ) الذي تؤدّي نتائج اختلاله مباشرةً إلى اهتزاز البنية الاقتصاديّة- الاجتماعيّة- السياسيّة، ووضعها في حالة أزمة بنيويّة. فليس توازن الاقتصاد الكليّ في أيّ بلدٍ سوى التّعبير الاقتصاديّ عن الاستقرار الاجتماعيّ والسياسيّ. وفي المحصّلة الإجماليّة تتوجّه مفردات العقوبات برمّتها صوب محاولة تحقيق هذا الاختلال البنيويّ، وضرب استقرار الإطار الكليّ وتوازنه الذي حظي به الاقتصاد السوريّ طوال السّنوات الستّ الأخيرة (2005 -2010).

الآثار في قطاع النّفط: إنتاجًا ومواردَ
تستهدف العقوبات محاولة شلّ المصدر الأساسيّ لإيرادات الموازنة العامّة للدّولة وللنّاتج المحليّ الإجماليّ في مختلف حلقاته الاستثماريّة والتسويقيّة المباشرة أو غير المباشرة، وهو قطاع النّفط والطّاقة عمومًا، وما يتعلّق بهما، إذ يقارب الإيراد النفطيّ نحو 22% من إيرادات الموازنة العامّة، وتستأثر الصّادرات النفطيّة على ضآلتها (يتوجّه نحو 95% منها إلى دول الاتّحاد الأوروبيّ) بالحصّة الأساسيّة من هذه الإيرادات، فتتراوح إيرادات الصّادرات النفطيّة بين 16 و17% من إجماليّ الإيرادات، وتعدّ بذلك عنصرًا مهمًّا في توازن الميزان التجاريّ وميزان المدفوعات(1).
وتعدّ العقوبات المفروضة على قطاع الطّاقة أخطر العقوبات لأثرها المباشر في توازن الاقتصاد الكليّ، إلى درجة توقف كافّة حلقات الاستثمار والتّجديد والإنتاج والتّسويق، بل وتلاشت الصّادرات السوريّة من النّفط الخامّ تقريبًا، بسبب تراجع حجم الإنتاج، وصعوبة العثور على مستوردين أو مورّدين للمشتقّات لأنّهم سيعرّضون بذلك أنفسهم لعقوبات، وارتفاع كلفة بيع برميل النّفط في السّوق غير التقليديّة نتيجة المخاطر إلى ما يقارب 10 دولارات للبرميل؛ وعليه فإنّ الصّادرات النفطيّة على فرض إمكانيّة تسويقها في السّوق السّوداء ستباع بأسعارٍ منخفضةٍ وبنسبة عائدٍ أقلّ. ومقابل حرمان سوريّة من عوائد صادراتها النفطيّة التي كانت تسهم في تغطية اختلالات الاقتصاد الكليّ البنيويّة، فإنّ أعباء تمويل حاجتها من المشتقّات وتحديدًا من الديزل والوقود اللّازم لمحطّات الكهرباء والبنزين والغاز صارت كبيرة، وهي تصل بالنّسبة إلى مادّة الديزل وحدها إلى نحو 1.8 مليار دولار. مع ذلك وبسبب اقتصار النّشاط الاقتصاديّ والخدميّ على الحاجات الأساسيّة وتقلّص حاجة قطاع النّقل والسّياحة إلى المشتّقات النفطيّة، فإنّ كميّات الاستيراد المطلوب تأمينها على المدى القصير أصبحت ضئيلةً، لكنّها ستكون مشكلةً كبيرةً على مدى أطول. وهذا كلّه على حساب استمرار سوريّة في تسجيل معدّلات نموّ مرتفعة، كالتي عرفتها منذ عام 2005 وإلى غاية عام2010، وهي التي كانت تمرّ يومئذٍ بمرحلة الإصلاح والتّحرير التجاريّ (الذي هو في العادة يرادف معدّلات نموّ سلبيّة) وعانت من الضّغوط الجيو-البوليتيكيّة في عام 2006، ومن موجة الجفاف، ونسبيًّا من آثار الأزمة العالميّة في ظلّ انخفاض إنتاج النّفط وارتفاع فاتورة استيراد المشتقّات(2).

تناقص الاحتياطيّ
يبدو أثر تلاشي عوائد الصّادرات، مع ضرورة تمويل الواردات من المشتّقات والبيع بسعرٍ مدعومٍ، جليًّا في أكثر من مستوى من مستويات الاقتصاد الكليّ. فعلى مستوى الإيرادات المتوقّعة لموازنة عام 2012 – وهو العام الذي سيتوضّح فيه بصفة ملموسة مدى الأثر الفعليّ للعقوبات عمومًا، وفي قطاع الطّاقة خصوصًا – خسرت الموازنة العامّة ما يقارب 12.5% من إيراداتها المتوقّعة في حال عدم التمكّن من بيع النّفط في السّوق السّوداء(3). وستكون سورية مضطرّةً للاعتماد على احتياطيّها من العملة الأجنبيّة الذي تعرّض خلال الشّهور التّسعة الماضية إلى تناقصٍ كبير بسبب تمويل واردات المشتقّات وتمويل واردات القطاع الخاصّ من الموادّ الأوّليّة التي تخضع لرسومٍ جمركيّةٍ أقلّ من 1%، وهي كتلةٌ كبيرة نسبيًّا من الحجم الإجماليّ لواردات القطاع الخاصّ.
سيؤدّي الاعتماد على احتياطيّات العملة الأجنبيّة إلى مزيدٍ من الضّغوط على الاحتياطيّ، الذي بلغ في أواخر آب / أغسطس 2011 حجمًا كبيرًا نسبيًّا يقدّر بـ18 مليار دولار ويكفي لتمويل الواردات على مدى سنتين تقريبًا(4)، متراجعًا عن حجمه الذي بلغ في عام 2007 نحو 20 مليار دولار، بينما المعيار الدوليّ لكفاية الاحتياطيّ هو تمويل الواردات لثلاثة شهور(5).
وقد سيّل مصرف سوريّة المركزيّ من هذا الاحتياطيّ في ضوء اضطراب سعر الصّرف بتأثير الأزمة حتّى أواخر تشرين الأوّل / أكتوبر 2011 – وفق الأرقام الرسميّة – نحو 4.9 مليار دولار، وبذلك فإنّ الاحتياطيّ المتبقّي لا يتجاوز 12 مليار ومليون دولار(6) ولا يدخل في هذا الرّقم ما أنفقه مصرف سوريّة المركزيّ بأسلوب المزادات لمحاولة لجم تراجع سعر صرف اللّيرة السوريّة، والتّخفيف من غلوائه(7). وعليه فإنّ رقم 10 مليارات دولار هو رقم واقعيّ جدًّا لتقدير احتياطيّ النّقد الأجنبيّ السوريّ، وهو ما يكفي المستوردات لمدّة سنةٍ تقريبًا وفق الحاجات السوريّة، غير أنّه احتياطيّ واقع تحت مخاطر الاستنزاف وارتفاع وتيرة التّناقص. وبتأثير الحجم الكبير للتدخّل في سعر الصّرف، وما كلّفه من سحب من الاحتياطيّ، تمّ إلغاء طريقة المزادات، التي استفادت منها حفنة ضئيلة من المزايدين أكثر ممّا استفاد منه سعر صرف اللّيرة، وفاحت من هذه المزادات روائح الفساد المألوفة في نظامٍ بيروقراطيٍّ وسياسيٍّ بات الفساد فيه خاصّيةً بنيويّةً أو منظوميّةً. وتوقّف مصرف سوريّة المركزيّ عن تمويل مستوردات القطاع الخاصّ، التي يعادل تمويله لها نحو40% من إجماليّ المستوردات، موفّرًا بذلك 40 مليون دولار أميركيّ يوميًّا أي نحو مليار دولار أميركيّ شهريًّا(8)، لكنّه ولأهدافٍ اقتصاديّةٍ وسياسيّةٍ، استمرّ في تمويل مستوردات الموادّ الأوّليّة التي تقلّ نسبة رسومها الجمركيّة عن 1%(9).
ومع مطلع عام 2012، اتّضح المفعول السلبيّ لسياسة مصرف سوريّة المركزيّ في استنزاف احتياطيّ العملة الأجنبيّة، وبداية بروز أثر العقوبات بصفةٍ ملموسة في الاحتياطيّ، فلجأ إلى خطوةٍ “مفاجئةٍ” لأوساط الأعمال، وهي إيقاف المصارف الخاصّة لكافّة عمليّات بيع القطع الأجنبيّ مقابل اللّيرة السوريّة. فمن الواضح أنّ سياسة البيع قد أُعدّت بناءً على اعتقاد أنّه سوف يتمّ التغلّب على الثّورة خلال فترةٍ قصيرةٍ لا بأس أن تُظهر الدّولة خلالها ثقةً بالنّفس.
ولكنّ الاضطراب الذي ساد سلوك الحكومة السوريّة وأجهزتها النقديّة والماليّة تجاه آثار العقوبات انعكس مباشرةً على تدخّل الحكومة، واستثنائها من قرار المصرف المركزي بوقف تمويل الاستيراد 129 مادّةً غذائيّةً وطبيّةً فقط من الموادّ التي لا يزيد رسمها الجمركيّ على 1%، مع بعض الموادّ الطبيّة والغذائيّة الإستراتيجيّة التي يبلغ رسمها الجمركي 3% و5% و10%(10). وكان هذا الاضطراب جزءًا من السّلوك الاضطرابيّ الذي سلكته الحكومة السوريّة، ممّا كان له آثار نفسيّة كبيرة على الثّقة في مدى وضوح سياساتها، وجسّد ذلك في حدّ ذاته تحقيقًا لأحد أبرزأهداف العقوبات، وهو تحقيق الأثر النفسيّ الذي ينعكس بدوره على سوق القطع خصوصًا، ويهزّ الثّقة بمدى استقرار توازنات الاقتصاد الكليّ السوريّ.

اهتزاز سعر الصّرف وتدهور القيمة الشّرائيّة للّيرة السوريّة
تُعدّ العقوبات على العملة اقتصاديًّا نوعًا من حجز الأموال، فضلًا عن وجود معظم الكتلة النقديّة المتداولة وبما يتجاوز 95% منها خارج القنوات المصرفيّة. وفي الآن الذي لا تفرض فيه الكتلة النقديّة المتداولة وقدرها 600 مليار ليرة سوريّة عمليّة طباعة جديدةٍ للعملة؛ إذ لا يزال توظيف المدّخرات في القنوات النّظاميّة السوريّة ضعيفًا ومحدودًا بالنّسبة إلى حجمها خارج تلك القنوات؛ فإنّ انخفاض سعر الصّرف بمعدّلٍ لا يقلّ عن 39%، ويسير بوتيرة شبه يومية إلى انخفاض أكثر، ينقص قيمتها الشرائيّة تلقائيًّا ليس للواردات فحسب، بل وللمنتجات الوطنيّة التي تعتمد في موادّها الأوّليّة أو سلعها الوسيطة على موادّ مستوردة. والخلاصة أنّ انخفاض قيمة العملة يعكس خللًا اقتصاديًّا بنيويًّا. وينعكس ذلك سلبيًّا على الاقتصاد السوريّ الصّغير، والضّعيف في حجم إنتاجه، وقدراته التنافسيّة، فضلًا عن الأثر الاجتماعيّ الفادح.
لم تكن مفارقةً أنْ ترتفع سلّة الأسعار وسطيًّا بمعدّلٍ يتراوح بين 22 و30%، ولاسيّما بالنّسبة إلى الموادّ المستوردة أو الموادّ المنتجة التي تدخل المادّة الأوّليّة المستوردة بنسبةٍ ما بين40 و60% في مكوّناتها، مع أنّ عوامل ارتفاع الأسعار معقّدة، ولا ترتدّ إلى سعر الصّرف فحسب، بل وإلى ارتفاع كلف الاستيراد، ونشوءِ كياناتٍ وسيطة للتملّص من العقوبات المفروضة على الجهاز المصرفيّ السوريّ أيضًا. وهذا ما يفسّر ظهور الآثار مباشرةً في المستوردات السوريّة في عام 2011، حيث انخفضت المستوردات بمعدّل يتراوح بين 10 و40% بحسب الموادّ المستوردة(11). وفي ضوء فرضيّةٍ واقعيّةٍ تقوم على أنّ هذا الاتّجاه سيستمرّ بمعدّلات انخفاضٍ أعلى ممّا كانت عليه في عام 2011، فإنّ هذا سيؤثّر تأثيرًا كبيرًا في عمليّة الإنتاج نفسها وليس في مجال الاستهلاك فحسب، بسبب أنّ قسمًا كبيرًا من الموادّ المستوردة هو موادّ أوّليّة وسلع وسيطة.

عجز الموازنة: على شفا “كارثة”
يترافق نقص موارد الحكومة المتوقّعة في موازنة عام 2012 بدرجةٍ كبيرة، وارتفاع وتيرة الإنفاق العامّ الجاري نتيجة الرّكود الاقتصاديّ في عام 2010، مع انحدار معدّل النموّ الاقتصاديّ إلى معدّل نموٍّ سالب، ممّا يرفع من معدّل عجز الموازنة إلى مستوياتٍ مرتفعة، وتمويل إيرادات الموازنة بالعجز أو التضخّم، وهو ما وصفه أحد أعضاء لجنة الإصلاح الاقتصاديّ بـ “الكارثة”(12). وكانت الموازنة العامّة للدّولة قد قدّرت التّراجع في إيراداتها الجارية غير النفطيّة، الضريبيّة خاصّةً، إلى النّصف من نحو 452 مليار ليرة سوريّة في العام الماضي إلى نحو 212 مليار ليرة للعام الحاليّ، الأمر الذي يدلّل على عمق الأزمة والتّراجع العامّ في النّشاط الاقتصاديّ، فتنعكس جملة هذه العوامل على المواطن السوريّ بزيادات في الأسعار، وتقلّص فرص العمل، وانعدام الدّخل في العديد من الحالات(13). ويأتي تقلّص فرص العمل كنتيجةٍ طبيعيّة للرّكود الاقتصاديّ، وانحدار معدّل النموّ الاقتصاديّ لعام 2011 عمّا كان متوقّعًا حتّى شهر شباط / فبراير وهو 4.5%، ليتدنّى في آذار / مارس 2011 إلى أقلّ من المتوقّع 3%، ولينحدر فعليًّا إلى نموّ سالب في أواخر عام(14). وهو ما يشبه حالتيْ تونس ومصر الرّاهنتين على مستوى معدّل النموّ فقط. ومثل مصر سيواجه الاقتصاد السوريّ انكشاف عيوبه البنيويّة التي كان يموّهها الاستقرار الظاهريّ للاقتصاد الكليّ، ولكن هذا الانكشاف سيكون أشدّ من مصر بحكم تطويق الاقتصاد السوريّ بعقوباتٍ موجّهةٍ تخلخل كافّة شبكاته، واستدامة الحركات الاحتجاجيّة، واتّساعها المجاليّ في العديد من المحافظات والبلدات.
ويبدو أثر ذلك على المستوى الاقتصاديّ في أنّ السوق السوريّة تجزّأت، بسبب عدم استقرار الطّريق الدوليّة حلب-دمشق، وفي خروج مناطقَ شاسعةٍ من الاستثمار الزراعيّ، ومشكلات نقل الإنتاج وتسويقه بسبب ارتفاع وتيرة ثورة المجتمعات المحليّة التي تعدّ الزّراعة أحد أبرز مصادر الناتج المحليّ لبعضها. ويتضافر هنا أثر تلك الثورات مع تقلّبات الدورة الموسميّة المطريّة، ولهذا لم تكن مفارقة أن ينخفض معدّل النموّ من 6% عام 2009 إلى 3.2% في عام 2010، وأن يتراجع معدّل النموّ في القطاع الزراعيّ إلى نموٍّ سالبٍ بنسبةٍ قدرها -9.6%، بما أثّر في نحو 30% من الناتج المحليّ الإجماليّ(15). ويبدو تأثير الثورات حتّى في مدى قدرة اليد العاملة الصناعيّة على الوصول إلى أماكن عملها، حيث تشتدّ الحاجة إلى هذه اليد في ظلّ فتح السّوق العراقيّة والإيرانيّة أمام الصّادرات السوريّة لتخفيف أثر العقوبات، بينما لا تستطيع الوصول إلى أماكن العمل، أو أنّها خرجت لأسبابٍ متعدّدة من قوّة العمل، ولاسيّما أنّ قسمًا قويًّا من ثورات المجتمعات المحليّة تلتهب في المناطق التي تنتشر فيها شبكة معامل الصّناعة السوريّة مثل ريف دمشق وريف إدلب-سراقب، وريف حلب (خط حريتان- عندان)(16).

تأثير العقوبات في الانكشاف الاقتصاديّ
يرتبط مدى قدرة أيّ اقتصادٍ على مواجهة هذا النّوع من العقوبات المفروضة على سوريّة بحجم الاقتصاد وتنوّعه وقدراته ومرونته، وبمدى انكشافه على الخارج، المتعلّق بدرجات الاندماج الاقتصاديّ. وعلى مستوى الانكشاف تجاه الخارج، فإنّ عمليّة إعادة هيكلة الاقتصاد السوريّ؛ وتحرير التجارة الخارجيّة بسرعاتٍ مفرطةٍ؛ وفق منهج “المكْسكة” (نسبة إلى المكسيك)؛ ودخول سوريّة في شراكات مناطق تجارة حرّةٍ إقليميّةٍ في إطار منطق تشابك الأسواق واندماجها في مرحلة العولمة؛ أو ما يُعرف لدى البعض بنموذج “السباغيتي” في تشابك الأسواق، جعلت ديناميّات التوجّه إلى الخارج أكثر اشتغالًا من ديناميّات التوجّه إلى الدّاخل، ورفعت من وتائر الاندماج والتشابك بين رأس المال السوريّ ورأس المال العربيّ والأجنبيّ.
ومن الطبيعيّ في هذا السّياق أن يكون حجم التَّأَثُّر بالعقوبات ملموسًا في اقتصادٍ يزن تبادله الخارجيّ ما بين 35 و43% (تقديرات 2008 و2009) من ناتجه المحليّ الإجماليّ، ولاسيّما في مجال الموادّ الأوّليّة والسّلع الوسيطة نصف المصنّعة. وهذا ما يفسّر استنفار غرف التّجارة ضدّ قرار مجلس الوزراء في 22 أيلول / سبتمبر 2011 بتعليق جميع المستوردات التي يزيد رسمها على 5%، والتي نسبتها نحو 80% من الموادّ المستوردة، للحفاظ على العملة الأجنبيّة. وأرغم تحرّك غرفة التجارة مجلس الوزراء على التّراجع، وإلغاء هذا القرار. وإذا كانت المصالح السياسيّة في الحفاظ على التّحالف بين تجّار المدن المليونيّة والنّظام السياسيّ قد تحكّمت في إلغاء هذا القرار، فإنّه يكشف من جانبٍ آخر عن مدى اعتماد الاقتصاد السوريّ على التجارة الخارجيّة، بطريقةٍ جعلت عملية التّحرير الاقتصاديّ المتسارعة والسريعة في سنوات 2005 إلى 2010 تؤدّي إلى توليد واقعٍ موضوعيٍّ، أي لا يمكن الرجوع عنه، وهو انفتاح التجارة، وصعود قطاع الخدمات مقابل تراجع القطاعات الزراعيّة والصناعيّة، ولاسيّما تضاؤل حجم الصناعات الاستخراجيّة المتعلّقة بالموارد الطبيعيّة، والذي اشتدّ بعد التراجع الكبير في استخراج النّفط إثر العقوبات وانسحاب الشّركات النفطيّة من الاستثمار.
أمّا فيما يتعلّق بحجم الاقتصاد وقدراته وتنوّعه، فيعدّ الاقتصاد السوريّ البالغة قيمته وفق أرقام عام 2010 أقلّ من 59 مليار دولار اقتصادًا صغيرًا، وعرضةً للاهتزاز بسبب بنيته الاقتصاديّة السياسيّة المركّبة بتأثير العقوبات. وعلى كلّ حال، تقلّص هذا الحجم إلى أدنى من تقديرات عاميْ 2009 و2010، فبعد أن تمكّن الاقتصاد السوريّ من تحقيق معدّل نموّ بلغ متوسّطه السنويّ 5.7% خلال سنوات 2000 إلى 2010 بما يعادل أكثر من مثْليْ معدّل الزّيادة السكانيّة البالغ متوسّطها خلال تلك الفترة 2.5%، تَراجَع في عام 2010 إلى 2.3%، ثمّ انحدر إلى معدّل نموّ سالبٍ في عام 2011، بما يعنيه ذلك من مفاقمة حجم البطالة والبطالة التراكميّة، وارتفاع حجم من هم تحت خطّ الفقر، واتّساع حجم الفئات الضّعيفة والهشّة والمهمّشة.
وعليه، فإنّ الاقتصاد السوريّ في عام 2012 يعاني من الأثر التراكميّ لانخفاض معدّل النموّ في عام 2010 ومن ركوده أو نموّه السّالب في عام 2011، فضلًا عن أنّ ثمار النموّ المرتفعة نسبيًّا في الفترة من 2005 إلى 2010 قد تساقطت في سلال الفئات القويّة من رجال الأعمال، ومراكز المدن المليونيّة، على حساب إفقار الأطراف وإهمالها. وكان النموّ المحقّق الذي اعتمد على قاطرة تحرير التجارة الخارجيّة، والنموّ المفرط لقطاع الخدمات بالنّسبة إلى تراجع القطاع الإنتاجيّ بحصر المعنى أقرب إلى “النمو الفقاعيّ” في العديد من خصائصه، أي نموّ من دون تنميةٍ بفعل السّياسات الاقتصاديّة- الاجتماعيّة التسلّطيّة المتلبْرلة اقتصاديًّا. .
وفي الخلاصة، تراهن العقوبات المتعدّدة الأبعاد على خنق الاقتصاد السوريّ في غضون فترةٍ زمنيّةٍ منظورةٍ تقدَّر بالشّهور وليس بالسّنوات، تنهار فيها توازنات إطاره الاقتصاديّ الكليّ السابقة على مستوى (عجز الموازنة، وسعر الصّرف، والتضخّم، واستنزاف الاحتياطيّ الدوليّ من القطع، وارتفاع معدّل البطالة.. إلخ)، ويشتدّ فيها أُوار الحركات الاحتجاجيّة على خلفيّة هذه الانهيارات وتمفصلاتها السياسيّة، وتفتح الباب أمام انهيار النظام السياسيّ. فيتمثّل الهدف الإستراتيجيّ النهائيّ لهذه العقوبات في نسْف ذلك الاستقرار.

احتمال استمرار الرّكود الاقتصاديّ
سيواجه الاقتصاد السوريّ خلال عام 2012 تحدّيًا كبيرًا يرتبط بمدى قدرته على تجاوز الأثر التراكميّ لتراجع معدّل النموّ الاقتصاديّ في عام 2010 إلى حوالى نصف ونيف ما كان عليه خلال سنوات 2005 إلى 2009، والرّكود الاقتصاديّ أو النموّ السّالب بمعدّلاتٍ كبيرةٍ في عام 2011. وتبدو معدّلات النموّ السّالب مرشّحةً للتفاقم مع تطبيق العقوبات الموجّهة، وبروز أثرها المباشر خلال عام 2012. ويعني ذلك إصابة المؤشّر الأهمّ في الاقتصاد الكليّ بخللٍ جسيم سيؤثّر في كافّة مؤشّراته الأخرى، وما تعنيه على مستوى العلاقة بين اختلالات الاقتصاد الكليّ واختلالات منظومة التحكّم والسّيطرة السياسيّة، وبين تأزّم الأوضاع الاجتماعيّة-السياسيّة وصولًا إلى احتمال التأزّم البنيويّ الذي ترتفع مؤشّراته أكثر فأكثر.
ويعني ذلك محدوديّة استحداث الأعمال لفرص العمل وهو ما يفاقم البطالة التراكميّة مع النازلين الجدد إلى سوق العمل الذين يقدّر عددهم سنويًّا بما لا يقلّ عن 400 ألف طالبٍ للعمل. والحقيقة أنّ مشهد استمرار الاتّجاهات السلبية في عام 2012 في ظلّ سيف العقوبات؛ وتقلّص الاستثمارات الخارجيّة والداخليّة؛ وارتفاع كلفة المستوردات نتيجة العقوبات؛ واختلال سعر الصّرف والقيود على المصرف التجاري السوريّ؛ وارتفاع وتيرة تحوّل التظاهرات الاحتجاجيّة إلى اضطراباتٍ عنيفة؛ وعدم وجود منهجٍ للحكومة في إدارة الأزمة يتخطّى منهج “الإطفائيّ”، يضع الاقتصاد الوطنيّ أمام التحدّي الحقيقيّ للبطالة، والتي تبلغ نسبتها الحقيقيّة 24.4% من قوّة العمل وليس 8.1% كما تقول الأرقام الرسميّة في ضوء اعتمادها لتعريف البطالة الذي صكّته منظّمة العمل الدوليّة، والمنحاز إلى سياسات الحكومات في إطار برامجها الليبراليّة الجديدة. وهذا الرقم الجديد هو ما أنتجته أحدث الدراسات الوطنيّة وأدقّها من ناحية إجراءاتها العلميّة عن محدّدات المشاركة في قوّة العمل(17).
وهذا ما يفسّر في المنظور الاقتصاديّ- الاجتماعيّ غليان الحركات الاحتجاجيّة في المناطق والجهات أو المجتمعات المحليّة (بمصطلحات التنمية والمجتمع) التي يتكدّس فيها الفقراء، والعاطلون عن العمل، وارتفاع أعباء الإعالة الاقتصاديّة والعمريّة، وآثار القمع الشّديد والمفرط لحركاتها الاحتجاجيّة، وتنامي وتيرة العنف عمومًا، الذي تجاوزت حصيلته الإجماليّة ستّة آلاف شهيد من كافّة الأطراف وعشرات الألوف من المعتقلين، أو الذين يمرّون بتجربة الاعتقال والتّوقيف. وتعاني هذه المجتمعات المحلّية – في المجمل نتيجة سياسات النّظام التسلطيّ المتلبْرل اقتصاديًّا – من تدنّي مؤشّرات تنميتها البشريّة، ومن الفقْرين الماديّ والبشريّ على حدٍّ سواء. وهذا هو المنظور الأساسيّ لاهتزاز عمليّة التنمية، أي النظرة إلى كلّ ما يتعلّق بالاقتصاد من منظور التنمية البشريّة.
ويحتاج الاقتصاد السوريّ لحلّ هذه المشاكل إلى تحقيق معدّل نموٍّ متواصلٍ لعدّة سنوات لا يقلّ عن 6 إلى 7%، بينما من المتوقّع استمرار مؤشّرات النموّ السّالب التي سجّلها عام 2011، في العام الجديد في حال استمرار الاتّجاهات السلبية للمؤشّرات المختلفة، مترافقةً مع ارتفاع معدّلات الإنفاق العام الجاري، ووصول الإنفاق العسكريّ-الأمنيّ لغايات الأمن الداخليّ – ونفقات المناورات العسكريّة – إلى مستوياتٍ غير مسبوقةٍ في التاريخ السوريّ، وقد تكون أكبر كتلةٍ في الإنفاق العام الجاري بالنّسبة إلى الموازنة العامّة أو الناتج المحلّي الإجمالي. كما يترافق ذلك مع عاملٍ مؤسّسيٍّ جوهريٍّ هو هشاشة الكفاءة الداخليّة (المؤسّسيّة) والخارجيّة (التّنمية) لمنظومة التحكّم والسيطرة، وأداتها التنفيذيّة (الحكومة) لمواجهة أثر العقوبات في الاقتصاد الكليّ السوريّ، وهيمنة منهج “الإطفائيّ” على إدارة الموقف من الأزمات. وفي مثل هذه الاحتمالات، فإنه كان يمكن للاقتصاد السوريّ حتّى منتصف العام الماضي أن يتحمّل قدرًا من ارتفاع عجز الموازنة العامّة التي كان يعدّ فيها العجز مقبولًا من وجهة النّظر الاقتصاديّة لتوازنات الاقتصاد الكليّ، وأن يوظّف التضخّم مؤقّتًا في عمليّات الاحتواء الاجتماعيّة، مع أنّ عمليّة تمويل العجز بطرقٍ تضخميّةٍ تحوّل هذا العجز على مدى منظور إلى خاصيّةٍ بنيويّةٍ تنسف استقرار التوازن الكليّ، لكنه في ظلّ تراجع الموارد الريعيّة النفطيّة الناتجة عن توقّف الاستثمارات والصّادرات النفطيّة، ومحدوديّة الموارد الضريبيّة؛ سيواجه اختلالاتٍ كبيرةً في عجز الموازنة. فلقد بدأت موازنة عام 2012 التقديرية بعجزٍ أوّليٍّ يزيد على 27% من إجماليّ الموازنة، لذلك سوف تعتمد الموازنة في إيراداتها على السحب من الاحتياطيّ والموارد الخارجيّة بما يزيد على 39% من إجماليّ الإيرادات، وتُبرز هذه التركيبة للموارد هشاشة إيرادات الموازنة ومحدوديّتها(18). وسيكون لهذا الاختلال آثاره السلبيّة في مختلف مؤشّرات الاقتصاد الكليّ الأخرى.
ولا بدّ أن تلجأ الحكومة في عام 2012 للتضخّم لدفع أجور من تشغّلهم في الوظائف الحكوميّة (1066494 مشتغلاً) تشكّل عائلاتهم ما لا يقلّ عن 5.9 مليون نسمة، ونسبتهم نحو 21.3% من عدد المشتغلين المقدّر بـ4999230 مشتغلًا تقريبًا(19)، وهو أقلّ ممّن كانت تشغّلهم في عام 2005 والمقدّرة نسبتهم بـ27% من إجماليّ المشتغلين بسبب تجميد سياسة التشغيل والتّوظيف في قطاعات الدولة. وكانت أجورهم تعادل نحو 60% من نفقات الموازنة الكليّة(20). فهؤلاء يعدّون عمومًا القاعدة الاجتماعيّة للعلاقة “الزبائنيّة” النمطيّة والوظيفيّة بين النّظم التسلطيّة كافّةً بوصفها أكبر “ربّ عملٍ” في مجتمعاتها وبين من “تعيلهم” أو “تشغّلهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عبر دخولٍ مساعدة”، مقابل ولائهم.
تبرز مقابل المخاطر الواقعة والمحتملة للعقوبات على إطار الاقتصاد الكلّي السوريّ ودلالاته الاجتماعيّة خلال عام 2012، هوامش مناورة واسعة في اختراق العقوبات. إذ يمتلك الاقتصاد السوريّ خبرةً كبيرةً ومرنةً في التعامل مع هذه العقوبات نتيجة التعامل مع العقوبات القديمة المفروضة منذ عام 1980. كما يتّسم بأنّه متنوّع ولديه إمكانيّات كبيرة على مستوى القطاعات الزراعيّة والصناعات الخفيفة، بما فيها الغذائيّة؛ وهي قطاعات إنتاجيّة حيويّة ومهمّة، ويمكن أن تتّخذ منحًى متكيّفًا مع الأزمة، خاصةً وأنّ القطاعات السوريّة تمتلك مبدئيًّا الخبرة في العمل في هذه المناخات سابقًا. لكن هذه العقوبات تختلف عن سابقاتها في كونها الأشدّ قوّةً وإحكامًا من زاوية حدّة التأثير، ونسف التّوازن الاقتصاديّ الذي تستند إليه منظومة التحكّم والسيطرة العسكريّة-الأمنيّة- السياسيّة، وليس من زاوية المنافذ التي لم تستهدفها العقوبات الموجّهة.

سياسة “الإطفائيّ” ومنافذ النّجاة العراقيّة-الإيرانيّة بين التطلّعات والإمكانيّات
إذا كانت العقوبات مصمّمةً حتّى الآن للخنق السياسيّ عبر البوّابة الاقتصاديّة خلال فترة ستّة شهورٍ على الأقلّ، أو خلال عام 2012 على الأكثر، لتعجيل انهيار النّظام، أو إضعافه إلى أدنى الدّرجات، فإنّ إستراتيجيّة إدارة الأزمة تعتمد على ما يطلق عليه الباحثون في المستقبليّات وإدارة الموقف من الأزمات اسم “سياسة الإطفائيّ”، التي تحلّ مكان سياسة الحلّ التنمويّ البنيويّ الشّاملة.
ترتبط هذه المنافذ بشبه الريوع الجيو-سياسيّة التي حصلت عليها القيادة السوريّة. وتتميّز هذه الهوامش بأنّها مزيج من الهوامش الجيو-سياسيّة الريعيّة والاقتصاديّة الإنتاجيّة معًا، التي فرضها تطوّر الأزمة السوريّة، واكتسابها أبعادًا إقليميّةً. وفي هذا السّياق، تهيّء القيادة السوريّة – في إطار تمسّكها بالسّيطرة على نظام الحكم – نفسها لمواجهة أزمةٍ طويلة الأمد، بالاعتماد على قيام منظومةٍ جيو-سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ جديدةٍ في الإقليم، تكوِّن نوعًا من سوقٍ ممتدّةٍ مؤلّفةٍ من لبنان والأردن والعراق وإيران(21). وهو طموح يطرح باستمرار ارتهان هذه المشاريع التكامليّة لنزوات الصّراع السياسيّ المتقلّب، كما حدث للتّكامل الإستراتيجيّ التركيّ- السوريّ في العام الماضي، وكما حدث في مرّاتٍ عديدةٍ سابقةٍ في التكتّلات العربيّة الفرعيّة.
لقد كان الرّيع الجيو-بوليتيكيّ، في إطار التّقسيم الوظيفيّ السابق للنظام العربي بين “دول مساندة” و”دول مواجهة”، أحد أهم مصادر تمويل النموّ الاقتصاديّ في سوريّة طوال سنوات 1970 إلى 1995، ولكنّه تلاشى في العشرية الأخيرة (2000-2011) ليعود من جديد في إطار اتفاقاتٍ واتّفاقيّاتٍ اقتصاديّةٍ مع كلٍّ من العراق وإيران، تشتمل على مِنح نقديّةٍ وعينيّةٍ نفطيّةٍ، ويبلغ إجماليّها وفق معطياتٍ تحتاج إلى تدقيقٍ نحو 22 مليار دولار(22)، يُنفَق نصفها على الأقلّ خلال عام 2012. ويعدّ هذا الرّقم كبيرًا جدًّا، إذا ما قورن بحجم موازنة عام 2012 السوريّة البالغة نحو 26.5 مليار دولار(23). ويقدّم هذا الدّعم – في إطار أولويّات “الإطفائيّ” – منافذ نجاةٍ نسبيّة للاقتصاد السوريّ من ربقة العقوبات في ذروة الأزمة. وتعادل حصّة العراق منها – والبالغة 10 مليارات دولار – إجماليّ قيمة التّبادل التجاريّ بين العراق وتركيا(24). وهو مبلغ صغير نسبيًّا بالنّسبة إلى حجم الموازنة العراقيّة البالغ 120 مليار دولار لعام 2012، لكنه رقم كبير بالنّسبة إلى الاقتصاد السوريّ في حال الحصول عليه. ويستند على المدى البعيد إلى تطلّع لبناء سوق مشتركةٍ عراقيّةٍ-سوريّةٍ جرى الاتّفاق الأساس عليها في عام 2010.
الحقيقة أنّ العلاقات الاقتصاديّة السوريّة-الإيرانيّة كانت هي الأشدّ ضعفًا في العلاقات الإستراتيجيّة السوريّة-الإيرانيّة طوال الفترة المنصرمة، والتي كانت علاقات إستراتيجيةً بالفعل في الميادين التقنيّة والسياسيّة والإستراتيجيّة بما مكّن سوريّة من امتلاك تقاناتٍ إستراتيجيّةٍ تحتاج إلى التّمويل لتحويلها إلى منتجاتٍ. لكن مع بروز الأزمة السوريّة وتعقّدها؛ وتحوّلها إلى ميدانٍ لصراعات المصالح الدوليّة وما يمكن اختصاره مجازيًّا بـ”لعبة الأمم”، ودفع النظام السوريّ وحلفائه لتحويل حلّها إلى جزءٍ من مصير النظام المشرقيّ العربيّ في علاقاته الإقليميّة والدوليّة؛ برزت عمليّة إعطاء الأولويّة لشبكات الإنقاذ الاقتصاديّ للنظام السوريّ من وطأة العقوبات الثّقيلة. ولهذا تبنّت كلٌّ من إيران والعراق سياسةً حازمةً وسَخيّةً في تشجيع الصّادرات السوريّة.
لقد تمّ ذلك بتسهيل العراق دخول المنتجات السوريّة لمدّة ستّة شهور من دون التقيّد بشهادات شروط الجودة والتّصديق القنصليّ، وبشراء إيران كلّ فائض من معظم المنتجات السوريّة بشروطٍ ميسّرةٍ وتشجيعيّةٍ مغريةٍ لأسباب جيو- سياسيّة، وسرعتها الكبيرة في إقرار الأطر التشريعيّة لذلك، وفي مقدّمتها منطقة التجارة الحرّة، وإعفاء بضائع سوريّة (قائمة مؤلّفة من 68 سلعة) بقيمة مليار دولار من 60% من الرسوم الجمركيّة. ويعدّ ذلك نوعًا من تنويع المستوردات الإيرانيّة في سوقٍ تُعدّ من أكبر مستهلكي المنطقة، تضمّ نحو 75 مليون مستهلك. ويفسّر ذلك عمل المنشآت الصناعيّة السوريّة، ولاسيّما في حلب، بطاقتها الإنتاجيّة الكلّية بغية توفير حاجات السوق العراقيّة، إذ أنّ تقليص العرض السوريّ في السّوق الإيرانيّة مرتبط بمزايا السوق العراقيّة الشّرهة للمنتجات السوريّة، والتي تتّسم بنوعيّةٍ جيّدةٍ، وبكلفةٍ منخفضةٍ قياسًا إلى المنتجات الإيرانيّة. وقد ساهم في تدنّي قيمتها وارتفاع الطّلب عليها تراجع سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي، وهو التّراجع الذي يشجّع الصادرات عمومًا، بل ويمكن أن يكون تخفيض قيمة العملة إنعاشًا للاقتصاد حين يرتبط ذلك بسياساتٍ اقتصاديّةٍ-اجتماعيّةٍ واضحةٍ، وباقتصادٍ قويٍّ متوازنٍ. وقد أشارت المقابلات المباشرة مع عددٍ من الصناعييّن السوريّين إلى أنّ المَعامل بعد فترة ركودٍ أو حرجٍ في طاقتها الإنتاجيّة قد عادت إلى العمل بكامل طاقتها الإنتاجيّة لتلبية الطلب العراقيّ والإيرانيّ، ولعقودٍ أخرى غير معلنة – بمعنى غير مسجّلةٍ – تمّت مع العديد من البلدان العربيّة الأخرى. وحاصل ذلك هو التحوّل من تسريح العمالة إلى العمل على الحفاظ عليها، وارتفاع الطّلب على اليد العاملة المؤهّلة(25).
لكن الأمر يتعلّق في المقابل بمدى قدرة الإنتاج السوريّ على تلبية هذا الطلب في سياق تعقّد آثار العقوبات على استقرار الاقتصاد السوريّ، وتبدو الفرص المتاحة أكبر في حقيقتها من طاقات الإنتاج السوريّ في الشروط المعقّدة الراهنة. ولا يكفي ارتفاع حجم التبادل التجاريّ لحلّ أزمةٍ بنيويّةٍ-سياسيّةٍ- اجتماعيّةٍ، وعلى سبيل المثال ارتفع حجم التبادل بين سوريّة والعراق من أكثر من ملياري دولار في عام 2010، إلى أكثر من خمسة مليارات دولار في عام 2011، بينما التطلّع الممكن و”المأمول” عراقيًّا – وفق تقدير حدود الإنتاجيّة السوريّة – هو سبعة مليارات دولار في عام 2012(26).
ويبدو أنّ الصناعة التحويليّة السوريّة تعيش ما يصفه عددٌ كبير من رجالها بـ”عصرها الذهبيّ”، فيربح الصناعي الذي يعتمد على الموادّ الأوّليّة المحليّة مئةً في المئة، بينما يربح صناعيّ الموادّ الأوّليّة المستوردة ما بين 40 و60%، فضلًا عن تخلّصها من منافسة المنتجات التركيّة بموجب إلغاء الاتّفاقات السوريّة- التركية(27). لكن، يقابل هذه المنافذ تراجع الإنتاج الصناعيّ في مناطق التوتّر، ولاسيّما في ريف محافظات إدلب وحماة وحمص. فلقد تعرّضت العديد من المنشآت المتوسطة والكبيرة إلى التوقّف أو انتقلت إلى العمل الجزئيّ، أو تعاني من ارتفاع كلفة إنتاجها لأسبابٍ تتعلّق بأثر العقوبات، وباندلاع الثورات في أماكن تركّزها في وقتٍ واحدٍ. وهذا لا يعني عدم تعرّض القطاعات الإنتاجيّة لخسائرَ كبيرة، بل يعني إمكانيّة الاستمرار بالحدّ الأدنى في الأجل القصير لمدة سنةٍ على الأقلّ، وبشروط الفورة العراقيّة والإيرانيّة لاستقبال المنتجات السوريّة التي تجد منافذها للحصول على موادّها الأوليّة عبر دول شمال شرقيّ آسيا كتعويضٍ عن السّوق التركيّة.
وعلى مستوى القطاع الخاصّ ككل، والذي يساهم في الناتج المحليّ الإجماليّ – وفق أرقام عام 2010 – بنحو 64.7% بالأسعار الثابتة، فإنّ أثر الأزمة فيه سيبرز في انعكاس آثار اختلال التوازن الاقتصاديّ، وارتفاع كلفة الإنتاج، كما أنّ مهاراته أو” شطاراته” المكتسبة عبر الخبرة الطويلة تمكّنه على المدى القصير حتّى من الاستيراد لصالح الحكومة، بموجب نظام المناقصات أو حتّى الشّراء الوسيط المباشر. ويمتلك القطاع الخاصّ السوريّ خبراتٍ كبيرةً في مجال ما تتيحه التجارة الخارجيّة من نظام المقايضة بالسّلع وفق كتل القيمة، وحتّى المقاصّة، وحتّى الدفع بموجب نظام “السفتجة” الكلاسيكيّ، الذي هو أسرع وأكثر عمليّةً من النّظم المصرفيّة النظاميّة أحيانًا في حال توفّر شروط الثقة. والواقع أنّ خبرة التاجر أو الصناعيّ- السوريّ كبيرة في هذا المجال، وتقع في المحصّلة في إطار نظم التجارة الدوليّة.
لكنّ هذه منافذ على مستوى الحلول المؤقّتة أو حلول “الإطفائي” قصيرة المدى، وترفع في المقابل الكلفة، إذ العقوبات مصمّمة بكيفيّة محكمة لخنق الأعصاب الإستراتيجيّة في الاقتصاد الكلّيّ السوريّ، وأثرها الإجماليّ، ويتسبّب ذلك في شلل قطاعاتٍ بأكملها مثل قطاع الخدمات. وفي حال استمرار سياسة “الإطفائيّ” أكبر ممّا تتيحه المنافذ للخروج منها (فهي تتيح التّخفيف من آثار العقوبات لا أكثر)، ومن آثار الاختلال الجاري في توازنات الاقتصاد الكليّ المتضافرة التي لا تستطيع سياسة “الإطفائي” السيطرة عليها إلا بصفةٍ محدودة في ظلّ احتمال التراجع المستمرّ لأدوات تدخّلها الماليّة والنقديّة، وتخبّط سياساتها الاقتصاديّّة- الاجتماعيّة، وهشاشتها المؤسّسية.

خلاصة
يمكن تخيّل أن يمرّ عام 2012 ضمن سياسة “الإطفائي”، بدخول الاقتصاد الكلّي السوريّ في مرحلة الحرج بعد طول استقراره “الظاهريّ” وسيؤثّر ذلك كثيرًا في موازين القوى السياسيّة لمنظومات التحكّم والسيطرة، من دون أن يعنيَ تلقائيًّا انهيار النظام السياسيّ لتلك المنظومة، في إطار المعادلة القائمة: لا النظام يستطيع قمع حركة الاحتجاجات ولا حركة الاحتجاجات قادرة على إسقاط النظام، لكنها تضعفه وتحدّ من قدراته على التحكّم والسيطرة إلى درجةٍ كبيرةٍ، بما يخلق توازناتٍ جديدةً، أو يفتح مرحلةً جديدةً متعدّدة الاحتمالات والسيناريوهات. وفي تقديرنا، يتمثّل هنا على مدى عام 2012 الرّهان الإستراتيجيّ للعقوبات الموجّهة. وهنا يكمن مفترق الطّرق الحقيقيّ.

تشرين الثاني   ٢٠١٢

مراجع
1- نبيل مرزوق، “العقوبات الاقتصاديّة: خنق بطيء للنظام السوريّ”، مركز الجزيرة للدراسات، قطر، 19/11/2011:
http://studies.aljazeera.net/reports/2011/11/2011111910249163525.htm
2 – كانت سوريّة تنتج 380 ألف برميل يوميا تصدّر منها 150 ألف برميل وتدفع للشركات الأجنبية 35% من إجمالي 190 ألف برميل تنتجها هذه الشركات يوميا. ويقابل ذلك استيراد سوريّة للمشتقّات، حيث يكلف كلّ طنّ مازوت عالميًّا 600 دولار، وتستورد سوريّة 3 ملايين طنّ سنويّا أيْ بما قيمته 1.8 مليار دولار، فضلا عن الوقود اللازم لمحطّات الكهرباء والبنزين والغاز، إلخ. (من ورقة خلفية حضرها الخبير النفطي السوريّ الدكتور زياد أيوب عربش لصالح المادة).
3 – بحسب تقديرات الموازنة، ستعادل إيرادات بيع الخامّ السوريّ الثقيل نحو 12.5% من إجماليّ إيرادات الموازنة. وأهمية هذه الإيرادات تكمن في أنها بالعملة الأجنبية (الدولار)، وتموّل الجزء الأعظم من المستوردات بما يقارب 3.5 مليار دولار، ودورها هام في موازنة الميزان التجاري وميزان المدفوعات، كونها تشكل نحو 14 إلى 15% من إجماليّ الصادرات السوريّة. (نبيل مرزوق، مصدر سبق ذكره).
4- تصريح وزير المالية السوري محمد جليلاتي، الوطن (السوريّة)، 9/6/2011.
5- محمد جمال باروت، مسح المسارات الكلّية لتطور الاقتصاد السوريّ، (دمشق: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهيئة تخطيط الدولة، 2007)، ص 306
6- أديب ميالة (حاكم مصرف سوريّة المركزي) في تصريح خاصّ لجريدة الوطن: “الاحتياطي 18 مليار دولار”، الوطن، 25/10/2011. ويقسم حاكم مصرف سوريّة المركزي التسييل إلى: – 1.2 مليار دولار لتمويل المشاريع الاستثمارية التي انسحب بنك الاستثمار الأوروبي منها بموجب العقوبات، و3.7 مليار دولار لتمويل التجارة الخارجيّة أو المستوردات. ويسمّي مصرف سوريّة المركزي العملية الأخيرة بـ” ترميم مراكز القطع”. (قارنّا هذا مع مقابلة التلفزيون السوريّ – الرسمي – مع وزير الاقتصاد والتجارة نضال الشعار (مشاهدة مباشرة)، 3/2/2011).
7- ممّا هو معترف به رسميًّا أنّ مصرف سوريّة المركزيّ باع بأسلوب المزادات لشركات الصيرفة الخاصّة ما مجموعه 75 مليون دولار لمحاولة ضبط سعر الصّرف. (قارن مع تصريحي الخبير المالي والنقدي محمد جمعة وحاكم مصرف سوريّة المركزي أديب ميّالة، الوطن، 24/11/2011).
8- محمد جمعة، صحيفة الوطن السورية، 24/11/2011.
9- مقابلات مع العديد من الصناعيّين الحلبيّين، ومع مصدر مسؤول في أحد فروع المصرف التجاريّ في حلب.
10- “رئيس الحكومة يستثني 129 مادّة غذائية وطبية من منع ميالة،” الوطن، 10/1/2012
11- حسام يوسف مدير عام هيئة تنمية وترويج الصادرات، الوطن، 10/1/2012
12- “فضلية يشكك ويعتبرها مغامرة…الحكومة تقرّ موازنة 2012 بزيادة 58 في المئة عن 2011″، جريدة الوطن، 26/9/2011.
13- نبيل مرزوق، “العقوبات الاقتصاديّة…”، مصدر سبق ذكره.
14- Source: Central Bank of Syria; IMF, International Financial Statistics; World Bank, Global Development Finance. Economist Intelligence Unit
15- المجموعة الإحصائية السوريّة لعام 2011، مؤشرات عام 2010، المكتب المركزي للإحصاء: http://www.cbssyr.org/
16- أشار بعض الصناعيين إلى أن هناك بعض المعامل الكبيرة التي تشغّل 400 عامل، لكن لا يعمل فيها سوى 200 عامل، بسبب اندلاع ثورات المجتمع المحلي، بينما يتم تسديد أجور العمّال المتغيبين، والذين يصل تغيّب بعضهم إلى أسابيع أو حتى شهور بسبب الوضع الاستثنائيّ (صناعيّون للوطن، جريدة الوطن، 3/1/2012.
17- أنجز ربيع نصر وزكي محشي هذه الدراسة تحت عنوان “محددات المشاركة في قوة العمل في سوريّة 2001-2010″، وقدماها في أسبوع العلم الحادي والخمسين الذي كان محوره “التغيّرات السكانيّة في سوريّة وأبعادها التنموية” (من 12 إلى 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2011، جامعة دمشق). وقد اعتمدت الدراسة على منهجيّتين لتحليل هذه الظاهرة، تقيس الأولى الفجوة الافتراضية بين قوة العمل في حال استمرار معدّلات المشاركة لعام 2010 وبين الأرقام الفعليّة لعام 2009. وأظهرت وجود فجوة في قوة العمل تبلغ 1175 ألفًا من السكان (+ 15سنة) هم خارج قوة العمل. وبافتراض ضمّ هؤلاء الأشخاص إلى قوة العمل، وبقاء فرص العمل على حالها الفعليّة، فإنّ معدّل البطالة سيبلغ 24.4% مقارنةً مع 8.1% في البيانات الرسمية، المصدر السابق. (ربيع نصر وزكي محشي، “محددات المشاركة في قوّة العمل في سوريّة 2001-2010″، أسبوع العلم الحادي والخمسون، جامعة دمشق، من 12 إلى 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2011).
18- نبيل مرزوق، “العقوبات الاقتصاديّة …”، مصدر سبق ذكره.
19- المكتب المركزي للإحصاء، مسح قوة العمل 2009، جـدول 13/3. (فيما عدا العاملين في رئاسة الجمهوريّة ورئاسة مجلس الوزراء وشركات إنشاء القطاع العسكري).
20- محمد جمال باروت (مؤلف رئيس)، مسح المسارات، مشروع (سوريّة 2025)، ص 258. استنادًا إلى: قسطنطين زمان، مراجعة الاقتصاد السوريّ، المجلد 1، العدد 1، دمشق ت1 – 2006.
21- إن التصور العراقي –السوريّ وضمنًا الإيراني هو قيام سوق مشتركة عراقية-سوريّة خاصة، وسوق مشتركة سوريّة-عراقية- لبنانية- أردنية متكاملة مع إيران. وهو ما يعني تصور قيام كيان اقتصادي (وضمنا كيان جيو-بوليتيكي- سياسي) مشرقي كبير، لكنه حتى الآن مشروع لفترة متوسطة إن لم تكن طويلة المدى، ومحفوفة بمخاطر تأثير النزوات والتقلبات السياسيّة فيها. ويحتاج قيام السوق المشتركة المشرقية-الإيرانية إلى زمنٍ، وهو ما لن تسكت عنه السياسة الغربية، لأن هذا يعدّ في منظور المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية بمنزلة قيام كيان إقليميّ فرعي يقع ضمن النفوذ الإيراني. هذه السوق هي منهج المجازف في رسم المستقبل، وهو ما يعادل منهج Proactifفي إدارة الموقف من المستقبل بلغة ميشال غوديه. بينما المنهج المطروح هنا في تحليل السياسات هو منهج الإطفائي الذي يقع في فضاء Reactif .
22- قدّمت إيران لسوريا وفق بعض المعطيات ثلاثة مليارات دولار كمنحة، ووقّعت اتفاقات لتقديم 9 مليارات دولار حتى نهاية الربع الأوّل من عام 2012، بينما يعادل الدعم العراقي نحو 9 مليارات دولار نفى المالكي خضوعه لضغوطٍ إيرانية بشأنها، وبرّرها بحماية سوريّة للعراق من تسلل “الإرهابيين”، والواقع أنه قد أبرمت اتفاقات اقتصادية متعددة بين كل من سوريّة والعراق في مجالات الصحة والتجارة والاستثمار، كما تم في تموز / يوليو 2011 توقيع اتفاق استثماري إيراني-عراقي-سوري بشأن الغاز بقيمة 10 مليارات دولار. قارن مع:
“إيران تجبر المالكي على دعم الأسد بـ10 مليارات دولار”، موقع القناة، 8/2/2011
http://alqanat.com/news/shownews.asp?id=127072
23- كانت الحكومة السورية قد أقرّت الموازنة التقديرية لعام 2012 بما يعادل تقريبا 1326 مليار ليرة سورية (باع المصرف المركزي السوريّ مؤخرا عدة ملايين من الدولارات بسعر يقارب 51.3 ليرة سورية لكل دولار أميركي، وعليه فبحسب هذا السعر يكون حجم الموازنة مقاربا لـ 26.5 مليار دولار). (نبيل مرزوق، “العقوبات الاقتصاديّة …”، مصدر سبق ذكره).
24- وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري، بي.بي.سي، 16/12/2011 (استماع مباشر).
25- مقابلات مباشرة في أواخر كانون الأول / ديسمبر 2011 مع عدة صناعيين سوريين.
26- مداولات الملحق التجاري العراقي مع غرفة تجارة حلب، الوطن 12/1/2012. ومقابلات متعددة في مطلع عام 2012 مع مجموعة من الصناعيين، والصناعيين- التجار في حلب.
27- مقابلات مع عدد من الصناعيين وأعضاء غرفة صناعة حلب.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *