لا لجنيف من اجل حكومة ثورية مؤقتة وجمعية تأسيسية

لا لجنيف من اجل حكومة ثورية مؤقتة وجمعية تأسيسية

على وقع ضجيج المعارك، رغم ما يسمى بالهدنة الجزئية السارية المفعول من نهاية شباط/فبراير من هذا العام، وبالرغم من تهجير ونزوح نصف سكان البلاد، اصر نظام الطغمة لآل الأسد، على اجراء انتخابات تشريعية، لتجديد مجلس “شعبه” الصوري . وقد اثار اصراره على ذلك استغرابا حتى من الموالين له. فكيف تقوم هذه الانتخابات في ظروف الخراب العام الذي تعيشه البلاد؟ وكيف يتم الإصرار على أقامتها في نفس الوقت الذي يفاوض وفده في جنيف أطراف معارضة بقصد تشكيل ” هيئة حكم انتقالي” يسميها النظام “حكومة وحدة وطنية موسعة”. وكيف يمكن للناس ان تنتخب بحد أدنى من الأمان وهي ممزقة ومشتتة وتعاني الأمرين. وكيف يمكن للمرشحين ان يقوموا بحملات انتخابية ؟…وغير ذلك من التساؤلات.

معروف عن النظام تزييفه وتزويره لكل هذه المهازل الانتخابية التي اقامها لعقود من الزمن، ولكن انتخابات مجلس “الشعب” الاخيرة التي جرت في ١٣ نيسان /ابريل كانت أكثرها ، وبلا شك، فجاجة وعهرا. وصل القرف من ابتذالها الى صفوف الموالين أنفسهم ، فالمشاركة بالتصويت فيها متدنية جداً ووصلت الحضيض رغم كل محاولات النظام فرض المشاركة بالتصويت على الموظفين والعسكريين ، وكل من وقع تحت إيديه . كما ان قائمة المرشحين ، شملت اسماء تثير القرف ومشهورة بفسادها ونهبها وقذارتها بشكل فج فاق كل ما كان يقوم النظام به سابقا.

وكأن النظام بهذه الانتخابات أراد ان يُبْصق وبوقاحة لا نظير لها بوجه مطالب الشعب السوري بالديمقراطية وان يبصق بوجه كل من لديه وهم بامكانية اصلاحه. انه الفجور بعينه. بيد ان اجراء النظام الدكتاتوري لانتخاباته بالشكل الاستفزازي المذكور لا يمكن عزله عن مناوراته ،بدعم حلفائه، في قضية “المفاوضات” من اجل انتقال سياسي، فالجولة الاخيرة من هذه المفاوضات بدأت في جنيف في ١١ نيسان/ابريل بحضور وفد النظام و”هيئة المفاوضات العليا” للمعارضة التابعة للسعودية والتي يترأسها رياض حجاب رئيس وزراء بشار الاسد الأسبق .

فاصرار وفد النظام على مبدأ ” حكومة موسعة” تضم النظام والمعارضة (التابعة للسعودية) ومستقلين، في نفس الوقت الذي يجري فيه “انتخابات تشريعية” ، بما يعني ذلك من تعنت يبديه برفضه لأي تنازل جوهري يمس بنيته كنظام طغمة، وضع وفد المعارضة المرتهنة وحليفها الإقليمي في وضع حرج فقررت الاخيرة “تعليق ” مشاركتها في جولة المفاوضات الجارية. والمشكلة ان هذه المعارضة لا تستند هي بدورها ، كما النظام الذي تفاوضه، الى سند شعبي ولا شرعية شعبية، بل تستند، كما النظام الى دعم إقليمي ودولي .

وهامش استقلالية النظام ، في هذا المجال، أوسع لديه مما لديها. ما يعني ان مآلات المفاوضات في جنيف ستحدده ، الى حد كبير، تفاهمات الأطراف الدولية والإقليمية المتنازعة فيما بينها على مصالحها في سوريا والمنطقة ، وليست الأطراف السورية المشاركة فيها. والواقع، ان عموم الناس في سوريا لا تبدي اهتماما كبيرا بما يجري من مفاوضات في جنيف، ولا تهتم كثيرا بكل حرتقات الوفود المشاركة فيها وسخافات تصريحاتهم وتصرفاتهم وخطاباتهم الفارغة. الناس في سوريا، معنية ،ويشغل بالها ، ما تعانيه يوميا وما يمكن ان يحسّن أوضاعها الحياتية، وان يوقف دوامة الموت والدمار، ويفتح أمامها آفاق مستقبل يقوم على العدالة الاجتماعية والمساواة وحريتها وكرامتها.

والحال، فان خارطة القوى المتقاتلة عسكريا على الارض السورية تشير الى هيمنة كبيرة لقوى الثورة المضادة. من جهة النظام وحلفائه ومن الجهة الاخرى القوى الفاشية والرجعية المدعومة من دول اقليمية، وفي الطرف الثالث مجموعات للجيش الحر وهي ما تزال الأضعف عسكريا، اضافة الى خصوصية الوضع الكوردي حيث تهيمن قوات حماية الشعب عسكريا وبأجندة قومية. لذلك فان الحراك الشعبي لم يعد ، الى حد كبير، يراهن على دعم مسلح له يحميه من بطش النظام. حيث ان الجماهير الشعبية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام تعاني من بطش القوى الفاشية والرجعية مثل داعش والنصرة، وهي تواجهها بشكل أوسع منذ ان خففت الهدنة الجزئية المعلنة منذ نهاية شباط/فبراير من قصف النظام على بعض المناطق. اذ تشهد، مثلا، مدينة معرة النعمان منذ نحو شهر ونصف مظاهرات يومية ضد جبهة النصرة (وأمثالها ) المعادية للثورة والشعب، مظاهرات شعبية اعادت مجددا طرح شعارات الثورة الشعبية الأصيلة ، وكذلك الحال في عدد من المدن السورية الاخرى، مثل سقبا.

وفي الوجه الاخر ، استعاد الحراك الشعبي الأصيل بعض حيويته في مناطق خاضعة لسيطرة النظام مثل مدينة السويداء. هذا النهوض المستجد للحراك الشعبي الثوري، هو الذي نراهن عليه ونعمل فيه ومن اجله، ومن مطالبه الأولية وقف الحرب والدمار والافراج عن كل المعتقلين والمخطوفين ورفع الحصار عن البلدات والاحياء المحاصرة. كما ان الحراك الثوري والشعبي يتطلب اليوم بناء شبكة تحالفات بين القوى الثورية والشعبية، لتنظيم هذا النهوض الملحوظ للجماهير السورية ضد قطبي الثورة المضادة وبناء قيادة ثورية بديلة تكون قادرة على طرح وإقامة بديل ثوري حقيقي يقوم ،كمدخل أولي، في تشكيل حكومة ثورية مؤقتة تعيد هيكلة الجيش والاجهزة الأمنية وحل وإخراج الميليشيات المسلحة الأجنبية والطائفية وتستعيد القرار المستقل للشعب السوري و تعمل على توفير الشروط الملائمة لانتخابات حرة ونزيهة لجمعية تأسيسية ترسم مستقبل جديد لبلادنا يتسم بالحرية والديمقراطية والمساواة والعلمانية والعدل الاجتماعي.

الخط الأمامي تيار اليسار الثوري نيسان/أبريل ٢٠١٦ ——

افتتاحية العدد ٣٦ من جريدة ” الخط الأمامي” لسان حال تيار اليسار الثوري في سوريا- شهر آيار/ مايو ٢٠١٦

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *