حصار حلب … ومعاركها

حصار حلب … ومعاركها

إفتتاحية العدد ٣٨ من جريدة “الخط الأمامي ” ٬ شهر آب /آغسطس ٢٠١٦

حصار حلب … ومعاركها

لم تمض سوى ايام قليلة على تطبيع العلاقات بين الحكومتين الروسية والتركية بعد اعتذار الاخيرة عن اسقاط طائرة عسكرية روسية في تشرين الثاني من العام الماضي٬ حتى اعلن في ١٥ تموز من هذا العام عن محاولة انقلاب عسكري ضد حكومة اردوغان باء بالفشل نتيجة التعبئة الشعبية الواسعة التي افشلت الانقلاب العسكري٬ ليس حبا بحكومة اردوغان ذو النزوع الاستبدادي وحزبه المحافظ٬ بل حفاظا على المكتسبات الديمقراطية التي ظفرت بها الجماهير التركية بعد نضال طويل ومرير في مواجهة الدولة العسكرية والبوليسية التركية.
هذا التطبيع والانقلاب الفاشل٬ اعادا تموضع الحكومة التركية من الوضع السوري٬ ما سمح لقوات النظام وحلفائه من الميليشيات الطائفية٬ بدعم روسي ٬ من الاطباق على حلب٬ بدون ردود فعل دولية احتجاجية.
وهكذا٬ تجد احياء حلب الشرقية ٬ التي تضم حوالي ٣٠٠ ألف مدني نفسها محاصرة تماما من قوات النظام.
مشكلة المدنيين في هذه الاحياء٬ التي كانت تسيطر على اغلبها ولها اليد الطولى فيها الميليشيات الطائفية الجهادية والتكفيرية٬ والتي كانت تمارس بدورها قمعا وتقييدا على الجماهير الشعبية في هذه الاحياء « المحررة » من حلب.
تعلن هذه الفصائل الجهادية٬ بمشاركة ضعيفة لبعض فصائل الجيش الحر٬ معركة فك الحصار عن حلب٬ والتي سيدفع ثمنها المدنيون المحاصرون٬ وسينتهي باستبدال استبداد باستبداد.
ان وضع حلب لا يرسم فقط خريطة لموازين قوى جديدة بين الاطراف المتقاتلة٬ والدول الاقليمية والدولية المتنازعة المصالح في سوريا٬ بل ان معارك حلب تلخص٬ أيضا٬ الوضع العام للمأزق والمأساة التي تعيشها الجماهير الشعبية السورية اليوم. حيث ان غالبية المناطق « المحررة » وقعت تحت سيطرة ميليشيات طائفية وجهادية مارست قمعا على السكان ٬ يضاهي ممارسات نظام الطغمة٬ وفعلت ذلك بعد ان قامت بتصفية العديد من فصائل الجيش الحر لتؤكد سيطرتها. واصبحت الجماهير السورية في هذه المناطق واقعة بين سندان النظام الذي يحاصره ويقصفها يوميا٬ ومطرقة الميليشيات الجهادية التي تفرض عليها تقييدا وقمعا٬ يوميا.
وهكذا٬ لم تعد أغلب المعارك الدائرة بين الاطراف المتقاتلة٬ تخدم مصالح الجماهير الشعبية من أجل تحررها من كل استبداد واستغلال٬ بل تحولت٬ اغلب هذه المعارك٬ الى حمامات دم اضافية على حساب المدنيين السوريين الذين لا ناقة لهم فيها ولا جمل. لذلك فان موقفنا مما يدور لا يتبع سير المعارك العسكرية٬ بل مصلحة ومواقف الجماهير الشعبية السورية. بهذا المعنى نساند مقاومة الجماهير الشعبية المحاصرة في حلب وغيرها من المدن السورية لآلة الحرب الوحشية لنظام الطغمة ولحلفائه. ولا يعني ذلك بأي حال دعم او رهان على القوى الجهادية التي يمكن ان تشارك في هذه المعارك٬ والتي يجب فضحها وعزلها كما تفعل الجماهير الشعبية في مظاهراتها اليومية في معرة النعمان ضد جبهة النصرة التي غيرت اسمها٬ دون ان تغير طبيعتها كميليشيا طائفية معادية للثورة وللشعب.

لن تستطع الجماهير الشعبية ان تستعيد نشاطها ان لم تتوقف آلة الحرب والدمار والقصف والتهجير… التي سببتها وحشية نظام الطغمة واستهتاره بارواح السوريين٬ وقيامه بابشع الممارسات بحق المدنيين والمدن السورية ٬ ما اوصل البلاد الى ساحة مفتوحة لتدخلات القوى الاقليمية والدولية وميدان حرب لها لتحقيق مصالحها في بلادنا والمنطقة. وتشابك بين نضالات الجماهير الشعبية لتحررها من نظام الطغمة مع حرب الجهاديين من أجل « إقامة شرع الله » ٬ هذا التشابك يخلق احيانا وهما بتطابق الحالتين وهو خلط خاطئ وغير صحيح٬ فقد لاحظنا في معرة النعمان وادلب وايضا في حلب نفسها٬ ان مقاومة الجماهير الشعبية تتمايز وتتعارض بوضوح مع حرب الجهاديين. هذ التمايز هو الذي ان نبني عليه٬ وليس كما تفعل المعارضة بخلط الامرين لاعتبارات تتعلق بارتهانها بحكومات اقليمية.
الصراع دامي وطويل٫ ويحتاج الى صبر وبصيرة وحشد طاقات كل الديمقراطيين واليساريين من اجل الخلاص من استبداد النظام والجهاديين وكل جحافل الميليشيات الطائفية التي فتكت بالشعب والبلاد٬ ومن اجل تخليص شعبنا وبلادنا من الاحتلالات والوصايات المتعددة .
من أجل سوريا الحرية والمساراة والعدالة الاجتماعية فاننا نقف بحزم مع الجماهير الشعبية السورية في كل ساحة من ساحات نضالها من أجل تحررها من كل استبداد واستغلال واستلاب.

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *