النظام السوري وأكذوبة “دعم المقاومة”

النظام السوري وأكذوبة “دعم المقاومة”

أثارت الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا ردود أفعال متباينة، فنظام بشار استغلها ليكرر دعاياه القذرة من أجل تشويه الثورة، بينما وجد مؤيدوه في سوريا وفي خارجها فرصة لتبرير موقفهم المائع والمزري، والدعوة للالتفاف حول “سوريا” وهم يعنون بذلك نظام بشار الطائفي الوحشي، مكررين الدعاية الممجوجة عن “نظام الممانعة”. يتعامى هؤلاء عن حقائق تاريخية مثبتة تؤكد أن نظام الأسد، أباً وابناً، كان شديد الانتهازية في علاقته بالقضية الفلسطينية، وأشد قمعاً في التعامل مع المقاومة. أما عن إسرائيل، فإن نظام الأسد دائماً ما كان يرغب وبشدة في التفاوض.

شرعية البقاء لنظام قمعي

مثل أنظمة عربية أخرى، اعتمد النظام السوري في شرعية بقائه على تبني القضية الفلسطينية، محاولاً التغطية على طبيعته القمعية الاستبدادية، ونزعته الطائفية، وسياسة الإفقار التي أملتها عليه الليبرالية الجديدة.

ظلت القضية الفلسطينية لعقود بمثابة قضية داخلية سورية؛ حيث أن فلسطين تعد تاريخياً جزء طبيعي من سوريا الكبرى، ولا يتميز أهلها عن أهل الشام عامة. ولم تختلف الأنظمة المتعاقبة حول تبني القضية الفلسطينية، لكنها تباينت بالطبع في حقيقة تطبيقها لهذا الشعار.

في خضم المد القومي التحرري في الستينيات، لم تختلف التيارات القومية واليسارية على تبني القضية الفلسطينية، وإن اختلفت حول مدى الجذرية في طرح حل القضية، حتى أنها كانت أبرز القضايا التي أدت إلى انشقاق الحزب الشيوعي السوري (1969 – 1972). وقد زايد نظام “البعث” على الشيوعيين والقوميين الناصريين، وحتى البعثيين المعارضين لتياره، ثم نافس الإسلاميين منذ السبعينيات، مستخدماً الشعارات ذاتها، بينما دأب على وصم المعارضة بتنفيذ مؤامرة خارجية صهيونية.

حقوق اللاجئين

من أهم شعارات المزايدة التي رفعها نظام بشار الأسد، أوضاع وحقوق الفلسطينيين، والتي تعود لأسباب ليس بينها عطف الأسد. فعلى الصعيد الشعبي، ينتمي ثلثا اللاجئين الفلسطينيين في سوريا إلى منطقتي صفد وحيفا المتاخمة لسوريا، حيث يكادوا أن يكونوا امتداد للشعب السوري. وعلى المستوى الرسمي، صدرت كل القوانين المنظمة لأوضاع الفلسطينيين في سوريا قبل استيلاء الأسد الأب على السلطة.

القانون 450 لسنة 1949 الذي نظم أوضاع اللاجئين، وقانون260 لسنة 1956 الذي أعطى الفلسطينيين كافة حقوق المواطنة مع احتفاظهم بجنسياتهم. ولم يصدر نظام البعث قوانين جديدة، وقد عوملت نخبة الفلسطينيين في الواقع معاملة مميزة، وتولى عدد منهم مناصب إدارية عليا وحتى بعض الوزارات.

انقلاب البعث ومسيرة التفريط

اتسم موقف البعث (جناح الأسد) بالتفريط التدريجي في القضية؛ فبعد الانقلاب العسكري في 8 مارس 1963، بقيادة خمسة من العسكريين على رأسهم حافظ الأسد وصلاح جديد، أزاحوا شركاءهم الناصريين ثم شرعوا في الاستبداد بالسلطة.

كان جناح “صلاح جديد” في البعث يؤمن بـ”الحرب الشعبية الشاملة” كوسيلة للتحرير، لذلك دعم عمليات “فتح” داخل الأراضي المحتلة، وتبنى تشكيل “منظمة طلائع حرب التحرير الشعبية – قوات الصاعقة”، وكان هذا التوجه اليساري الأكثر جذرية نابعاً من الظروف الموضوعية، وهو الأمر الذي يتشابه كثيراً مع مواقف عبد الناصر، لكن المنافسة بين النظامين كانت متحكمة في مواقفهم. فبالرغم من عدم تبني البعث خط مقاومة حقيقي ومغاير، فقد أعلن خلافه مع “القمم العربية” التي يرعاها عبد الناصر.

النكسة

ازداد تبجح الإسرائيليين، ثم جاءت هزيمة 1967 لتفضح الموقف الهش لنظام البعث، والشعارات الجوفاء التي رفعها، لكن قيادة البعث رفضت استقالة حافظ الأسد وزعمت أن العدوان الإسرائيلي “فشل في إسقاط الأنظمة التقدمية”!

والأدهى، أن حافظ الأسد حمّل استراتيجية “الحرب الشعبية طويلة المدى” مسئولية الفشل، وقرر ألا يُترك قرار المقاومة في يد الفدائيين الفلسطينيين، وهو ما كان قد انتهجه بالفعل من 1965عندما منع القيام بأية عملية دون موافقة رسمية كتابية، وقام بحملة اعتقالات في قيادات فتح.

احتدم الخلاف بين قيادة الحزب بقيادة صلاح جديد التي أعلنت استمرار تبني “الحرب الشعبية” وبين القيادة العسكرية بقيادة حافظ الأسد وزير الدفاع، الذي أحكم السيطرة على الجيش، وأصدر في مايو 1969 عدداً من القرارات من أجل خنق نشاط المقاومة الفلسطينية.

بالرغم من الدعم الشعبي للمقاومة الفلسطينية، التي نجحت فيما فشلت فيه الأنظمة الرسمية، خاصة بعد “معركة الكرامة” التي انتصرت فيها المقاومة على الاحتلال الإسرائيلي في 1968. عمل الأسد على بث الإحباط والفتور حتى على جبهة الجولان وعندما قامت الجبهة الشعبية باختطاف طائرة تقل ركاب إسرائيليين، قرر الأسد إطلاق سراحهم دون مقابل.

كما هاجم النظام المتبع في حزب البعث الذي يلزم كل كادر باجتياز فرقة عمل فدائي والقيام بعملية فدائية ضد إسرائيل كشرط للتصعيد داخل الحزب. وعلاوة على ذلك، وسّع الأسد الشقاق مع جناح صلاح جديد بإعلان القبول المرحلي بقرار مجلس الأمن (242) وبحدود 4 يونيو 1967.

بالتوازي مع أزمة البعث وقع الشيوعي السوري في أزمة مماثلة، حيث دعم الجناح الراديكالي وعلى رأسه رياض الترك قائد المكتب الفدائي، جناح صلاح جديد الداعم للعمل الفدائي، بينما دعمت قيادة صلاح بكداش بإيعاز من السوفييت موقف الأسد.

وفي هذا الجو المحبط، وُصفت برجماتية الأسد بـ”الواقعية” واندفعت قطاعات واسعة وخاصة الفئات التجارية بالمدن – التي سبق أن عارضت الوحدة مع مصر – إلى دعم جناح حافظ الأسد في السلطة، كما ارتمت القوى الناصرية في حضن الأسد، الذي حسم المسألة بانقلاب 16 نوفمبر1970. وبدأ الشقاق المتوقع مع قيادة المقاومة الفلسطينية، التي لم تتعافى من طعنة النظام الأردني في أيلول الأسود 1970.

أكتوبر 1973.. تحريك لا تحرير

ارتفع رصيد حافظ الأسد شعبياً بعد حرب أكتوبر، فبرغم الوضع الحرج الذي أدى إليه موقف السادات بوقف القتال، ما أدى إلى تركيز إسرائيل على جبهة الجولان، صمدت القوات السورية لفترة قصيرة. لكن الأسد قَبل مبادرة كسينجر، ووقع في مايو 1974 على اتفاق فصل القوات، وأعلن قبول قرارات مجلس الأمن 242 و238. لكن الأسد لم يجنِ ثمار ما زرعة لا لشيء إلا لأن منافسه “أنور السادات” كان أكثر تنازلاً وأكثر رغبة في عقد اتفاق منفرد عن الفلسطينيين والسوريين.

تل الزعتر

في الوقت نفسه اشتعل فيه الوضع في لبنان، ليكشر الأسد الراكع أمام الصهاينة والأمريكان عن أنيابه للمقاومة الفلسطينية. اشتعلت الحرب الأهلية اللبنانية الأولى 1975 بين جبهتين: اليمين المتمثل في الكتائب المارونية مدعومة بأمريكا وإسرائيل، واليسار اللبناني والقوى الإسلامية السنية المتحالفة مع المقاومة الفلسطينية، وبتأييد سوفييتي. وقد انفضحت حقارة نظام الأسد، عندما اندفع لتأييد اليمين وطرح نفسه كحاضن وداعم بديل عن الأمريكان والصهاينة.! بمجرد تحقيق المقاومة الفلسطينية – اللبنانية لانتصارات، من فرط ذعره من تنامي قوتها وشعبيتها، وامتداد الشرارة الثورية لداخل سوريا.

دفع الأسد بـ30 ألف جندي سوري، لكنه فشل في السيطرة على المدن اللبنانية الرئيسية، ثم حاول احتلال المواقع الاستراتيجية لعزل بؤر المقاومة عن بعضها، مما أخل بموازين القوى لصالح الكتائب المارونية التي اندفعت في إبادة المقاومة مرتكبة مجازر بشعة في الأحياء الفقيرة (الكرنتينا والمسلخ والنبعة) وأهمها مذبحة مخيم اللاجئين “تل الزعتر” فقد الذي رزح 52 يوماً تحت الحصار الخانق والقصف السوري بينما ذبحت كتائب الموارنة 4000 فلسطيني، وهو عدد مقارب لضحايا نكبة 1948.

انفضح نظام حافظ الأسد وأصبح مكروهًا شعبيًا، وزادت المعارضة اليسارية والإسلامية ضده، لكنه تمادى في سياساته الاستبدادية، وقام بعملية تحول طائفي في النظام، بدأها بحزمة تعيينات لأقاربه في قيادات الجيش.

صبرا وشاتيلا

عادت الجبهة اللبنانية للاشتعال(1978 – 1982) حينما باع الموارنة حليفهم الأسد، وساعدوا القوات الإسرائيلية في اجتياحها للبنان وفي ضرب القوات السورية. وقد أدى الاجتياح الإسرائيلي إلى قتل أكثر من 20 ألف فلسطيني ولبناني واحتلال الجنوب والعاصمة بيروت.

تم توقيع اتفاقية 17 مايو، وخروج المقاومة الفلسطينية وانتخاب بشير الجميل تحت الاحتلال، وقد بادر الجميل بمطالبة القوات السورية بالانسحاب، لتزداد خسارة نظام الأسد، الذي كان في الوقت نفسه يشن حرباً على الإسلاميين المسلحين، وارتكب مجزرة حماة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المواطنين.

بعد أسبوعين من خروج القوات السورية، أُغتيل بشير الجميل، فاتفق “إيلي حبيقة”، مسئول الأمن السياسي اللبناني مع وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك آريئيل شارون على اجتياح المخيمات الفلسطينية.

وفي 17 سبتمبر 1982، تكرر سيناريو تل الزعتر، عندما قامت القوات الإسرائيلية بمحاصرة مخيمي صبرا وشاتيلا، بينما ارتكبت قوات إيلي حبيقه مذبحة راح ضحيتها بين 3500 – 5000 شهيد، خلاف المقاتلين الفلسطينيين الذين تم تعقبهم وقتلهم والتمثيل بجثثهم.

لكن نظام الأسد لم يخجل من تبني المجرم “حبيقة” والتحالف مع أكثر الشخصيات اللبنانية انتهازية ويمينية، ولم يخجل هؤلاء أيضاً من الانقلاب عليه لصالح الإسرائيليين، لكن بعضهم لايزال على استعداد لمهاجمة الثورة السورية لحساب نظام بشار.

حرب المخيمات

كما دعمت سوريا حركة أمل (أفواج المقاومة اللبنانية) الشيعية ضد التيار المنشق عنها (حزب الله فيما بعد) واصطدمت به ميدانياً. وبدعم من القوات السورية، تحالفت “أمل” مع اللواء السادس المنشق عن الجيش اللبناني، وشنت حملة ضد المخيمات الفلسطينية فيما عرف بحرب المخيمات، التي استمرت لأكثر من عام، وأسفرت عن أكثر من ألف قتيل فلسطيني، عدا المعتقلين والمفقودين، وتدمير المخيمات، وإن لم تنجح “أمل” في هزيمة المقاومة الفلسطينية.

الممانعة.. والتفاوض السري

برغم من عدم إقدام نظام الأسد، الأب والابن، على الصلح المنفرد مع إسرائيل، إلا أن ذلك لم يمنع من وجود اتصالات ومفاوضات سرية برعاية أمريكية، على الأقل منذ التسعينيات، ومع حكومات إسرائيلية متعاقبة، شامير ورابين، ثم نتنياهو وباراك، ومن قبول مبدئي للتفاوض بمعزل عن القضية الفلسطينية، مقابل تحرير الجولان في وضع أشبه بسيناء منزوعة السلاح. وحتى ما يطلق إعلامياً بشأن فلسطين يتحدث عن حدود 1967، دون حق العودة أو غيره.

والأهم هو عزل الشعب السوري عن المعادلة، في حين تفاقمت الأوضاع لتبشر بهزائم مؤكدة في حال أية مواجهة، وليس أدل على ذلك من تغاضي النظام السوري على التحرشات الإسرائيلية المتتالية التي بلغت دمشق وحلقت فوق القصر الرئاسي، كما ضربت إسرائيل في 2007 موقع مشروع مفاعل سوري، واغتالت محمد سليمان المقرب من بشار ومسئول الاتصال بحزب الله. علاوة على اختراق العناصر الاستخباراتية الإسرائيلية للأراضي السورية واغتيال شخصيات من الفصائل الفلسطينية.

في الذكرى الـ 63 للنكبة (عام 2011) دفع بشار الأسد بعدد من الشبان الفلسطينيين نحو الحدود ليلقوا حتفهم برصاص الإسرائيليين، وكل ذلك من أجل التشويش على الثورة التي كانت في مهدها. فالنظام الذي يذبح شعبه نظام خائن، لا يمكن أن نصدق أنه يدعم المقاومة، التي ظلت أسيرة انتهازيته وتعرضت للمذابح الوحشيه على يديه.

أيار ٢٠١٣
Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *