لينين: أفكاره هي المستقبل

لينين: أفكاره هي المستقبل

تحوّل لينين على يد ستالين وحفاري قبر الثورة الروسية إلى إله، أما في الغرب فقد ارتسمت صورته كطاغية وديكتاتور على يد أعداء الاشتراكية. لم يكن لينين أياً من ذلك. لقد سخّر حياته من أجل تحرر العمال، ليس في روسيا فحسب، بل في العالم كله. لقد كافح لبناء حزب صلب للثوريين لنظم الصراع من أجل السلطة. وقبل كل شيء، وضع لينين إيمانه في قدرة العمال على تحطيم الأغلال التي يقيّدهم بها مُضطهِديهم.

في الذكرى الخمسين لوفاة لينين، يحاول المناضل الاشتراكي الثوري البريطاني توني كليف، في هذا المقال الذي كتبه عام 1974، إنقاذ هذا القائد العظيم من أعدائه على جانبيّ “الستار الحديدي”.

منذ خمسين عاماً، توفي القائد الاشتراكي العظيم فلاديمير إيليتش لينين. في ذكرى وفاته، تبذل كلٌ من موسكو وحلفائها من جانب، وأعداء الشيوعية في الغرب من جانب آخر، كل ما في وسعهم لتشويه الدور التاريخي الحقيقي لهذا الرجل العظيم.

ترسخت الأسطورة على مدار فترة طويلة لتقول بأن لينين كان أباً للستالينية، رجلاً آمن بالديكتاتورية الشمولية. وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة.

ما حدث للينين وتراثه كان قد تنبأ به قبل ذلك بفترة طويلة في عمله الرائع “الدولة والثورة”، حينما وصف مصير القادة الثوريين في الماضي:

“أثناء حياة الثوريين العظماء، نعقبتهم الطبقات المضطهِدة بدون توقف، استقبلت نظرياتهم بالتحقير الوحشي وبالكره العنيف وبأبشع حملات الأكاذيب والتشهير. وبعد موتهم تحاول هذه الطبقات أن تحوّلهم إلى أيقونات غير ضارة لتضحيل أسمائهم، بينما تفرّغ في الوقت نفسه نظرياتهم السياسية من مضمونها وتنعّم سنها الثوري وتفججها”.

وضع لينين ثقة هائلة في القدرات الإبداعية الفائقة للجماهير. هكذا على سبيل المثال، كتب في يونيو – يوليو 1905:

“الثورة عيد المضطهَدين والمستغَلين. وليس هناك وقت تكون فيه الجماهير في وضع استعداد للتقدم للأمام بنشاط لبناء نظام اجتماعي جديد مثل وقت الثورة. في مثل هذه الأوقات يتمكن الناس من صنع المعجزات مقارنةً بالمعايير الحمقاء للتقدم التدريجي”.

يتعلم العمال خلال النضال. يتعلمون من خبرتهم هم أنفسهم في المعركة. أما الدور الحقيقي لحزب العمال الاشتراكي الثوري المتماسك، فليس أن يلقّن العمال دروساً، بل أن يتعلم منهم في النضال وأن يعلِّمهم في النضال.

“عندما تتحدث الطبقة البرجوازية العليا، وأولئك الذين يدافعون عنها ويرددون أصداء ما تقول، وكذلك الإصلاحيون الاجتماعيون، عن “توعية” الجماهير، فهم عادةً يقصدون شيئاً متحذلقاً، شيئاً يُضعف معنويات الجماهير ويثبّط عزيمتهم، شيئاً يغرس فيهم الانحيازات البرجوازية.
إن توعية الجماهير لا يمكن أن تنفصل عن نضالهم السياسي المستقل، لا سيما نضالهم الثوري. فقط هذا النضال هو ما يوعّي ويدرّب الطبقة المستغَلة، فقط هو الذي يكشف قوة الجماهير لنفسها، هو الذي يوسّع أفقها، ويثري قدراتها، ويصلب عودها وإرادتها”.

يهدف الحزب الاشتراكي الثوري ﻷن يضع يديه على المصادر الطبيعية للطاقة والإبداع المخبّأة في الجماهير. على الحزب أن يتعلم من الجماهير في النضال:

“هناك قدر هائل من موهبة التنظيم بين “الجماهير”؛ أي العمال والفلاحين الذين لا يستغلون عمل الغير. رأس المال يسحق هؤلاء الناس الموهوبين، الآلاف منهم، يقتل مواهبهم ويلقي بها في القمامة.
نحن لسنا قادرين بعد على إيجادهم، على تشجيعهم وإيقافهم على أقدامهم، وعلى تحفيزهم. لكننا سنتعلم أن نفعل ذلك إذا أصررنا عليه بكل الحماسة الثورية، التي بدونها لن تغدو هناك ثورات منتصرة”.

وللتعلم من الجماهير، على الحزب أيضاً أن يصبح قادراً على التعلم من أخطائه ومستعداً لذلك؛ أن يتمتع بأكبر قدر من النقد الذاتي. كما كتب لينين أن:

“موقف الحزب السياسي تجاه أخطائه يمثل واحداً من المقاييس الأكثر دقة في تقييم جدية وإخلاص هذا الحزب، وكذا أمانته في التزاماته تجاه طبقته. التعرف بصراحة على الخطأ، التأكد من الأسباب التي أدت إليه، تأمين طريق تصحيحه – تلك هي السمات المميزة للحزب الجاد، والتي هي كيف يمارس دوره ويؤدي واجباته، وكيف يجب عليه تثقيف وتدريب طبقته، ومن ثم الجماهير”.

النقاش المفتوح هو أمر أكثر حيوية وضرورة في فترات النضال الثوري المباشر. لذا كتب لينين في إحدى مطوياته في 25 – 26 أبريل 1906:

“في الفترات الثورية مثل هذه التي نعيشها اليوم، يتم الزج بكافة الأخطاء النظرية والانحرافات التكتيكية على الفور في اختبار الممارسة نفسها، هذه الممارسة التي تتعلم الطبقة العاملة منها وتستنير بها بسرعة غير مسبوقة.
في مثل هذا الوقت، يصبح على كل اشتراكي ديمقراطي أن يكافح من أجل أن يضمن أن النضال الأيديولوجي داخل الحزب حول القضايا النظرية والتكتيكية يجري بشكل حر ومفتوح وواسع قدر الإمكان، لكن في الوقت نفسه ألا يعوق وحدة الفعل الثوري للبروليتاريا الاشتراكية الديمقراطية.
إن حزب البروليتاريا الثوري لهو من القوة بحيث يمكن له أن ينتقد نفسه بشكل مفتوح، وبشكل صريح ألا يطلق على أخطائه ومواطن ضعفه إلا أسمائها الحقيقية. إن حزب الطبقة المتقدمة المقاتل بحاجة ألا يهاب الوقوع في الأخطاء. ما يخاف منه هو الإصرار على الخطأ، ورفض الاعتراف به وتصحيحه بسبب إحساس زائف بالعار”.

بالطبع لا ينبغي أن تؤدي النقاشات الداخلية في الحزب إلى إضعاف الانضباط ووحدة الفعل. بل على العكس؛ يجب أن تكون الديمقراطية الداخلية أساساً لوحدة الفعل، تماماً كما وصفها لينين بشكل جيد على النحو التالي:

“لقد شددنا أكثر من مرة من قبل على أهمية الانضباط داخل الحزب وعلى أي نحو يجب أن يكون ذلك داخل حزب الطبقة العاملة. عرّفنا ذلك بـ”وحدة الفعل، وحرية النقاش والنقد”. هذا هو الانضباط الوحيد الجدير بالحزب الديمقراطي للطبقة المتقدمة.
لا تعترف البروليتاريا بوحدة الفعل من دون الحرية في النقاش والنقد… لن يكون هناك حزب جماهيري، حزب للطبقة، من دون توضيح كامل للتفاصيل الأساسية، من دون نضال مفتوح بين التيارات المتنوعة، من دون إخبار الجماهير أيٍ من قادة الحزب وتياراته يشددون على هذا الخط السياسي أو ذاك. من دون ذلك، لن يُبنى حزبٌ جديرٌ بهذا الإسم”.

وعلى عكس الأساطير الستالينية، وأيضاً تلك التي يروّجها معارضو البلشفية من الليبراليين، لم يكن الحزب البلشفي شمولياً أو قمعياً. لقد كانت للديمقراطية الداخلية أهمية قصوى في حياة الحزب. هكذا على سبيل المثال، حينما طُرحت القضية الأكثر أهمية على الإطلاق، مسألة انتفاضة أكتوبر 1917، انقسمت قيادة الحزب بشكل حاد؛ وقد عارضت الانتفاضة كتلةٌ قوية داخل القيادة ضمت زينوفيف، وكامينيف، وريكوف، وبياتاكوف، وميليوتين، ونوجين.

وعلى الرغم من ذلك، انتخبت اللجنة المركزية مكتباً سياسياً لم يستبعد زينوفيف أو كامينيف.

وحتى بعد الاستيلاء على السلطة، ظلت هناك اختلافات داخل قيادة الحزب ولم تقل من حدتها عن ذي قبل. بعد الثورة بأيام، تقدم عددٌ من قيادات الحزب بطلب التحالف مع أحزاب اشتراكية أخرى. أولئك الذين أصروا على هذا الطلب كان من بينهم ريكوف (مفوض الشعب للشؤون الداخلية)، وميليوتين (مفوض الشعب لشؤون الصناعة والتجارة)، ولوناتشارسكي (مفوض الشعب لشؤون التعليم)، وكامينيف (رئيس الجمهورية)، وزينوفيف.

لقد ذهبوا إلى حد التهديد بالاستقالة من الحكومة، مُجبرين لينين ومؤيديه على التفاوض مع هذه الأحزاب. لكن هذه المفاوضات قد انهارت بسبب إصرار الاشتراكيين اليمينيين على إقصاء لينين وتروتسكي من الحكومة الائتلافية التي طمحوا إليها.

مرة أخرى حيال قضية عقد أم تأجيل انتخابات الجمعية التأسيسية في ديسمبر 1917، وجد لينين نفسه في موضع الأقلية داخل اللجنة المركزية للحزب، وعُقدت الانتخابات على عكس ما نصح به.

وبعد ذلك بفترة قصيرة، هُزم مرة أخرى في قضية السلام مع ألمانية في بريست – ليتوفسك. كان لينين مع إقرار السلام الفوري. لكن في اجتماع جمع بين اللجنة المركزية وأعداد من العمال النشطين في 21 يناير 1918، حظى طرح لينين فقط بـ 15 صوتاً، في مواجهة طرح بوخارين (الحرب الثورية) الذي تلقى 32 صوتاً، وطرح تروتسكي (لا سلم لا حرب) الذي جنى 16 صوتاً.

وفي جلسة للجنة المركزية اليوم التالي، هُزم لينين مرة أخرى. لكنه، تحت ضغط الأحداث، نجح في إقناع أغلبية أعضاء اللجنة المركزية بوجهة نظره. وفي جلسة 24 فبراير، حظى طرحه بالسلام الفوري بسبعة أصوات، بينما أتت أربعة أصوات ضده، وامتنع أربعة عن التصويت.

كنتيجة لضعف الطبقة العاملة الروسية بعد حوالي سبع سنوات من الحرب والحرب الأهلية، وعزلة الثورة الروسية بعد هزيمة الثورة الألمانية التي تعرضت لخيانة القادة العماليين اليمينيين – بما في ذلك قتل القائدين الثورييَن روزا لكسمبورج وكارل ليبكنيخت – صعدت البيروقراطية الستالينية في روسيا.

وطّدت الستالينية نفسها بعد القتل الجماعي لرفاق لينين المقربين خلال الثلاثينات. وصارت الإدارة الفردية للمصانع، حيث يتقاضى المديرون مائة ضعف أجور العمال الذين لم يكن لهم الحق في الإضراب عن العمل وقد سُلبوا كافة حرياتهم، صارت كل تلك الأمور سمات مميزة لنظام الحكم الستاليني.

لكن المستقبل سيؤول إلى أفكار ماركس ولينين، إلى الركائز المبدئية للماركسية اللينينية:

– الطبقة العاملة هي رافعة الاشتراكية.
– الطبقة العاملة بحاجة إلى حزب طليعي يقودها، لرفع قدراتها النضالية ووعيها وتنظيمها.
– ضرورة تحطيم جهاز الدولة الرأسمالية البوليسي العسكري البيروقراطي، واستبداله بمجالس العمال الديمقراطية حيث يتقاضى كافة الموظفين نفس أجور العمال الذين يمثلوهم، وحيث الانتخابات الدورية لهؤلاء الممثلين والحق في استدعائهم.

لهذه الأفكار أهمية لا تزال حيوية للعمال في كل مكان، سواء في بريطانيا أو روسيا أو الولايات المتحدة أو الصين أو الهند.

سيؤول المستقبل لأفكار ماركس ولينين.

* المقال منشور باللغة الإنجليزية في فبراير 1974

Facebook Comments

Post source : http://revsoc.me/theory/30493/

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *