اليسار الميكانيكي والثورة

اليسار الميكانيكي والثورة

هناك فرق شاسع ما بين حراك ينطلق من مساحة “العمل الجماهيري”، وحركتهم الفعلية في المظاهرات والاضرابات والاعتصامات – كما حصل في كل من سوريا والعراق ومصر والبحرين وغيرها من قبل – التي هي بطبيعتها المباشرة مساحة جامعة للعمل السياسي، وما بين حراك لمجموعات  سياسية وايديولوجية منظمة، إن لم نقل شديدة التنظيم، ومسلّحة، تتحرّك في مسار عسكري وقمعي بحت، وتدفع بحركتها اليومية العمل الجماهيري الى الهامش، بل تقلّصه وتكبّل قدرته على التنظيم والعمل السياسي.

وهذا ما لا يستوعبه اليسار الميكانيكي، وهو، وحتى إن وجدت كل من هاتين الحركتين في سيرورة  تاريخية ثورية واحدة، كالتي نعيشها اليوم، فهذا لا يعني أن كلاهما يعبران عن ذات “الثورة”، بل قد يشكلان نقيضين قائمين في مساحة الصراع التاريخي الواحد، أي “الثورة” و”الثورة المضادة”!

فالتناقضات الطبقية والتاريخية هي ظروف موضوعية، لا ظروف “سياسية” في المسار التاريخي، أي إن هذه الظروف قائمة بشكل مادي وفعلي، بينما الحركة السياسية هي “تعبير ذاتي” عن موقف طبقي من التناقضات القائمة، أي هي حركة مجموعات وأفراد وأحزاب وجماهير تحاول “التعبير” عن الواقع ذاته. وكون الواقع المادي هو ذاته، لا يعني أبداً أن كل حركة سياسية في المجتمع تعبّر عنه ثورياً، أو حتى تعبر عنه بشكل مباشر أو بشكل صحيح!

لذلك فالثورة ليست الواقع المادي الذي تعيش فيه الثورة والثورة المضادة، بل إن التناقضات الاجتماعية والطبقية هي الواقع المادي، والثورة هي إحدى الحركات القائمة في ذلك الواقع، ولكنها ليست الوحيدة. فهناك حركات معادية للثورة قائمة أيضاً، بإلاضافة للنظام والبرجوازية الحاكمة. لذلك ليست كل حركة للثورة المضادة تفترض ضمناً حركة أوسع للحراك الثوري، بل في بعض الاحيان، تنفرد الثورة المضادة في التعبير وتنسحب الثورة إلى الوراء لأسباب مختلفة، وهنا يصبح السؤال الأساسي: ما العمل؟

هل يكون بالتهليل لكل فعل معاد للنظام، بغضّ النظر عن سياسة هذا الفعل؟ أو توزيع الشرعية الثورية على كلّ حركة ضد النظام بغض النظر عن موقعها الطبقي والفكري والاديولوجي؟ بالطبع لا، ففي هذا المنطق، تصبح كل من النازية والحركة العمالية الثورية الألمانية في اوائل القرن الماضي جزئين من ثورة واحدة! أو أن السيسي هو من نفس النسيج الثوري للحركة الجماهيرية الثورية في مصر! أو كما يحاول اليسار الميكانيكي اليوم الترويج له، أن داعش استفادت من التناقضات والغضب القائم للسير في مسارها السلطوي والمتطرف والطائفي، وهذا يفترض ضمناً وجود ثورة تحملها!

وهنا يقع هذا التيار بالشعبوية التي ساهمت تاريخياً في تدمير الحراك الثوري، مثل غض نظر اليسار الألماني عن صعود النازية حينها، مما ادى الى تسلّم هتلر الحكم، وغض نظر وتهليل اليسار الستاليني للسيسي في مصر أدى الى صعوده إلى الحكم وبداية مسيرته الفاشية بمواجهة قوى الثورة الفعلية، أو مثل ما فعل اليسار الستاليني اللبناني في الحرب الاهلية وتسليمه قيادة الحركة إلى البرجوازية الطائفية “الوطنية”، كوليد جنبلاط ونبيه بري وغيرهما، مما أدى إلى تقويض الحركة العمالية واليسارية، وتثبيت أوسع للفكر والنظام الطائفي البرجوازي.

المهمة الاكثر ضرورة اليوم هي الابتعاد عن الثرثرة الشعبوية، والعمل على بناء التنظيم الثوري وتجهيزه سياسياً وفكرياً وعملياً لمواجهة الواقع الذي نعيشه والتحضير للمواجهات القائمة، وليس إلى تحويل الطبقة العاملة إلى جماهير من المصفقين لرجعية وتطرف البرجوازية الصغيرة، وبطش وفاشية البرجوازية الحاكمة!

نشر في‫:‬الأثنين, تموز 7, 2014
الكاتب/ة: باسم شيت.
Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *