لا داعــش، لا أوبامـا ولا أردوغـان. العـرب والأكـراد كفاح مشترك

لا داعــش، لا أوبامـا ولا أردوغـان. العـرب والأكـراد كفاح مشترك

الثورة لم تمت وإن كانت تنزف دمها بغزارة، ما دام “الجيش الحر”، وما يُسمَّى ب/”الائتلاف الوطني..” و”وهيئة التنسيق…” بالإضافة إلى السياسة الدولية للإمبراطوريات الإمبريالية والسلطة الحاكمة ، تقف كلها جنبا إلى جنب فوق خشبة مسرح يتألف من القوى الدولية، والسلطة المهيمنة، والمعارضات، والجيوش العديدة المعادية للسلطة. ففيما يفتقرالأول من هؤلاء، أي “الجيش الحر “، الى رؤية للثورة بمضمونها السياسي. فالبلاغات “السياسية” التي تَصدر عنه تحوَّلَت إلى بلاغات عسكرية مجهولة الهدف، عارية مجرَّدة من هدفها السياسي، وتكتيكها الثوري، معا وعلى حد سواء. بلاغات ذات مضمون عسكري ليس غير. في حين ان بقية القوى الرجعية المسلحة تعلن ان هدفها هو اقامة الشريعة او اقامة الخلافة٬ بشكل صريح في معاداتها للثورة الشعبية.

“الائتلاف…”، من جهته، أي من جهة ثانية، ، حوَّل الثورة إلى بيانات دولية سياسية مشتركة تحمل توقيعه إلى جانب إحدى دول الإمبريالية. الأنكى من ذلك أن جانب المساعدات العسكرية والسياسية التي وُعِدَ بها “الائتلاف…”، غير أنها بقيت حبرا على ورق، فليحل محلها خواء مرعب٬ وان وصل بعضها انفقت بشكل يفوق بفساده فساد نظام الطغمة نفسه. فإن ما وُعِد به “الائتلاف…” من تدريب عسكري ومساعدات عسكرية بالعتاد للتكوينات “المعتدلة” في المعارضة، لم يظهر له أي مفعول حسي على أرض المعركة السياسية والعسكرية. هذا، إن لم يكن الدعم السياسي من السياسة الدولية لل/”معارضة”، قد تحوَّل إلى دعم غير مُعلن عنه بصريح العبارات للنظام الحاكم.

“هيئة التنسيق…” من جهتها، أي من جهة ثالثة، مسرحٌ فكاهيٌ تلعب فيه السياسة الدولية، والنظام الحاكم جزءٌ لا يجتزأ منها، طالما يلعب فيها دورا رئيسا إلى جانب/ومع الدول الإمبريالية، دور المُمَثّل المختبئ تحت طاقية الإخفاء . “هيئة التنسيق…”، مسرح هزلي لأن الإخراج المسرحي يَجمع كل سخريات السياسة الدولية من فرقاء المعارضة، كلهم بلا استثناء لأي منهم، كي يصبَّها مجتمعةً في الدور الساخر والهزلي لهيئة التنسيق. مصدر هذه السخرية، والذي يثير لدى الشعب ضحكات متشنجة حيال دورها الأبله والمصاب بعاهة عقلية، لأنها الأقرب بين المعارضين إلى السلطة الحاكمة، ومع ذلك فإنها وحدها هي التي تجهل أن النظام الحاكم يرتدي فوق رأسه طاقية الإخفاء، والسلطة هي التي ستطردها من المسرح قبل أن تنتهي من تمثيل دورها حتى غاية نهايته. ستطردها من التمثيلية الدرامية الهزلية ليس لأي سبب آخر سوى أنها ذات الدور الأضعف،.فضلا عن أنها شريك لا يشغل مكانا في جيب السلطة، وهو، شأنه شأن منظمات المعارضة ليس فقط عديم الصلة بالشعب، وإنما هو، علاوة على ذلك، موضع لانتقادات لإذاعة من الشعب له.

في الساعات القليلة الماضية انضمت آخر المستجدات في الجبهة السورية التركية إلى الثورة المضادة، من بين اهدافها إعاقة تقدم قوات الحماية الشعبية الكردية . فآخر المعلومات الآتية من الحدود السورية التركية، تفيد أن تركيا آردوغان التي كانت حتى الساعات الأخيرة ترفض أن تحتل موقعا لها في الصراع ما بين أوباما ووالمجموعات الجهادية التكفيرية كداعش والنصرة في سورية، طالما كانت ترفض المشاركة في الحرب ضد داعش، ما تزال بالرغم من عملياتها العسكرية الاستعراضية ضد داعش وايضا قوات حزب العمال الكردستاني خلال الأيام القليلة الماضية، أقرب إلى الفصائل الجهادية التكفيرية منها إلى المقاومة الكردية في سورية وتركيا على حد سواء. موقفها المتفرج على المعركة العنيفة ما بين داعش والمقاتلين الأكراد في كوباني، والتي كانت مجرياتها تحدث تحت أنظار قوات تركية مكتوفة اليدين، ما تزال حاضرة في الذاكرة. لاسيما وأن قوات الأمن التركية ماضية، حتى غاية الساعات الأخيرة، في حملاتها القمعية ضد أكراد تركيا.

فقد كان آردوغان يفضِّل، حتى وقت قريب، الحرب ضد النظام الحاكم في سورية، وأن يكف يده عن الفصائل الجهادية التي تعتبر برأي الحكومة التركية المحافظة حليفا احتياطيا لها ضد الشعب الكردي. بل، وإن الاخيرة، كانت تقترح على واشنطن تشييد منطقة عازلة في شمال سورية من أجل الحيلولة دون امتداد “الحرب الأهلية” إلى خارج الحدود السورية. أو بتعبير آخر خوفها المَرَضي من أن تشتد قوة المقاومة الكردية، وتضعف قوة الفصائل الإسلامية الجهادية ، طالما تحارب هذا الأخيرة النظام السوري وحزب الله على جميع الجبهات الجغرافية، وتخسر معاركها في العراق وسورية أمام المقاتلين الأكراد. الشغل الشاغل لأردوغان، كان حتى وقت قريب للغاية، أن يُلحق الشلل بالمقاومة الكردية، أي ما يسميه ب/”امتداد الحرب الأهلية” من سورية إلى تركيا. ما كان ليأتي، في ما بعد وفي نهاية هذا التكتيك مثلث الأضلاع، التركي، الإسلامي الأمريكي، أن الإمبريالي أوباما ضاق ذرعا من مخاوف أردوغان إزاء الشعب الكردي في سورية، فألزمه، في نهاية المطاف، أن ينصاع للإمبريالية الأمريكية، فيتخلى عما كانت يطالب به بإلحاح، أي تشييد منطقة عازلة جوية وبرية معا من الجهة السورية، على امتداد الحدود السورية التركية المشتركة، بما يوفِّر الأمن لتركيا في منطقة العزل الجوي. بتعبير آخر، فإن الرئيس التركي أردوغان تخلى عن مطالبته الملحة بتشييد منطقة عزل جوي تحمي تركيا في هذه المنطقة من تداعيات الحملة العسكرية الجوية الأمريكية، وتناسى أردوغان مخاوفه من “تصعيد للتعبئة العسكرية الأمريكية” في المنطقة العازلة التي كانت وما تزال تلقى من أوباما رفضاً قاطعا، لخوفه من أن يستنزف هكذا توسيع الميزانية الأمريكية التي تعاني من العجز المالي. في الختام، تخلى مؤقتا اردوغان عن المنطقة العازلة بما يرضي أوباما، وها هو يبادر إلى تبادل العمليات العسكرية والاعتداءات المتبادلة مع الفصائل الجهادية والتكفيرية، تارة فوق الأراضي السورية، وتارة فوق الأراضي التركية، وذلك كله على مقربة من الحدود المشتركة بين البلدين، سورية الأسد الثاني، وتركيا أردوغان.

في تطور متصل للأحداث على امتداد الحدود السورية التركية، فإن السياسة التركية الخارجية تدخل في الساعات الأخيرة – حسب ما يبدو في ظاهر الأمور – تدخل في منعطف بمقدار 180 درجة، عندما تتحول مخاوفها من الشعب الكردي في سورية، إلى مخاوف من داعش والفصائل الجهادية في سورية، وإن كان الهدف في الحالتين هو نفسه دوما، أي اغتيال جديد للثورة الشعبية في سورية، حسب ما يترجم عنه قرار تركي جديد من حيث الشكل والمضمون يصدر أخيرا، بعد مرور شهور مديدة من التردد، يَصدر القرار بأن تتدخل تركيا عسكريا في سورية. هذا المنعطف الجديد للسياسة السورية لتركيا يأتي في أعقاب العملية الانتحارية لداعش في تركيا بتاريخ يوم الاثنين 20 تموز، والتي أودت بحياة 32 قتيلا من سكان مدينة سروج الواقعة على الحدود مع سورية . ولم تمر أيام قليلة حتى وقع اعتداء آخر يوم الخميس 23 منه على موقع عسكري تركي متقدم للجيش التركي بالقرب من كيليس الواقعة على الحدود بين البلدين، مما أدى إلى مقتل ضابط تركي في منطقة كيليس الحدودية مع سورية الواقعة في جنوب الأراضي التركية.، داعش أعلنت مسؤوليتها العسكرية عن هذه العملية. مما يؤدي، في اليوم التالي الموافق للجمعة 24 تموز إلى قصف جوي ينفِّذه سلاح الجو التركي على قواعد تابعة لداعش في الأراضي السورية ، وذلك مقابل مدينة كيليس من الجهة السورية. في اليوم نفسه، فإن رئيس الوزراء التركي أحمد داوود اوغلو يؤكد أن العملية ضد داعش أدت مهامها بنجاح، وأنها لن تتوقف. وأضاف بقوله أن أي تحرك يهدد تركيا سيؤدي إلى أشد أنواع ردود الفعل. كما أعلن أن حكومته تعتزم تعزيز رقابتها على امتداد 900 كلم طوال الحدود المشتركة بين البلدين، وذلك ببناء جدار أو نشر صواريخ موجَّه لصد تحركات “الجهاديين”.

هذا، وقد شمل القصف الجوي في يوم الجمعة مواقع لحزب العمال الكردستاني الذي كان أَعلن في يوم الأربعاء 22 منه عن مسؤوليته في ما يتعلق بمقتل عنصرين اثنين من رجال الشرطة في موقع سايلنبنار على الحدود المشتركة، وذلك كرد على القصف الجوي التركي في سروج. رئيس الوزراء التركي داوود اوغلو في ردِّه المباشر على حزب العمال الكردستاني أعلن عن اعتقال 297 شخصا يشتبه بانتمائهم ل/”مجموعة إرهابية”، وذلك منذ صباح يوم الجمعة 24 منه، مجموعة منتشرة في 16 محافظة تركية؛ منهم 37 أجنبيا.

يذكر أيضا أن مناضلة من اليسار الجذري قُتِلَت اثناء تبادل لإطلاق النار مع الشرطة في إحدى أحياء إسطنبول. المناضلة تنتمي لل/”جبهة الثورية لتحرير الشعب”. السلطات التركية تتهم هذه المنظمة بتنفيذ مجموعة عمليات “إرهابية”في تركيا. وفي تطور متصل ، تفيد الأنباء عن مقتل 31 كرديا مؤخرا في صدامات مع قوات الأمن التركي.

هذا، وتثير عملية سروج التركية، والتي اعتدت على مواقع لشباب يساريين اتراك على قرب من الحدود مع سوريا، موجة من الغضب في الأوساط الكردية في تركيا، والتي تتَّهم الحكومة في أنقرة بجمود سياستها حيال الشعب الكردي في تركيا. هذا، في ما يعزا، في الوقت نفسه، إلى جماعة كردية أنها قتلت في إسطنبول تاجرا قيل أنه ينتمي إلى داعش. وتفيد الأبناء الواردة من تركيا أن المدن التركية تشهد بصورة مستمرة مظاهرات للشعب الكردي تعرب عن غضبها حيال السياسة السورية لأردوغان، في ما وجَّه أكبر الأحزاب الكردية وأهمها في تركيا نداء يدعو إلى التجمع يوم السبت 25 في المدن التركية للتنديد بالاعتداءات التركيةعلى الشعب الكردي في سورية. وتشهد المدن التركية مظاهرات احتجاج كبرى .
هكذا تغيير يسجل حسب واشنطن تغييرا مستجدا، وبداية مرحلة جديدة في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية في حربها الجوية ضد سورية والعراق
وفي هذه الأثناء، تعترف السلطات التركية بأنها أعادت العمل بقاعدتها الجوية الواقعة في إنجيرليك، أمام الطائرات الأمريكية التي تقصف تحركات داعش في سورية والعراق. كل هذه الأحداث، وغيرها ما يزال مخفيا، تَحمل على الاعتقاد أن تركيا عَقَدت اتفاقا مع واشنطن منذ صباح الأربعاء 22 تموز، وذلك في اتصال هاتفي ما بين الرئيس أوباما والرئيس التركي أردوغان، تنتهي بمقتضاه المواقف المتردِّدة لتركيا حيال الحالة السورية، بعد مرور شهور من التردد واللف والدوران حول ما إذا كانت تنضم تركيا بالفعل والواقع العملي الحربي للتحالف بقيادة واشنطن في حربها ضد داعش، أم لا.

إن المشهد السياسي لتركيا أردوغان في ما يتعلق بسياسته السورية، تفيد، في ضوء المعضلة التي تواجه السياسة التركية حيال شق طريق مستقل أمام السياسة التركية بين خطرين اثنين، الشعب الكردي وداعش، يضع السياسة التركية أمام مجازفتين اثنتين. إما استقلال الشعب الكردي من كردستان العراق إلى سوريا . لاسيما وأن تفكك الدولة السورية يفسح مجالا أمام ما هو ممكن. الأمر الذي يُعْتَبَر بمثابة كارثة سياسية لتركيا حزب العدالة والتنمية. أو إما اتساع نفوذ اداعش والفصائل الجهادية . لذا، فإن المرجح من الاحتمالات توكِّد بثقة أن المخرج الوحيد أمام أردوغان هو السير وراء أوباما والإمبريالية التي تعتقد أن استقرار الحكم السياسي في سورية هو مفتاح الأمنين القومي والإقليمي. فإذا كانت تحرشات داعش المحدودة حيال تركيا تدلِّل أول ما تدلَل على أن معطيات سياسية إقليمية في ضوء الاتفاق الأمريكي الإيراني، يحمل اردوغان في أنقرة على المزيد من الانصياع لأوباما، لأن تحرره من ثقل السياسة الآمريكية في المنطقة سيكلف تركيا غاليا في عدائها للشعب الكردي وداعش. بتعبير آخر، فإن الولايات المتحدة إذ هي تقدِّم مساندة جوية للأكراد ضد داعش فإنها تشجع بذلك داعش على ممارسة ضغوط عسكرية على أردوغان لحمله على تقليص النفوذ الكردي، والانضمام إلى السياسة الإيرانية لأوباما، بما يُضعف من الوزن الإقليمي لايران أمام الحلف المقدس الأمريكي التركي.

في مسار زماني آخر ، فإن الشعب السوري يقاوم بطبقاته الشعبية المؤامرات المُدَبَّرة لقتل ثورته الشعبية. مؤامرات مجرمة مصيرها إلى الفشل مهما كثر عددها، واشتدت قسوتها، إذا ما أُنْجِز شرط واحد مؤداه يؤكد أن القوى الثورية اليسارية والديمقراطية، إذا ما التقت في جبهة متحدة حول برنامج الثورة،واستعاد الحراك الشعبي نهوضا٬ فإن كل العمليات لاغتيال ثورته الشعبية، ستبوء بالفشل، بالرغم من أن تاريخها المُحدث يسجَّل كل يوم عملية اغتيال ناجحة وقاتلة للثورة على يد الثورة المضادة. لكن الثورة مستمرة.

بقلم : حسان خالد شاتيلا

‫#‏الخط‬ _الأمامي

‫#‏لسان‬ حال ‫#‏تيار‬ ‫#‏اليسار‬ ‫#‏الثوري‬ في ‫#‏سورية‬

الأحد 26 تموز/يوليو 2015

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *