زاوية: مع شعوب العالم من خلال الثورة المستمرة

زاوية: مع شعوب العالم من خلال الثورة المستمرة

إمبراطور الإمبريالية الفرنسية لا يتنازل عن عرشه المخلخل في عالم الشعوب في زيارة له إلى الجزائر ومنها إلى تونس يومي 19 و20 تموز/يوليو الجاري، يترك رئيس الجمهورية الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي في زيارة له إلى البلدين الاثنين اللذين يتبوبان المركز الأول في علاقات فرنسا الاقتصادية مع العالم، الجزائر وتونس، شعورا بالغيظ لدى الشعبين المضيفين حيال زعيم فرنسي يبدأ أول زيارة له، في إطار حملته الانتخابية كمرشح لرئاسة الجمهورية والمزمع عقدها في فصل الربيع من العام 2017، بزيارة لهذين البلدين اللذين يحاولان، بلا جدوى، منذ انتزاع كل منهما لاستقلاله بعد نضال تحرري وبطولي استمر عقودا من الزمن، الانفصال الاقتصادي والبشري عن فرنسا التي ما تزال تطل على العالم في مواقفها حيال قضايا الشعوب كإمبراطورية إمبريالية.

هذا الإمبراطور، وريث نابليون بونابرت من حيث طموح السيطرة الفرنسية على العالم كدولة عظمى، هذا الطموح الإمبريالي المتأصل في الدولة الفرنسية على اختلاف عهودها طوال القرنين السابقين، ها هو يدعس بقدمه اليمنى على قدمه اليسرة، فيختل توازنه، ويكاد أن يتهاوى إلى الأرض، عندما يُعلن، من تونس، بلهجة التباكي، أن تونس “تقع حدودها بالرغم عنها ما بين الجزائر وليبيا. تونس – وهو يخاطب الشعب التونسي – لم تختر موقعها الجغرافي عن رضا منها…”. الأمر الذي ترك لدى الشعب الجزائري شعورا بالغيظ والغضب حيال هذا الضيف الفرنسي. هذا، في ما يرتبط البلدان بصلاتٌ صعبة من جراء هجرة اليد العاملة المغاربية إلى فرنسا للعمل فيها، من جهة، ورجحان الكفة الفرنسية في ميزان العلاقات الاقتصادية والمجتمعية أو البشرية مع هذه البلدان، من جهة ثانية.

لذا فإن هذين البلدين مرغمان، من الناحية الشكلية على الأقل، بالتظاهر باحترام الرئيس الفرنسي. بل وإن ذاكرة الشعب الفرنسي سَجَّلت بحروف لا تمحى عبر الزمان، شتيمة كان الرئيس السابق ساركوزي وجهَّها لمواطن فرنسي يرفض أن يصافح رئيسه لدى زيارته للمعرض الزراعي السنوي، فيأمره بوقاحة لا يرضى عنها المجتمع الفرنسي : “زِحّْ يا أنت يا مُغَفَّل يا منحط من أمامي”. بالمقابل، فإن السياسة الرسمية للبلدان المغاربية، تَعود كلما استدعت الأحداث منها ذلك، إلى التذكير بأن سياساتها لا تتدخل في الشؤون الفرنسية، سواء في ما يتعلق بشؤونها الداخلية، أو بعلاقاتها مع البلدان المجاورة لها. في هذه الأثناء فإن الشعوب المغاربية تتابع على الدوام تحركات الزعماء الفرنسيين في بلدانهم. فالرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي، الذي يَمنَح المملكة المغربية دور “الحلقة الصلبة” ما بين الدول المغاربية، والذي يذهب ويعود بصورة شبه مستمرة إلى المملكة صحبة زوجته كلارا، فإن زياراته المعتادة تحظى، بالمقابل من “المخزن” (“القصر الملكي”، حسب تسمية الشعب لمقر محمد السادس)، بمراسم ملكية خاصة. الحلقة الصلبة مقابل حفاوة مبالغ فيها تشهدها كل مرة مائدة الطعام المغربية العريقة في تراثها الحضاري، وهي تمتد أمامه صحبة أنواع النبيذ المغربية ذات الشهرة العالمية. بيد أن الضيف، المرشَّح لخلافة الرئيس الحالي فرانسوا هولاند، يُصْدر، خلال زبالاته قبل أيام قليلة لتونس، ما يسميه التونسيون والفرنسيون “فتوى” ملكية. فقد “أفتى” صاحب الجلالة الفرنسي المصاب بعدوى الشهية الغرامية للمائدة المغربية التراثية، بلغة تَحْتمَل التأويلات الفقهية وربما تحت تأثير الموائد الشهية والنبيذ رمادي اللون، أن الجزائر ومعها ليبيا، إذا ما تُرك الحكم له فقط، فإنهما تدخلان بأنظار “سياسته الدولية الإمبريالية”، في حيز الحجز الأربعوني”.

ما يثير الدهشة، أن جلالته، وهو بهلوان زمانه في ما يتعلق بما عُرِف عنه بمنعطفات خطه السياسي بمقدار 180 درجة كلما تستدعي المنفعة الاقتصادية العاجلة ذلك، يستغبي الشعب التونسي، عن وعي منه أو غير وعي، عندما يُخيَّل إليه أن الشعب التونسي نسي علاقات الصداقة الحميمة التي كانت تربطه بسيء الذكر زين الدين بن علي. بل، وإنه يمضي قدما في استغباء بني البشر، فيتجاهل، وكأن التاريَخ يَفْقُدُ ذاكرته، أن وزيرة دفاعه ميشيل آليو ماري اقتَرَحَت، في خطاب لها أمام الجمعية الوطنية(البرلمان) في دفاعها عن سياسة الحكومة الفرنسية، وذلك في ما كانت الثورة في تونس تجتاز حالة حاسمة، عن استعداد بلادها مد َّ يد العون بما عُرفَت به من خبرة في ميدان “قمع الفوضى”، إلى ابن علي لإنقاذه. التاريخ لا ينسى أيضا، مهما تقدَّم الزمان، أن ساركوزي مارس دورا فعالا في إطلاق سراح الممرضات من الجنسية الرومانية واللائي كن محتجزات في سجون القذافي.

لم ينس، علاوة على ذلك، أن العقيد القذافي منحه مساعدة مالية لتغطية نفقات حملته الانتخابية ضد منافسه الرئيس الفرنسي المُنْتَخَب فرانسوا هولاند. ثم ما لبث أن شارك، بالتفاهم مع مستشاره للشؤون الإنسانية والفلسفية، صديقه برنارد هنري ليفي الذي كان يقود حملة عالمية لحمل السياسة الدولية، أسيرة الإمبريالية منذ سقوط حائط برلين، على التدخل عسكريا في ليبا بدافع إنساني، في الحملة العسكرية الإمبريالية، فأرسل طائراته الحربية إلى الأجواء الوطنية الليبية لإسقاط حكم العقيد معمر القذافي. الفرنسيون، من جميع التيارات السياسية وباختلاف أيديولوجياتها، أصحاب ذاكرة حيَّة. إنهم يشيرون بالإيحاء أحيانا وبصريح العبارة أحيانا أخر، أن السيد ساركوزي المرشَّح لانتزاع رئاسة الجمهورية الفرنسية من أيدي خصمه السياسي فرانسوا هولاند، يخوض حملته الانتخابية وهو مُسَيَّر غير مُخَيَّر، من مستشاريه الاثنين للقضايا الاستراتيجية الدولية والعسكرية، إريك زمُّور والفيلسوف العالمي فينكييلكراوت . إل هذين الأخيرين تُعزا التصريحات التي كان يدلي بها أثناء زيارته الأخيرة لتونس، والتي تَعْتَبِر أن التأخر الاقتصادي يلحق بالجزائر بالرغم من أن هذا البلد غني بثرواته الطبيعية والبشرية. هكذا تصريخ يُعْتَبَر، بمفردات الصحافة الفرنسية، بداية متورطة للمرشح الرئاسي في ما يتعلق بسياسته الخارجية.

السؤال الذي يتردَّد هنا في باريس على اختلاف أصحابها، مؤداه إن ساركوزي، ما إذا انتَزَع رئاسة الجمهورية في انتخابات العام 2017 سيجد صعوبة في مخاطبة الجزائريين باسم الشراكة في نمو وتطور الجزائر، حسب اللسان الدبلوماسي المعتاد لفرنسا في هكذا مناسبات. شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط تترصد بحذر ويقظة مرشح اليمين الأول إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة.

فساركوزي، في ختام عهده الرئاسي، ما قبل الربيع العربي، نصَّب صديقه الحميم حسنى مبارك رئيسا لاتحاد بلدان المتوسط، بعدما تَكَلَّلَت مساعيه الدبلوماسية لدى بلدان حوض المتوسط لحملها على تناسي ما بينها من نزاعات مصيرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، والجلوس في قمة الرؤساء إلى جانب نتانياهو، تكلَّلت بالنجاح. بل، وإن الأنكر من هذا وذاك، أن القمة التي عَقَدَت أعمالها في باريس اتفقت في ما بينها على افتتاح السوق الحرة المشتركة في العام 2020. هاهنا تبدأ مسؤولية حركات مناهضة العولمة النيوليبرالية، ونقاباتها العمالية، وجمعياتها المدنية، في الاستعداد منذ الآن لمقاومة الاتحاد الأوروبي، المرتبط، من حيث هو إمبراطورية إمبريالية، بمعاهدات الشراكة مع البلدان المغاربية، والذي سيزن بكل ما لديه من وزن ثقيل، لحمل شركائه العرب الذين يشكِّلون النصف الثاني الجنوبي للاتحاد المذكور، على نسيان أو تجاهل ما يظهر عن ساركوزي وغيره من زعماء أوروبيين، من تصريحات معادية لشعوب حوض المتوسط، الأوروبية منها، والعربية.

بقلم : حسان خالد شاتيلا

الأربعاء 22 تموز/يوليو2015

الخط الأمامي، لسان حال تيار اليسار الثوري في سورية

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *