الماركسية والمسألة القومية

الماركسية والمسألة القومية

إن الأساس النظري للماركسية يختلف بشكل جذري عن أي نوع من الأيديولوجيات القومية. فمحرك التاريخ بالنسبة للماركسية هو الصراع الطبقي. وبالتالي فإن التناقض أو الصراع الأساسي في العالم المعاصر هو التناقض والصراع بين الطبقة العاملة العالمية والطبقة الرأسمالية العالمية. وتعتبر الانقسامات القومية ظاهرة ثانوية بالنسبة للصراع الطبقي، وكما يعلن البيان الشيوعي، إن العمال ليس لهم وطن.

أما القومية فهي ترى العالم منقسما ليس إلى طبقات وإنما إلى قوميات. وبالتالي فالصراع الطبقي يشكل التهديد الأعظم لجميع أشكال القومية من الفاشية إلى الحركات الوطنية اليسارية التي يتبنى أطروحاتها العديد من نظم العالم الثالث. فالصراع الطبقي يهدد بتقويض الوحدة الوطنية والتضحية بالمصالح الوطنية باسم المصالح الأنانية لقطاع واحد من “الأمة”! وتأخذ الحركات الوطنية أبعادا تبدو راديكالية أو رجعية على حسب مصدر التهديد للمصالح الوطنية، فإذا كان التهديد قادما من العمال “الطماعين” فتبدو رجعية، وإذا كان التهديد قادما من الرأسمالية الاحتكارية أو “الكومبرادورية” أو الطفيلية تبدو الحركات الوطنية راديكالية أو يسارية!

والماركسية لا تختلف فقط مع القومية من حيث الإطار النظري ولكنها تختلف أيضا في استراتيجيتها. فالثورة بالنسبة للماركسيين هي ثورة أممية، وقد أوضح ماركس وإنجلز أن الدور التاريخي لرأس المال كان في خلق اقتصاد عالمي موحد وأن اقتصاديات الدول المختلفة هي مكونات جزئية من الاقتصاد العالمي، واعتبر ماركس وإنجلز أن توحيد القوى الإنتاجية على مستوى العالم هو الشرط الموضوعي لإقامة الشيوعية. وفي جزء شهير من كتاب الأيديولوجية الألمانية رفض ماركس وإنجلز بشكل واضح إمكانية بناء الاشتراكية في بلد واحد:

إن تطور قوى الإنتاج على المستوى العالمي هو الأساس العملي الضروري، لأن بدونه تصبح الحاجة ظاهرة عامة، ومع الحاجة يبدأ من جديد الصراع من أجل ضروريات الحياة، ويعاد بالضرورة تشكيل النظام القديم بكل قذارته.

إذن فلابد للثورة الاشتراكية أن تكون أممية حتى تنجح، وقد كان ذلك واضحا بالنسبة للبلاشفة، فعندما وصلت الطبقة العاملة إلى السلطة في أكتوبر 1917، كانوا يرون أن بقاء الدولة السوفيتية يعتمد بالأساس على نشر الثورة إلى أوروبا الغربية. وعلى هذا الأساس أخذ البلاشفة المبادرة في تكوين الأممية الشيوعية في 1919، وقد أعلن ميثاق الأممية الشيوعية: “إن هذا التنظيم الأممي الجديد للعمال قد أنشئ من أجل تنظيم الممارسة المشتركة لبروليتاريا الدول المختلفة من أجل تحقيق هدف واحد، وهو الإطاحة بالرأسمالية وتكوين الجمهورية السوفيتية الأممية والتي ستلغي كل الطبقات وتحقق الاشتراكية، أولى مراحل المجتمع الشيوعي.”

وتاريخيا تفجر السجال حول المسألة القومية مع بداية الحرب العالمية الأولى. وقد تفتتت الأممية الثانية تحت وطأة الحرب وانقسمت انقساما حادا إلى موقفين متعارضين. الموقف الأول كان الذي تبناه الاشتراكيين الشوفينيين مثل نوسك، وإيبرت وشايدمان في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني. وقد تبنى هؤلاء بشكل واضح موقف طبقتهم الحاكمة. أما الموقف الثاني فقد كان موقف اليسار الراديكالي بقيادة روزا لوكسمبورج والتي عارضت بقوة الحرب الإمبريالية ورفضت شعار الاستقلال الوطني كشعار رجعي تاريخيا. وقد تضمن هذا الجناح أمثال جوزيف شتراسر وأنتوني بانيكوك اللذين أصبحا فيما بعد من أهم قادة الشيوعية اليسارية في ألمانيا بعد 1918. كما ضم أيضا هذا الجناح بلاشفة مثل بوخارين وبياتاكوف. أما لينين فقد تبنى موقفا مستقلا مغايرا. فقد أيد مطلب حق تقرير المصير الوطني ولكن فقط كجزء لا يتجزأ من النضال ضد الإمبريالية. وقد تبنى هذا الموقف أولا لأنه كان مقتنعا بأن كسب عمال الدول الإمبريالية لموقف تأييد حق تقرير المصير للقوميات المضطهدة بما في ذلك حق الانفصال، هو شرط أساسي لتحطيم سيطرة الأفكار الشوفينية على عقولهم، فقد كتب لينين:

“في التثقيف الأممي لعمال الدول المضطهِدة يجب أن يكون التركيز على الدفاع عن حرية الأمم المضطهَدة في الانفصال والنضال من أجل ذلك.”

وكان هذا الطرح أساسا تعميما للأسباب التي أعطاها ماركس لتأييد الأممية الأولى للاستقلال الأيرلندي. فقد كتب ماركس في 1870:

“كل مركز صناعي وتجاري في إنجلترا لدية طبقة عاملة منقسمة إلى معسكرين متعاديين، معسكر البروليتاريا الإنجليزية، ومعسكر البروليتاريا الأيرلندية. إن العامل الإنجليزى العادي يكره العامل الأيرلندي كمنافس يقلل من مستوى معيشته، وتجاه العمال الأيرلنديين يشعر العامل الإنجليزى أنه عضو في الأمة الحاكمة وبالتالي يحول نفسه إلى أداة في أيدي أرستقراطيي ورأسماليي بلده ضد أيرلندا، ويقوي بالتالي سيطرتهم عليه هو نفسه، وهو يمتلئ بالأحقاد الدينية والاجتماعية والقومية ضد العامل الأيرلندي. أما الأيرلندي فهو يدفع له من نفس المال وبفائدة، فهو يرى العامل الإنجليزى كمتواطئ وكأداة غبية في يدي الحكم الإنجليزى في أيرلندا. ويتم الإبقاء على هذا التناقض بشكل مفتعل من خلال الصحافة والجرائد الساخرة وكل الأدوات الموجودة لدى الطبقة الحاكمة. إن هذا التناقض هو سر عجز الطبقة العاملة الإنجليزية رغم تنظيمها، وهو سر قدرة الطبقة الرأسمالية على البقاء في السلطة، وهذه الطبقة واعية تماما بذلك.”

وكان على الاشتراكيين البريطانيين إذن تأييد الاستقلال الأيرلندي كجزء من النضال لتوحيد الطبقة العاملة في بريطانيا نفسها. وبعد خمسين عاما في عالم أصبحت فيه الانقسامات التي تحدث عنها ماركس في بريطانيا ظاهرة عالمية على يدي الإمبريالية طور لينين الأطروحة إلى دفاع عام عن حق الأمم المضطهدة في تقرير المصير.

ولكن مساندة حق الأمم في تقرير المصير لم يكن فقط وسيلة لمناهضة الشوفينية في البلدان الرأسمالية المتقدمة. فقد رأى لينين هذا الموقف كأحد العوامل في استراتيجيته لتعبئة جماهير المستعمرات ضد الإمبريالية. وهنا كان موقف لينين يفصله بشكل راديكالي عن المواقف السابقة. فخلال السجالات حول المسألة القومية في الأممية الثانية كانت المسألة يتم مناقشتها أساسا كمسألة أوروبية. وكانت المستعمرات مسألة منفصلة لن يتم الالتفات إليها إلا بعد الثورة!

غير لينين هذه الرؤية تماما. وكانت الثورة الروسية نفسها تحديا للنظريات التطورية التي أنشأها منظري الأممية الثانية. فقد أوضحت كيف يمكن للطبقة العاملة الوصول إلى السلطة في بلد متخلف نسبيا قبل إزاحة الرأسمالية في ألمانيا أو بريطانيا. وأصبحت جماهير المستعمرات بالنسبة للينين قوة يجب كسبها للنضال ضد الرأسمالية والإمبريالية. كانت المسألة القومية قد تم دمجها بشكل نهائي مع النضال ضد الإمبريالية. وفي مناقشات المؤتمر الثاني للأممية الثالثة كان يشار إلى القضية تحت عنوان “المسألة القومية والاستعمارية”. فقد طرح تروتسكي أن “ما يميز البلشفية حول المسألة القومية هو أنها في موقفها تجاه الأمم المضطهدة، حتى أكثرها تخلفا، ترى أنهم ليسوا فقط موضوع ولكن فاعل في السياسة.”

وطرح لينين ضد هؤلاء الثوريين الذين رأوا أن النضالات القومية هي انحراف عن الصراع الطبقي:

“إن تصور أن الثورة الاجتماعية ممكنة دون تمردات الأمم الصغيرة في المستعمرات وفي أوروبا، وبدون الانفجارات الثورية لقطاع من البرجوازية الصغيرة بكل أحقادها، وبدون تحرك للقطاعات غير الواعية سياسيا من البروليتاريا، والجماهير شبه البروليتارية، ضد اضطهاد ملاك الأراضي والكنيسة والملكية وضد الاضطهاد القومي … الخ، إن تصور ذلك هو في واقع الأمر رفض للثورة الاجتماعية، وكأن هناك جيش يقف في موقع ويقول نحن مع الاشتراكية، وجيش في موقع آخر يقول نحن مع الإمبريالية. وهكذا ستكون الثورة الاجتماعية. إن من يتصور ثورة اجتماعية نقية لن يعيش ليراها.”

إن الاستنتاج من ذلك هو أنه في زمن الإمبريالية ستتطور انفجارات اجتماعية عميقة تأخذ أحيانا أشكالا قومية وتتطور في اتجاه معاد للإمبريالية. ولكن هذا الموقف لم يعن أبدا بالنسبة للينين أي تنازلات أمام الأيديولوجيات القومية. فكان يرى التأييد لحق الأمم في تقرير المصير كأداة لخلق الوحدة الأممية للطبقة العاملة وليس لتدميرها. وكان لينين حذرا في التمييز بين مهام الثوريين في الدول المضطهِدة والدول التي تعاني من الاضطهاد. ففي الدول الإمبريالية المضطهِدة يكون العدو الأساسي هو قومية المضطهِدين، وعلى الاشتراكيين أن يناضلوا لتأييد حق تقرير المصير لمواجهة سيطرة الشوفينية في الحركة العمالية وكاستعراض عملي للأممية. أما في الدول التي تعاني من الاضطهاد فعلى الثوريين الدمج بين المعارضة الحادة للإمبريالية والنضال الواضح من أجل الوحدة الأممية للطبقة العاملة. وهذا يعني النضال الأيديولوجي والسياسي ضد الوطنيين البرجوازيين الذين يحاولون إخضاع الصراع الطبقي تحت الصراع القومي. وفي بعض الحالات على الثوريين معارضة ممارسة تقرير المصير، ومن خلال وجهة النظر هذه لم يكن موقف لوكسمبورج حول استقلال بولندا خاطئا، بقدر ما كان محدودا. فقد كانت محقة تماما كثورية بولندية في محاربتها لشوفينية الحزب الاشتراكي البولندي. ولكنها كانت مخطئة في مطالبها بأن يعارض الثوريين في الدول المضطهدة شعار الاستقلال البولندي. وكان على الطبقة العاملة البولندية أن تقرر إذا كانت تريد الاستقلال الوطني، وكان واجب العمال الروس والألمان أن يؤيدوا حقهم في ذلك الاختيار.

ولكن من الخطأ الاستنتاج بأن لينين كان يطرح أن على الثوريين في البلاد التي تعاني من الاضطهاد أن يعارضوا بشكل عام الحركات المطالبة بحق تقرير المصير وأن يتركوا مهمة تأييدها للثوريين في الدول المضطهدة. مثل هذا الموقف يعني أن على الاشتراكيين الأيرلنديين أن يتخلوا عن النضال ضد الإمبريالية البريطانية. فعندما يصبح مطلب الاستقلال الوطني هو مركز النضال الجماهيري ضد الاضطهاد، يكون واجب الثوريين هو المشاركة في ذلك النضال، بل العمل من أجل قيادته. وهذا لا يعني، من ناحية أخرى، قبول الأيديولوجية القومية، ولكن أن يقدموا استراتيجية مميزة لتحقيق حق تقرير المصير على أساس قيادة ونهج الطبقة العاملة.

إذن فبالنسبة للينين، لا يعني تأييد حركات التحرر الوطني على الإطلاق التنازل عن أو المساومة حول الاستقلال السياسي والتنظيمي للحركات العمالية في الدول التي تعاني من الاضطهاد. وقد جاء في “أطروحات حول المسألة القومية والاستعمارية” الذي تبناه المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية في 1920:

لابد أن يكون هناك نضال حاسم ضد محاولات إعطاء حركات التحرر الثورية في البلدان المتخلفة، والتي ليست شيوعية بحق، لونا شيوعيا. إن واجب الأممية الشيوعية هو تأييد الحركات الثورية في المستعمرات والبلدان المتخلفة فقط بهدف تعبئة العناصر المكونة للأحزاب البروليتارية المستقبلية، والتي ستكون شيوعية حقا وليس فقط اسما في البلدان المتخلفة، وتثقيفهم وتوعيتهم بمهمتهم الخاصة، وهي النضال ضد الاتجاه البرجوازي الديمقراطي في بلدانهم. لابد على الأممية الشيوعية التعاون الأولي مع الحركات الثورية في المستعمرات والبلدان المتخلفة، وحتى التحالف معها، ولكن ليس الاندماج فيها. ولابد أن تحافظ بشكل غير مشروط على استقلالية الحركة البروليتارية حتى وإن كانت في مرحلتها الجنينية.

كان موقف لينين إذن مناهضا تماما لكل محاولات إخضاع الطبقة العاملة لحركات التحرر الوطني متعددة الطبقات، فهذه المحاولات، من الكومنتانج في الصين في العشرينات إلى المؤتمر الوطني في جنوب أفريقيا في الثمانينات، أدت إلى تدمير كامل للمعارضة اليسارية داخل هذه الحركات.

وقد كان على تروتسكي تطوير الرؤية اللينينية حول المسألة القومية من خلال نظرية الثورة الدائمة. تطرح هذه النظرية والتي وصلت إلى نضجها وشكلها العام كنتيجة للثورة الصينية في 25-1927، أن نضال البلدان المتخلفة من أجل الاستقلال الوطني لا يمكن أن ينجح إلا إذا قامت الطبقة العاملة بقيادته وتحويل هذا النضال من خلال هذه العملية إلى نضال من أجل السلطة العمالية ومحاولة نشر الثورة الاشتراكية الناجحة إلى البلدان الأخرى.

عكس هذا الموقف فهم تروتسكي أن تطور الإمبريالية قد أدى إلى وضع أصبحت فيه الشروط الموضوعية للاشتراكية متوفرة ليس في بلد معين، وإنما على المستوى العالمي، في حين أن إدماج كل البلدان في النظام الرأسمالي العالمي يعني أن الاستقلال الوطني الحقيقي مستحيل مع استمرار هذا النظام العالمي. كان استنتاج تروتسكي، على خلاف لوكسمبورج التي رأت أن كل حركات الاستقلال لم تعد لها أهمية ولها طبيعة رجعية، أن هذه الحركات لا يمكن أن تنجح إلا إذا تطورت إلى نضال أممي من أجل سلطة الطبقة العاملة.

وقد سيطر على الأحزاب اليسارية الستالينية، خاصة في بلدان العالم الثالث، منذ الثلاثينات استراتيجية مغلوطة حول المسألة القومية والتحرر الوطني. وهذه الرؤية هي تماما ما كان يحذر منها لينين، وهي التنازل عن استقلالية الطبقة العاملة، وإعطاء الحركات الوطنية لونا شيوعيا. وكان المنظور الستاليني يطرح أن التحرر الوطني مرحلة سابقة على الثورة الاشتراكية، وبالتالي فعلى الشيوعيين الدخول في جبهات وطنية تضم كل القوى المعادية للاستعمار والإمبريالية حتى يتم الاستقلال التام، ويتم إرجاء مسألة الثورة الاشتراكية إلى ما بعد هذه المرحلة الوطنية.

وهذا تماما ما حدث في ثورة الصين 25-1927 حيث دخل الحزب الشيوعي الصيني جبهة الكومنتانج البرجوازية الوطنية بحجة أن الهدف الأساسي هو التخلص من الاستعمار وأن التناقض الأساسي هو التناقض مع الإمبريالية وليس مع البرجوازية المحلية، وعلى أساس هذه الرؤية لم يؤيد الشيوعيون الصينيون ثورة العمال في شنغهاي، وكانت النتيجة مذبحة للعمال على يد نفس الكومنتانج الذي دخل فيه الشيوعيون، وتلا ذلك تصفية كاملة للشيوعيين أيضا.

وظلت هذه الاستراتيجية تتسبب في كارثة تلو الأخرى في البلدان المختلفة. ففي إندونيسيا، تحالف الشيوعيون في جبهة واسعة مع القوى الوطنية وكانت النتيجة مذبحة للشيوعيين. وفي السودان والعراق حدث نفس الشىء. وفي كل مرة رغم المذابح والهزائم يردد الشيوعيون نفس الكلام ويظلون يبحثون عن جبهة وطنية واسعة، ويخونون الثورة العمالية ويتنازلون عن استقلالية الحركة.

وفي مصر نجد نفس المأساة تتكرر مرة تلو الأخرى، في النصف الثاني من الأربعينيات حيث كان هناك تصاعد حاد في الصراع الطبقي من جانب وتصاعد في الحركة الوطنية ضد الاستعمار البريطاني، كانت استراتيجية الشيوعيين استراتيجية تحرر وطني قلبا وقالبا. وكانت المرحلة بالنسبة لهم هي مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية: نتخلص سويا من الاستعمار والملك وكبار الملاك أولا، وفيما بعد نتحدث عن المرحلة الاشتراكية وسلطة العمال – الجبهة الوطنية أولا ثم العمال، أي إخضاع الصراع الطبقي لأولويات الصراع الوطني. وذلك على الرغم من أن الطبقة العاملة كانت القوة الجماهيرية الوحيدة المؤهلة لقيادة النضال ضد الاستعمار وضد الرأسمالية في آن واحد، وجذب جميع القطاعات المضطهدة ورائها والمضي قدما إلى خلق سلطة عمالية. ولكن طريقا مثل هذا كان يعتبر كفرا بنظرية المراحل المقدسة، وهلوسة من الهلاوس التروتسكية!! ولكن ماذا كانت نتيجة الاستراتيجية الجبهوية الوطنية؟ انقلاب عسكري قضى على كل المنظمات العمالية وأدخل الحركة الشيوعية الوطنية الديمقراطية إلى السجن! ولكن الشيوعيين المصريين ظلوا ثابتين على دينهم ولم يتراجعوا عن استراتيجيتهم الوطنية، بل أخذوا هذه الاستراتيجية إلى آفاق مأساوية جديدة. فعندما بدأ عبد الناصر في تنفيذ ما اعتبروه إجراءات وطنية، مثل تأميم القناة وتأميم بعض الصناعات وترديد الشعارات المعادية للإمبريالية وإسرائيل، قرروا حل منظماتهم والانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي، أي أنهم دخلوا نفس النظام الذي أمم الحركة العمالية وقضى عليها وأدخلهم هم أنفسهم إلى السجن!! ولما لا، فنظام عبد الناصر نظام وطني، وهم في المرحلة الوطنية الديمقراطية، فأين التناقض؟!

وحتى في السبعينات، حيث ظهر ما يسمى باليسار الراديكالي، ماذا كانت شعاراتهم وأطروحاتهم؟ هل كانت سلطة العمال وقيادة الطبقة العاملة لكل القطاعات المضطهدة ولكل القضايا الوطنية والديمقراطية؟ بالطبع لا، فقد ظلوا يخضعون الصراع الطبقي لأولويات الصراع ضد الإمبريالية وظلت شعاراتهم وتكتيكاتهم واستراتيجياتهم تخضع الطبقي للوطني، والعمالي للجبهوي، والأممي للقومي.

لقد حان الوقت لبناء يسار جديد، يتبنى استراتيجية الثورة الدائمة ويطرح مشروع سلطة العمال. لقد حان الوقت لاستعادة التراث الماركسي الثوري الأممي، والخروج من ظلام الستالينية والقومية، لقد حان الوقت للثقة في قدرة الطبقة العاملة على قيادة الثورة.

Facebook Comments

Post source : http://revsoc.me/theory/lmrksy-wlmsl-lqwmy-0/

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *