بعض ملامح الوضع الطبقي في سوريا- بقلم :غياث نعيسة

بعض ملامح الوضع الطبقي في سوريا- بقلم :غياث نعيسة

  هذه الدراسة وان نشرتلآول مرة في اب ٢٠٠٨ فهي تحلل الجذور الطبقية للسيرورة الثورية الجارية منذ نحو عامين في سوريا

” لا يمكن فهم المستوى السياسي إلا باعتباره مجال التنظيم الاجتماعي “

ج.م فنسان ( الدولة المعاصرة والماركسية)

لم تعر الحكومة السورية في نهاية العام الفائت أدنى اهتمام بالاحتجاجات والمطالبات التي صدرت عن هيئات وشخصيات عديدة ، ومنها المقربة لها ، تطالبها بأن لا ترفع الدعم عن العديد من المواد الغذائية وأيضا عن المواد النفطية . بل قامت وبتعنت واضح برفع أسعار هذه المواد بشكل مذهل في بداية العام الجاري. وهذا ما كان متوقعاَ ، فالحكومة السورية ، بخلاف ما يعتقد البعض ، هي من بين افضل تلامذة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في منطقتنا ، وسياساتها في لبرلة متسارعة للاقتصاد السوري أثارت إعجاب هذه المؤسسات الرأسمالية الكبرى . لدرجة أن دبلوماسي بريطاني كبير أعرب عن إعجابه “بالإصلاحات الاقتصادية الجارية في سورية التي لا تلغي حقيقة وجود خلافات سياسية”.
في الواقع ، إن التحولات الاقتصادية – الاجتماعية التي تشهدها سورية في السنوات الثمانية الماضية هي من الأهمية لدرجة كبيرة ، لأنها تمثل أنموذجاَ لصيرورة انتقال إلى “اقتصاد السوق” توشك أن تنجز َ . وهذه العملية تمت بسرعة ملحوظة فاقت ما حصل في بلدان أخرى مجاورة مثل مصر أو غيرها.حقاَ ، لقد جرى ، خلال السنوات الماضية ، نقل سورية من مرحلة “رأسمالية الدولة ” إلى مرحلة دولة رأسمالية”متخلفة” تقليدية ، ولكن وفق الوصفات الليبرالية الجديدة و “المتوحشة” . و حققت الحكومة السورية هذا التحول الكبير بوتيرة عالية وبأقل ما يمكن من ردود الفعل الجماهيرية.
و من أهم سمات هذا التحول هو إنجاز السلطة لما يمكن أن نسميه “خصخصة” الطبقة المالكة السورية ، ولا سيما الشق الأساسي منها وهو القسم “البيروقراطي” الذي راكم ثرواته من خلال النهب والفساد بفضل احتكاره للسلطة السياسية ، وكان أقواها بفضل إضعافه لأقسام البرجوازية الخاصة منذ استلام البعث للسلطة عام 1963 ولغاية عام 1991 حيث بدأت بشكل خجول عملية تعزيز مواقع هذه البرجوازية الخاصة ، من جديد ، من خلال قانون الاستثمار رقم 10، مما سمح له بضخ أمواله واستثمارها مجدداَ في قطاعات التصنيع أو الخدمات أو التجارة ، ليصبح هو نفسه قسم تقليدي من أقسام البرجوازية الخاصة .
لهذا يمكن اليوم الحديث عن طبقة برجوازية خاصة سورية قوية متعددة الأقسام ولكنها طبقة سائدة ومالكة وحاكمة تشبه شقيقاتها في الدول الرأسمالية “المتخلفة” ، بل قد تبز بقوتها و ديناميتها شقيقاتها في دول عربية أخرى مثل مصر أو المغرب أو تونس …
لا يمكن فهم هذا التحول الكبير ، إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الطبقة البرجوازية السورية كانت – و ما تزال- بحاجة إلى سلطة قوية استبدادية لتحقيق هذه الصيرورة بالشروط التي وصفناها ( والصين نموذج آخر لاستخدام السلطة السياسية في إعادة بناء البنية الاقتصادية – الاجتماعية) . لأن سلطة قوية ومستبدة تسمح للبرجوازية الخاصة السورية بالاندراج في السوق الرأسمالية العالمية بمنافسة اقل وبشروط افضل ، من جهة. وبتكلفة اقل من الاحتجاجات الشعبية ، من جهة أخرى. وهذا الأمر ما يزال عصي على فهم بعض النخب المعارضة الليبرالية السورية التي انشغلت في السنوات الماضية في نحت مفهوم ” الهوية” ليتوصل بعضها – في نهاية المطاف- إلى أن كل مواطن هو في جوهره “هوية طائفية و مناطقية” مما عنى عندهم أن العمل التحالفي السياسي المعارض “الليبرالي جدا” إنما يقوم على لم شمل “الهويات الطائفية والمناطقية” في تحالفات فضفاضة و/ أو مراهنة البعض الآخر منها على الوضع الدولي والإقليمي والقوى الإمبريالية وحلفائها الإقليميين كفاعل أساسي للتغيير “الديمقراطي ” المنشود في سورية ، مع يقينها شبه الديني بالسقوط القريب للنظام السوري .
و ما كان ، في الواقع ، لهذه النخب المعارضة “الليبرالية” المقموعة التي تنحدر غالبيتها العظمى من شرائح برجوازية وسطى وصغيرة ، شكلت في العقود الماضية العماد الأساسي للنشاط السياسي ومنها أتى طاقم السلطة السياسية منذ استلام البعث لها وإقامته لشكل من أشكال رأسمالية الدولة ، لتجد نفسها منذ نحو عقد في حالة تأكل” اجتماعي وتهميش وتضييق لدورها السياسي ، ما كان لها وهي التي عانت وتعاني الأمرين – ومنه الاعتقال التعسفي- من خلاف حقيقي وعميق مع السلطة( الليبرالية فعلاَ في سياساتها الاقتصادية والاجتماعية) سوى قضية المشاركة السياسية . لكن ، و مع إثبات الوقائع المحلية والإقليمية والدولية مدى خطأ هذه النخب المعارضة “الليبرالية” في رهاناتها ، فإنها تجد نفسها حاليا في طريق مسدود.
والحال ، فان الغائب الأكبر في سورية عن اهتمامات النخب الليبرالية الحاكمة أو المعارضة هو مصالح وهموم جماهير الناس الواسعة.

تفاقم الوضع الطبقي
لا تترد الحكومة السورية في الادعاء بان نسبة من يعيش “بأقل من دولار في اليوم لا تتجاوز 0.6 في المائة ” كما ذكر عبد الله الدردري المشرف الرئيسي على تطبيق سياسات اعادة الهيكلة الليبرالية في سورية ، ولكنه يضيف بأن النسبة تصبح 10 في المائة إذا تحدثنا عن العيش بدولارين في اليوم – وهذا تحت خط الفقر المتعارف عليه دوليا- ونحن بدورنا نتساءل كم تصبح هذه النسبة ، إذن ، لو تحدثنا عن العيش بدولارين ونصف في اليوم ، مثلاَ؟
المعروف أن اكثر من ثلث سكان سورية يعيش تحت مستويات “خط الفقر” وهذا التدهور المعيشي يتفاقم مع عام 2008 الذي شهد “تحرير الأسعار ورفع الدعم” ، مع انتشار أحزمة الفقر حول المدن السورية ، وخصوصاَ إذا عرفنا أن نصف سكان سورية يقطنون في ثلاثة أكبر مدنها. و لكن ، لا نية للحكومة السورية أن تأخذ بعين الاعتبار البؤس والفقر الذي تدفع إليه جماهير واسعة من السكان.
فالدردري نفسه يقول رداَ على ذلك بأن لا خيار للحكومة السورية سوى ” تعميق الإصلاح الهيكلي وتسريعه ومزيد من التحرير” ، معترفاَ في الوقت نفسه بأن ” ظاهرة التفاوت بين الطبقات باتت أكثر بروزاَ”( جريدة الحياة 01.03,2008 ).
لقد أصبحت حصة القطاع الخاص و” رجال المال والأعمال (أي البرجوازية الخاصة) من الناتج المحلي الإجمالي من 63،4 %عام 2005 إلى 70 % عام 2007 ” مما يدل بشكل قاطع على مدى قوة وجبروت الطبقة البرجوازية السورية الخاصة الذي وصلت إليه ، ولا سيما أنها تسيطر على 65 % من قطاع الصناعة و 75 % من القطاع التجاري ( صحيفة النور 9 /1/2008 ).
ولهذا لم تجد الحكومة من حرج في القول بأن ” الأغنياء في سورية يزدادون غنى” ( الدردري ، الحياة ، 8/3/2008 ).

في مقابل هذه البرجوازية التي تحوز على 70% من إجمالي الناتج المحلي ، يقف العمال والمأجورون الذين لم يبقى لهم من هذا الناتج سوى الفتات.
الطبقة الأهم في مواجهة البرجوازية هي الطبقة العاملة السورية وهي طبقة شابة لأن نحو 30% منها له من العمر اقل من ثلاثين عاماَ ، وخبرتها النقابية والنضالية ما تزال أسيرة اتحاد نقابات العمال الملحق بالحزب الحاكم بشكل وثيق تحت شعار ” النقابية السياسية بديلاَ للنضال المطلبي” منذ مؤتمره في أيلول / سبتمبر عام 1974 .
ولكنها طبقة قوية عددياَ ، إذ تبلغ نحو خمسة ملايين عامل ، الثلث يعمل في القطاع العام والثلثين في القطاع الخاص ، علاوة على نصف مليون عامل سوري يعملون في لبنان يضاف على كونهم ضحايا لاضطهاد مزدوج تعرض العديد منهم لاعتداءات عنصرية.( المجموعة الإحصائية السنوية لعام 2007).

نمو نضالات الجماهير
بالرغم من هيمنة السلطة على النقابات ، لكن بيروقراطية اتحاد العمال تجد نفسها في مواجهة الإجراءات الليبرالية المتسارعة للحكومة ، في حالة توتر دائم ، تعرضت خلاله إلى ضغوط هائلة من السلطة لتمرير هذه السياسات في وسط العمال دون احتجاجات ، من جهة . والى ضغوط القواعد العمالية التي تعاني من تدهور يومي في مستوى حياتها ، من جهة أخرى. ولجأت في العديد من الأحيان إلى المذكرات والعرائض و حتى الإضرابات للتعبير عن غضبها ، وعلت أصوات نقابية غير معهودة لتندد ” بالدور الجديد لوزارة العمل في سورية ضمن المفهوم الليبرالي يعكس بشكل واضح التحالف مع أرباب العمل بشكل مطلق”. فطرحت الحكومة السورية ” بدعة” جديدة وشعار جديد هذه المرة هو ” أن الحكومة والنقابات فريق عمل واحد”! . لكن القواعد والكوادر العمالية الوسطى لم تعد تستطيع أن تخفي تململها المتصاعد.
فقد جردت الحكومة اتحاد العمال من استقلاليته تحت مقولة النقابية السياسية وبحجة أن ” اقتصاد الدولة هو اقتصاد اشتراكي” ، و كما ينص دستور سورية عام 1973 على أن ” اقتصاد الدولة يسير باتجاه إقامة النظام الاشتراكي” بينما ترى جماهير العمال أن ما يحصل هو نقيض ذلك تماما، فهو انتقال سريع وشبه منجز لاقتصاد السوق بوصفاته الليبرالية الجديدة .
في الواقع ، لم تفعل القوى “الشيوعية ” الرسمية المتحالفة مع السلطة شيئاَ يذكر في مواجهة تفاقم تدهور الوضع المعيشي للجماهير الواسعة بسبب السياسات الحكومية ، بالرغم من أنه معروف أن خطابها يقوم بالأخص على التركيز على “تحسين الوضع المعيشي للمواطنين” . ومن الطريف أن قدري جميل ،أحد قيادي هذه القوى الشيوعية الموالية ( اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين ، واحد من انشقاقات الحزب الشيوعي السوري جناح بكداش) صرح بأنه في وجه ” طرح موضوع رفع الدعم رفعت الأوساط الشعبية والنقابية البطاقة الصفراء ، وإذا أرادوا (يقصد الحكومة) الآن الاستمرار في هذا الموضوع سوف تتحول البطاقة الصفراء إلى حمراء” ( موقع سيريا نيوز ك2 / ديسمبر 2007 ) . وبالرغم من لغة التحذير الواضحة في هذا التصريح فان هذه القوى “اليسارية” الموالية لم تفعل شيئاَ يذكر ولم ير أحد من راياتها أمام استمرار الحكومة في رفع الدعم والأسعار سوى الرايات البيضاء.
لكن ، وبخلاف ما تعتقده النخب السورية فان جماهير المأجورين والمفقرين أثبتت نهوضاَ ملحوظاَ في نضالاتها ووعيها.
فقد أرسلت نقابة عمال النقل البحري والجوي في اللاذقية ، مثلاَ، مذكرة احتجاج بتاريخ 9/1/2008 احتجاجا على قيام الحكومة بتأجير جزء من ميناء طرطوس ونيتها تأجير جزء من ميناء اللاذقية ، وأشارت بشكل صريح ينم عن مدى اتساع حالة التململ في أوساط الطبقة العاملة السورية إلى ” أننا كتنظيم نقابي ممثلين لعمال المرفأ .. نرفض هذا المشروع جملة وتفصيلاَ كوننا نرى فيه إجحافا بحقوق العمال وعليه نخشى فقداننا للسيطرة على ردة فعل عمالنا باعتباره يمس لقمة عيشهم” ( كلنا شركاء 26/1/2008). وفي مواجهة تعنت الحكومة في مشروعها لتأجير المرفأ قام عمال المرفأ بإضرابهم ( حوالي مائتي عامل) في 18/8/2008 بهتافات مثل ” لا تأجير ولا استثمار ولا رجعة للاستعمار” .
وفي منطقة الضبية في ضواحي دمشق ، احتج غالبية سكانها في 17/1/2008 ، ويقدر عددهم بثلاثة آلاف ، على قطع الحكومة للكهرباء والمياه عنهم لدفعهم لإخلاء مساكنهم ، وقد قام المتظاهرون أيضا بإغلاق الطرقات وإحراق الإطارات ومصادرة صهاريج مياه الإطفائية لاستخدامها للشرب . وفي مواجهة قوى الأمن رفع المتظاهرون ، بحس عفوي ولكن ذو مدلول سياسي مذهل ورائع ، هوياتهم الشخصية ” احتجاجاَ على المعاملة السيئة التي يعاملون بها”.

وحصلت أيضا مواجهات بين جماهير منطقة الزبداني قرب دمشق وقوى الأمن في 25 أيار / مايو 2008 فقد قام السكان ” بإغلاق الطرق العامة وإقامة السواتر الترابية وإحراق الإطارات” احتجاجا على قرار السلطات إقامة وحدة تنقية مياه الاسيقة وتحويل أحد منابع المياه دون الاهتمام بمصالح سكان المنطقة . وصرخ المحتجون ” لن نتوقف حتى تجاب مطالبنا”.( سيريا نيوز25/5/2008 ).

واليسار؟
لا يلقى تصاعد النقمة في أوساط النقابات العمالية وجماهير الكادحين حتى الآن صدى له ملموس لدى القوى السياسية التقليدية .
لكن نضال الجماهير اثبت انه في عدة قطاعات أكثر تقدما من العديد من هذه القوى السياسية التي تصف نفسها باليسارية . فالنضال العمالي المتنامي بدأ يشيع وعياَ لدى الطبقة العاملة السورية بأهمية أن يستعيد العمال استقلالية نقاباتهم عن الحزب الحاكم ، وان النضال العمالي وحده هو القادر على وقف تدهور مستوى حياتهم وتحقيق بعض مطالبهم ، وفي الوقت نفسه تتسع النضالات الجماهيرية “العفوية” للاحتجاج على الجحف الذي تتعرض له جماهير المأجورين والفقراء وتتراكم خبراتها النضالية من خلال التعلم مما استطاعت نضالاتها تحقيقه أو الإخفاق فيه . لكن سورية ، بلا شك، تفتقر إلى يسار اشتراكي نضالي يبنى من خلال النضالات الجماهيرية وداخلها ويسعى إلى توحيدها. وهذه هي المهمة الملحة والضرورية التي تستدعي كأولوية بناء هذا اليسار الاشتراكي الأممي ، و العمل على توحيد اليسار النضالي.
والمهم ، برأينا ، كخطوة أولى لتوحيد اليسار النضالي هي تحديد مكونات هذا اليسار ، ليس كما يوصف كل نفسه أو استنادا إلى ما كان عليه تاريخه أو النظرية التي يستند إليها . بل بالدرجة الأولى ، استنادا على ما هي عليه فعلاَ مواقفه وإجاباته اليوم على التحديات التي تطرحها الوقائع .
المهمة قد تبدو شاقة وعسيرة ولكن لا طريق لليسار الاشتراكي الأممي من اجل بناء نفسه ونموه سوى التعلم والارتباط بنضالات جماهير بلادنا من أجل الحرية والكرامة والعدل والمساواة

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *