ملاحظات حول اليسار والثورة.. نقاشات 2014

ملاحظات حول اليسار والثورة.. نقاشات 2014

بودي وبشكل سريع الإشارة إلى عدد من النقاط التي أعتبرها هامة:
أولاً- الماركسية ليست عقيدة جامدة لا يأتيها الباطل -من وجهة نظري- بل هي منهج للتحليل والعمل السياسي من موقع المصالح التاريخية والمباشرة للعمال والكادحين. فقد أصبح معروفاً ومقراً بهمن محبي الماركسية ونقادها وخصومها على حد سواء، أنّه لا يمكن فهم النظام الرأسمالي وتناقضاته دون قراءة ماركس والمفكرين الماركسيين الكبارـ كما أنّ للماركسية نفسها قراءات، بل مدارس متعددة، هذا ما يفسر وجود قوى سياسية تدّعي الماركسية-مثلاً- لكنّها تقف في صف دكتاتورية “برجوارية” مثل النظام السوري.
ما يمكن قوله أنّ الإرث الحقيقي للماركسية هو إرث يقوم على عدد من المباديء أو المقولات الأساسية، منها: إنّ تحرّر العمال والكادحين هو من فعل العمال والكادحين أنفسهم، وهذا الموقف جوهري وأساسي لتمييز اليساريين، وليس فقط الماركسيين، الذين يعتقدون بالدور الأساسي والفوقي للنخب في عملية التغيير وإدارته، عن أولئك الذين يعتقدون بأنّ الإشتراكية المنشودة هي تغيير يقوم به الناس من الأسفل، أي التنظيم الذاتي والإدارة الذاتية للجماهير، وأنّ البشر ليست نعاجاً يقودها حزب أو أشخاص “مفكرين” يحتكرون العقل والفكر، وأنّ الجوهر الحقيقي للإشتراكية هو ماقاله ماركس نفسه، بأنّ الإشتراكية هي حكم الغالبية العظمى من الناس لصالح الغالبية العظمى من الناس في المجتمع المعني.
في الوقت عينه، أرى أنّ الماركسية لا علاقة لها بالحتميات، والتاريخ البشري ليس خطاً مستقيماً، هنالك انحناءات وتراجعات…الخ ليس للتاريخ غاية خاصة به، التاريخ يصنعه البشر فحسب ولا شيء آخر.
ونواجه في كل لحظة من الصراعات الاجتماعية إحتمالات عدّة تقرر مآلها خيارات ونشاطات الأطراف الاجتماعية الأساسية المعنية بالصراع المذكور، وكل مسار منها سيضعنا مجدداً امام خيارات أخرى. بهذا المعنى فإنّ توفر تعبيرات سياسية جماهيرية للقوى الاجتماعية المتصارعة مع استراتيجية واضحة يكون أمر هام -بل ومصيري- في تحديد نتائج الصراع الطبقي أو الاجتماعي -لمن يرتعب من كلمة طبقي-، وأيضا بهذا السياق يحوز الحزب العمالي الاشتراكي الجماهيري أهميته.
ثانياً- لا أتّفق مع القول أنّ الجماهير خلال نحو عامين من الثورة لم يرتق وعيها، إذ لم يبق أحد في سوريا، كائناً من كان، لا يشكل همه اليومي هو الثورة ومصير البلاد.. إلخ من القضايا الجوهرية والأساسية في حياة أي مجتمع يعيش مرحلة ثورية عظيمة.
كما أنّ الجماهير الثائرة استطاعت أن تبتدع أشكال كفاحية متعددة لمواجهة عنف السلطة ووحشيتها، مثلما استطاعت أن تبدع في كل لحظة شعاراتها الخاصة التي تجيب على وقائع محددة تواجهها، وتفكر أيضاّ بسبل الانتصار، إذن، لا يمكن القول بقصور وعيها، ولكن الوعي الراهن للجماهير -وحتى للمثقفين- وعي متفاوت ومباشر ومحمل بـ”ثقل الماضي”.
في هذا الخصوص يكون للقوى السياسية -اليسارية في حالتنا- دورها الهام في الإجابة على هذا الحال: مواجهة تفاوت الوعي في أوساط الجماهير، تعميم خبرات الجماهير النضالية والتنظيمية -ما يحصل في دمشق وحمص وحلب إلخ-،  وتعميم دروس وخبرات النضالات والثورات في بلادنا والعالم، والدعوة في صفوف الجماهير للاستراتيجية الثورية.
ثالثاً- نعم أتفق مع القائلين بأنّ الأزمات الاقتصادية والسياسات الليبرالية ليست السبب المباشر لاندلاع الثورات، فالثورات الشعبية في تاريخ البشرية اندلعت معظمها بشرارة كانت تبدو بسيطة، ظلم أو احتجاج مطلبي بسيط أو حدث كان يبدو عابراً، أو كما كان ماركس يقول عن أنّ اندلاع ثورات ١٨٤٨ قامت بسبب”مآدبة” وأنّ لكل الثورات مآدبها.
ولكن ليس صحيحا القول بأنّ الثورة اندلعت في درعا رغم أنّها لم تكن من المناطق التي عانت كثيراً من سياسات النظام الاقتصادية، لأنّ “المآدبة” أو الشرارة التي أطلقت الثورة في بلادنا كانت احتجاج جماهير درعا على وحشية النظام في قمعه لأطفالهم، وقد سبق هذا احتجاج الحريقة في دمشق في شهر شباط احتجاجاً على عنف الشرطة لشاب بسبب مخالفة مرورية، لكنّ الشّرارات التي تنطلق أثرها الثورات لا تستغرق كل تفسير أسبابها الاجتماعية والسياسية العميقة، فالطاغية “بشار الأسد” طبق سياسات نيوليبرالية من أبشع ما تمّ في كل بلدان المنطقة، وحين استلم الحكم وراثة عن أبيه كانت نسبة السكان تحت خط الفقر تساوي ١١°/° من السكان لتصل في أقل من عشر سنوات إلى أكثر من ٣٣°/°، وهذا ليس بلا معنى، وفي هذه السنوات العشر تحوّلت نسبة حصة رأس المال من الناتج المحلي إلى نحو ٧٢%،  ونسبة المافيا المرتبطة بالنظام -مخلوف وشركاه – إلى ٦٥% من هذه النسبة.
هذه ليست مجرد أرقام، إنّها تعكس واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي محدد، ولذلك فقد شهدنا تزايد الاضّطرابات والمظاهرات -التي لم يهتم فيها تقريباً أحد من المعارضين التقليديين- منذ عام ٢٠٠٦، فالقوى الأساسية المحركة للثورة هي الكادحين والمأجورين والمُهمّشين٫ وهذا لا يعني أنّ أقسام من الشرائح الوسطى لا تشارك في الثورة، أو حتى أقسام من البرجوازية السورية نفسها، ولكن القوى المحركة للثورة هي المذكورة، وسبق أن كتبنا عن ذلك بتفصيل أكبر.
رابعاً- صحيح أنّ للمستويات الاقتصادية والأيديولوجية والسياسية استقلاليتها النسبية بعضها عن بعض، ولكنّنا لا نعيش في المريخ ولا خارج المكان والزمان، قد تكون المطالب المباشرة للثورة سياسية، لكن هذا لا يلغي عمقها الاجتماعي، وأنّها لا يمكن إلّا أن تكون محدّدة بالشروط الإقتصادية الإجتماعية السائدة، في المطاف الأخير، وأركّز على كلمتي “في المطاف الاخير”.
ما نعيشه في سوريا وغيرها من بلدان المنطقة، سيرورات ثورية لم تصل بعد إلى نهاياتها، وهذا ما نراه في مصر وتونس مثلاً، وستشهد انعطافات وربما تراجعات، لكنّنا نفتح على حقبة ثورية عظيمة تتجاوز في تأثيرها وتآثرها حدود منطقتنا إلى العالم، توفر يسار ثوري وجماهيري وفاعل، أم غيابه، سيكون له تأثير عميق على السيرورات الثورية الجارية، دور اليسار ليس فقط الانخراط في الثورات بل و الدفع نحو أعمق التغييرات السياسية والاجتماعية في بلادنا.
غياث نعيسة

 

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *