النظام السوري و علامات الانهيار

النظام السوري و علامات الانهيار

 بقلم : غياث نعيسة

قام تجار دمشق بإضراب ملفت لهم في 28 ايار ، فقد شهدت اسواق دمشق التقليدية  مثل الحميدية و باب سريجة و الحريقة اغلاقا تاما للمحلات و المتاجر، و لم تفلح محاولات اجهزة الامن في كسر الاضراب عبر التهديدات او كسر المحلات و فتحها عنوة في اعادة الاسواق الى حالتها السابقة.

و دون ان يصدر بيان عن التجار يفسر اضرابهم الا انه معروف انه يأتي احتجاجا على عنف السلطة و وحشيتها و خصوصا بعد مجزرة الحولة التي سقط فيها نحو خمسين طفلا و التي استدعت بيانا ، غير ملزما ، من مجلس الامن ، و تصريحا من وزير الخارجية الروسي ان حكومته لا تدعم حكومة الاسد و لكنها تدعم خطة أنان في سوريا.

و يترسخ في ذاكرة الشعب السوري الاضراب العام الشهير لعام 1936 الذي سبق الاستقلال و اضراب نيسان عام 1964 ، دون ان ننسى احتجاجات عام 1980 . للبرجوازية التجارية وخاصة في دمشق قصة طويلة مع نظام أل الاسد، فقد رحبت بانقلاب الدكتاتور الاب حافظ الاسد عام 1970، و قام بينها و بين سلطته نوع من العهد المتبادل يدعم اغتنائها ويحفظ مصالحها مقابل أن  تترك له السلطة، و قد كان لموقفها الملتصق بالسلطة في بداية الثمانينات دور حاسم في قدرة النظام على سحق الاحتجاجات المدنية حينئذ و انتصاره في صراعه المسلح مع الاخوان المسلمين.

  لقد جاءت ردود الأفعال على مجزرة الحولة قرب حمص يوم 25 أيار التي اقترفتها قوات النظام و ميليشياته و التي راح ضحيتها أكثر من مئة قتيل بينهم عشرات الاطفال ، صارمة في ادانتها للنظام الحاكم . فقد تحدث الرئيس الفرنسي هولاند عن “عدم استبعاد امكانية تدخل عسكري” بشرط أن يحظى “بموافقة مجلس الأمن الدولي” ، كما قامت فرنسا و عدد اخر من الدول الغربية و غيرها بطرد السفراء السوريين ليفاقم من العزلة الدولية للنظام السوري، وخرج وزير الخارجية الفرنسي فابيوس في اليوم التالي لتصريح رئيسه لتوضيح أن ” أي تدخل بري هو احتمال غير وارد أبدا و خاصة لوجود مخاطر بانتشاره على الصعيد الاقليمي و خاصة لبنان..”، لقد كانت هذه التصريحات و ما شابهها من الحكومات الغربية هي اقرب الى تهيئة التربة للقاء أنان مع الدكتاتور الاسد في نهاية شهر ايار ، و تمهيدا لزيارة بوتين لفرنسا و الولايات المتحدة منها الى تهديد فعلي، لقد رد بوتين في الاول من حزيران في لقاء صحفي مشترك مع الرئيس الفرنسي على طلب الاخير “بتنحي الاسد” باستخفافه بهذا المطلب قائلا “ان عزل الزعماء لا يؤدي بالضرورة الى السلام”.

ان ما نراه من سياق مواقف الحكومات الغربية انما يندرج في  سياسة الضغط المتواصل على نظام الاسد وخصوصا انه بدأت تتراءى علامات ضعف متزايدة داخل النظام نفسه، كانت احدى أهمها اضراب تجار دمشق في 28 أيار و ما تلاه من اضراب لهم في حلب ايضا، في حين انه معروف ان البرجوازية التجارية الدمشقية ( وأيضا الحلبية) هي عماد اجتماعي اساسي من أعمدة النظام السوري، وان تعبيرها عن قلقها من قدرة النظام الحاكم على المحافظة على مصالحها يبدأ بدفعها الى موقف التخلي عنه.

في حال تأكد موقف البرجوازية التجارية في تخليها عن نظام الاسد، فانه سيكون مؤشر هام على تفكك كبير في القاعدة الاجتماعية التي يستند عليها نظام الاسد الذي يعبر، عموما، عن مصالحها العامة. و يترافق هذا الامر مع معطيات تشير الى تزايد  اعتماد  الطغمة الحاكمة على فرق عسكرية مضمونة الولاء وبالأخص على ميليشياتها الموالية “الشبيحة” في مواجهة الاحتجاجات الجماهيرية، وهو انموذج لانحطاط دكتاتورية بوليسية كلاسيكية الى شكل من اشكال الفاشية  لأنه “ان تبقرطت الفاشية فإنها تصبح جد شبيهة بالأشكال الاخرى للدكتاتورية العسكرية و البوليسية”(تروتسكي، ماهي الفاشية وكيف نهزمها) ولكننا نرى أيضا أن تخلخل أركان الدكتاتورية الحاكمة في سوريا قبل انهيارها الكامل ، انما يدفع بها الى الانحطاط  الى واحد من ابشع الاشكال الفاشية للحفاظ على بقائها. انها علامات تفسخ متزايدة للنظام المستبد.

ما يبدو واضحا، ولاسيما مع استمرار توفر دعم حكومات روسيا والصين وايران الحليفة للنظام المجرم، ان الموقف الامريكي والاوربي المعلن حتى الان هو توفير مقتضيات تحقيق “انتقال منظم” أو نوع ما من “الحل اليمني”، بمعنى رحيل الأسد وبعض أفراد نظامه معه والحفاظ على أسس النظام الأخرى.

فقد كان ايهود باراك وزير دفاع الدولة الصهيونية الأكثر وضوحا  في هذا الخصوص، حين صرح في 16 أيار 2012(وكالة الصحافة الفرنسية 17 أيار) أن الحل في سوريا يجب أن يقوم على “رحيل بشار الأسد وعدد من كبار المسؤولين حوله فقط، وليس كل بنى النظام”. وشدد باراك على ضرورة حل “يمني” لتغيير النظام في سوريا يسمح بمغادرة بشار الاسد وفريقه للبلاد مع “الحفاظ على الحزب(البعث) والمخابرات والقوات المسلحة”.

والحال ، فان هدف مبادرة أنان ليست بعيدة عن هذا السيناريو المرغوب من الحكومات الغربية، ولا نعتقد أن حكومة بوتين نفسها تمانع حقا من تحقيقه بشرط أن يتم “بدون تدخل عسكري” وبموافقة كلا من طرفي “النظام والمعارضة”.

  ومما ينسجم مع هذا الأمر ما نشرته صحيفة النيويورك تايمز في 27 أيار 2012 عن خطة تعدها الحكومة الامريكية تسعى من خلالها الى التوصل الى ازاحة بشار الاسد عن سدة الحكم على شاكلة ما جرى في اليمن، وأن نجاح الخطة الامريكية يتطلب قبول روسي بها.

ليس فقط على صعيد حكومات الدول الكبرى و الاقليمية يتم التسويق “للحل اليمني” في سوريا، بل هنالك قوى معارضة سورية تتبنى هذا الحل، وتسوق لمبادرة أنان في سياق الحل نفسه. بل ان بعضها رأى في حضور مراقبي الجامعة العربية في نهاية العام الماضي ، واليوم مع حضور المراقبين الدوليين مدخل يسمح بتحقيق “انتقال منظم” يقتصر على رحيل الاسد والبقاء على أسس النظام. ابرز هذه القوى التي تحمل هكذا مشروع هي هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، ولكنها ليست الوحيدة. وان كانت تطالب بتحقيق كافة بنود خطة أنان قبل الدخول بمفاوضات مع أطراف من النظام  ممن ” لم تتلوث يداه بالدماء” لتوفير مرحلة انتقالية.

السؤال الرئيس الذي يطرح نفسه، سؤال من شقين: الأول هل تقبل الجماهير الثائرة ودينامية السيرورة الثورية نفسها بحل فوقي يقتصر على رحيل بعض رموز النظام السابق مع بقاء أسسه رغم التضحيات الهائلة التي قدمتها؟ والثاني هو، هل أن طبيعة وبنية النظام الدكتاتوري لآل الاسد تسمحان أصلا بحل يقوم على رحيل الدكتاتور مع بعض فريقه دون أن يعني ذلك انهيار حقيقي و كامل للنظام برمته؟

اننا نعتقد أن كلا من دينامية السيرورة الثورية وتجذرها السياسي والاجتماعي العميق، التي تدفع الى اسقاط النظام بكامله وانجاز أعمق التغييرات السياسية والاجتماعية في البلاد، من جهة. وطبيعة النظام الدكتاتوري المغلق والوحشي نفسه، والغير قابل للإصلاح اطلاقا، من جهة أخرى. يمنعان أية امكانية ولو ضعيفة لتحقيق حل فوقي على الطريقة اليمنية المذكور أعلاه، بل ونعتقد أن أي “انتقال منظم” وحل يمني في سوريا انما يعني ويتطلب لتحقيقه: اما تدخل عسكري خارجي، وهو ما تدعي اغلب الدول الكبرى أنها لا ترغب به. واما هزيمة الثورة الشعبية السورية. وفي كلا الحالتين، فان موقفنا، موقف اليسار الثوري السوري، يقوم على رفض هذا الحل الفوقي “اليمني” والتدخل العسكري الخارجي الذين يعنيان، وفي كل الحالات، سحق الثورة الشعبية وهزيمتها.

فالمكون الاجتماعي الأساسي للقوى المحركة للثورة هي الطبقات الشعبية المحرومة و المفقرة و المضطهدة، وهي تجذرت خلال أكثر من عام في مواقفها تجاه نظام فاسد وقاتل واستغلالي مارس تجاه مطالبها السلمية وحشية منقطعة النظير، وأدركت هذه الجماهير الثائرة بحسها العفوي و ممارستها الكفاحية اليومية أن معركتها مع هذا النظام هي معركة حياة أو موت، فشعاريها “الموت ولا المذلة” و “النصر أو الموت” يعبران تماما عن ارادتها بخوض الثورة حتى اسقاط النظام كاملا، وليس رحيل رأسه فقط، ، كما أنها تمكنت، و في خلال الفترة نفسها، من التخلص من وهم ضارجدا نشرته بعض اطراف المعارضة، ولا سيما المجلس الوطني السوري، بأن الخلاص سيكون سريعا بتدخل عسكري خارجي وشيك. مما لا شك فيه أن جماهير الثورة الشعبية اليوم قد تخلصت تماما من هذا الوهم، واستعادت ثقتها بقدرتها على اسقاط النظام بقواها الذاتية، مثلما انها استطاعت ان تجهض محاولات النظام الدكتاتوري و اطراف الثورة المضادة الى جرها الى مستنقع صراع طائفي مدمر للثورة. لذلك فان السيرورة الثورية أصبحت من الجذرية لدرجة انها لن تقبل بأنصاف الحلول.

في المقابل، فان النظام الحاكم في سوريا هو نظام دكتاتورية بوليسية يقوم حول طغمة عائلية حاكمة مع شركائها في خدمة برجوازية سورية مصالحها –وخاصة التجارية منها- مرتبطة عضويا بالسلطة. انها طغمة تتحكم بالسلطة و الثروة وتمسك بكل تلابيب “الدولة السورية” بل واعادت هيكلتها بشكل انها افرغتها من كل وظائفها سوى وظيفة واحدة هي الفساد والقمع وخدمة مصالح هذه الطغمة الضيقة وبقائها في الحكم. ليس “مجلس الشعب” أو “رئاسة الوزراء” أو “الجبهة الوطنية التقدمية” سوى هياكل فارغة، تتحكم بها أجهزة الطغمة الحاكمة. تستند الطغمة في حكمها بشكل اساسي على عدد واسع من الاجهزة الامنية و قسم حديث و موالي من القوات المسلحة، وجيش من الميليشيا الموالية الجاهز للتعبئة في كل لحظة، من الشرائح الدنيا للبرجوازية الصغيرة و الموظفين. انها دكتاتورية أل الأسد وشركائهم.

لهذا، فانه لا يمكن تصور رحيل رأس هذه الطغمة العائلية و فريقه، الا في اطار انهيار كامل للنظام الدكتاتوري. وهذا الامر هو ما يدفع به ، مع تزايد علامات ضعفه وانهاكه في مواجهة الثورة الشعبية، الى جر البلاد نحو أتون حرب أهلية، تريدها الطغمة أن تكون طائفية، باعتبارها، من وجهة نظرها، مخرجها الوحيد من الهزيمة الكاملة أمام الشعب الثائر، ولكن الطغمة الدموية بتهييجها و تحضيرها العملي لهكذا حرب أهلية انما تنزلق اكثر فاكثرالى شكل من اشكال الفاشية المتخلفة و الشديدة الوحشية.

والحال، فان شروط انتصار الثورة الشعبية و اسقاط النظام الدكتاتوري المنحط فاشيا تستلزم وعيا سياسيا ثوريا رفيعا، وبالأخص تواجد قوي و موحد لقوى اليسار الثوري، من جهة.  وبناء جبهة ثورية متحدة كقيادة جماهيرية بديلة عن قوى المعارضة المتهالكة، من جهة أخرى. قيادة جماهيرية للثورة تتشكل من مكونات الحراك الثوري الميداني ببرنامج سياسي شعبي و اجتماعي وديمقراطي وعلماني جذري، وبالأخص العمل الجدي، من الأن، على بناء هيئات سلطة جماهيرية ديمقراطية بديلة من الأسفل.

الثورة مستمرة حتى اسقاط نظام الاستبداد والاستغلال

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *