العمال والثورات العربية

العمال والثورات العربية

في الذكرى الثالثة للربيع العربي تقف الثورات عند مفترق طرق. على مدى الأشهر الثلاثة المقبلة ستستكشف المجلة الشهرية “الاشتراكي” تطورات هذه الثورات الشعبية. آن ألكسندر تفتح هذه السلسلة بتقديم تقييم للحركات العمالية الناشئة في مصر وتونس.
“الثورة البرجوازية الروسية في سنوات 1905-1907… كانت من دون شك ثورة شعبية حقيقية، لأن الجماهير الشعبية، بأكثريتها، فئاتها الاجتماعية السفلى المقموعة والرازحة تحت وطأة الظلم والاستغلال، قد نهضت بشكل مستقل، وطبعت مجرى الثورة بأكمله بطابع مطالبها هي، بطابع محاولتها هي حتى تبني على طريقتها مجتمعا جديدا مكان المجتمع القديم الجاري هدمه”.
(لينين، الدولة والثورة، 1918)

لعبت النضالات العمالية دورا رئيسيا في الثورتين التونسية والمصرية في كل مراحلهما. على الرغم من الأهمية الكبرى التي لعبتها وسائل الإعلام خلال معارك الشوارع وخلال التغطية التي حظي بها ميدان التحرير الأيقوني، كانت النضالات التي خيضت في المصانع والمكاتب الحكومية على ذات القدر من الأهمية في صوغ السيرورة الثورية.

على الرغم من أن المطالب السياسية لإنهاء النظام الديكتاتوري وإجراء الإصلاحات الديمقراطية قد هيمنت على الساحة، كان لهذه الثورات السياسية دائما “الروح الاجتماعية” الواسعة، في استعارة منّا لعبارة الاشتراكي الأميركي هال درابر. قاد العمال المنظمون ثورة شعبية من الأسفل، التي تحدّت نيوليبرالية الأنظمة الاستبدادية وحلفائها.

ومع ذلك، كشفت السنوات الثلاث الماضية أيضا نقاط الضعف داخل المنظمات العمالية، والحواجز التي يتعين عليهم التغلب عليها، حتى تستطيع الطبقة العمالية في البلدين من قيادة “ثورة شعبية” حقيقية من النوع الذي كتب عنه لينين عام 1917.

التناقضات في العلاقة بين الروح السياسية والاجتماعية للثورات العربية بدا واضحا خلال أزمة 30 حزيران وتداعياتها. في مصر نظمت تعبئة شعبية هائلة ضد الإخوان المسلمين ورئيس مصر السابق، محمد مرسي، في فورة الحماسة القوموية التي جرى استغلالها من قبل الجيش، وانضم زعيم في النقابات المستقلة إلى الحكومة.

في تونس توسط الاتحاد العام التونسي للشغل بين الحكومة الاسلامية ومعارضيها في جبهة الإنقاذ الوطني، في محاولة منه لاحتواء، بدلا من تطوير، الغضب تجاه الحكومة بسبب فشل الحكومة في الوفاء بتحقيق العدالة الاجتماعية، الشعار الأساسي في الثورة.

كان دور الحركة العمالية محوريا في المراحل الثلاث من السيرورة الثورية. بدأت الثورة في نهاية العام 2010 تتويجا لسنوات من تزايد الاحتجاجات والإضرابات. علاوة على ذلك، في كل من تونس ومصر، كانت الانتفاضات المحلية في المناطق الصناعية الرئيسية عام 2008، بروفا لثورة عام 2011.

كان التدخل العمالي حاسما في ثورات العام 2011 وحاسما أيضا في تحديد نتيجة المرحلة الأولى منها. في تونس، نظمت الإضرابات العامة المحلية، التي قادها مسؤولون إقليميون من الاتحاد العام التونسي للشغل، تلاقت هذه الإضرابات أخيرا خلال الإضراب العام الذي شل البلاد في 14 كانون الثاني. وفي وقت كانت تزداد فيه أعداد الجماهير في شارع بورقيبة في وسط تونس، التقى الديكتاتور بن علي مع عبد السلام جراد، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل. “ألا يمكنك إلغاء الإضراب؟” توسل بن علي لجراد. “إذا حاولت ذلك، فإن أعضاء الاتحاد لن يستمعوا لي” أجاب جراد. في غضون ساعات كان بن علي يستقل الطائرة متوجها نحو منفاه في المملكة العربية السعودية.

في مصر، تميز العمال بمشاركتهم في معارك الشوارع وكانوا من أبرز الضحايا بعد 28 كانون الثاني. سعت شرطة مكافحة الشعب إلى إغراق الثورة بالدماء داخل الأحياء العمالية التي تحولت إلى ساحات معارك. إلى أن استعمل العمال قوتهم الجماعية داخل أمكنة العمل فلقي مبارك مصيره المحتوم.

فعمت موجة من الإضرابات التي بدأت في نهاية الأسبوع في 5-6 شباط أدت في نهاية المطاف إلى مشاركة ما يقارب 300 ألف عامل في إضراب عام وشامل في 11 شباط اليوم الذي تدخل فيه الجيش وأزال الرئيس من منصبه.

لعب العمل الجماعي الذي قام به العمال ايضا دورا حاسما في عرقلة الحكومات التي جاءت إلى السلطة عقب سقوط الطغاة. في مصر، نظمت موجة من الإضرابات شارك فيها نصف مليون عامل بين أيلول عام 2011 مسببة أزمة للمجلس العسكري الحاكم في تشرين الثاني عام 2011 حيث خرج الملايين إلى الشوارع مرة أخرى تحت الشعارات نفسها التي كانت قد رفعت في كانون الثاني من العام نفسه.

هذه المرة، لم تندمج الأساليب السياسية والاجتماعية للصراع. على الرغم من دعوة الناشطين في ميدان التحرير وقادة في النقابات العمالية المستقلة، لم يكن هناك تكرار لموجة حاسمة للإضرابات التي أرغمت مبارك على الخروج من الحكم في شباط. نجح الجيش في تحويل الآمال بتغيير سياسي واجتماعي سريع إلى صناديق الاقتراع، وكان الإخوان المسلمون وحزب النور السلفي أكثر المستفيدين.

وجرى إحباط محاولة أخرى للدعوة إلى إضراب عام ضد المجلس العسكري في شباط عام 2012 عندما تدخلت حركة الإخوان المسلمين مهددة بالقمع، وحشدت أنصارها في أماكن العمل لإقناع العمال بضرورة إعطاء فرصة لأعضاء البرلمان المنتخب حديثا لإقرار الإصلاحات.

ومع ذلك، سعت القوة المعادية للثورة إلى إعادة بناء المؤسسات المدمرة للنظام القديم لزيادة قوتها وثقتها بنفسها. في شهر حزيران عام 2012 أمرت المحكمة الدستورية بإيعاز من الجيش بحل مجلس الشعب، ولكن المؤسسة العسكرية سمحت لمرشح الإخوان، محمد مرسي بالفوز في الانتخابات الرئاسية في سباق محموم مع أحمد شفيق، رئيس الحكومة الأخيرة في عهد مبارك.

مصير مرسي في نهاية الأمر يؤكد في الوقت عينه على ضعف وقوة المنظمات العمالية في إطار السيرورة الثورية. يمكن تلمس قوتها في عدم قدرة الحكومات المتعاقبة على وقف الإضرابات. والمستويات العالية من النضال داخل أماكن العمل تعكس مدى الإحباط الذي يعاني منه العمال بسبب عدم تلبية مطالبهم من أجل تحسين الأجور وتحقيق الاستقرار الوظيفي، والكرامة في العمل وثقتهم بأن العمل الجماعي سيأتي ثماره.

وعندما تراجعت موجة الاحتجاجات في الشوارع، نمت موجة جديدة من الإضرابات العمالية مكانها. وكان ثابتا وواضحا تلاقح الاحتجاجات في الشوارع وفي أماكن العمل التي كانت تشكل حاجزا رائعا بوجه الثورة المضادة.

النقابات
كان الضعف الأكثر وضوحا في الأزمات التي حصلت في شهري حزيران وتموز عام 2013، عندما أطاحت القوات العسكرية بمرسي عقب انتفاضة شعبية عارمة. وبدل الاستفادة من الحركة الثورية الشعبية ضد حركة الإخوان المسلمين، استغل الجيش الفرصة وحول مسار الأحداث باتجاه الثورة المضادة.

شكل الحركة العمالية يختلف كثيرا بين مصر وتونس. فقد شهدت مصر تغيرات دراماتيكية خلال الثورة. في كانون الثاني عام 2011 كان في مصر أربع نقابات مستقلة فقط. وكانت النقابات “الشرعية” هي تلك التي تنتمي إلى الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، الذي كان ينسق من خلال قياداته البيروقراطية العليا مع أعضاء من الحزب الحاكم، وكان مفتاحا بيد أجهزة الدولة.

اليوم، الاتحاد العام لنقابات عمال مصر لا يزال موجودا، ولكن وفقا لبعض التقديرات، فقد جرى تأسيس حوالي ألف نقابة مستقلة. ويتوفر نوعان من الاتحادات الكبرى للنقابات المستقلة، الاتحاد المصري للنقابات المستقلة ومؤتمر عمال مصر الديمقراطي المصري.

بعض القيادات الوطنية للنقابات المستقلة كانت غير فعالة إلى حد كبير في تنسيق العمل على أرض الواقع، وبدلا من ذلك، تلعب دورا مماثلا لمنظمة غير حكومية أو شبيها بدور الحملات الضاغطة من أجل تشريعات جديدة لحماية حق العمال بالتنظيم.

وصِلات مجموعات صغيرة من مسؤولي النقابات داخل الاتحادات النقابية المستقلة ضعيفة مع أماكن عملها، ومن أبرز الشخصيات داخل النقابات المستقلة، كمال أبو عيطة، الذي يتولى منصب وزير القوى العاملة والهجرة منذ شهر تموز عام 2013. وفي سياق الحملة العسكرية الدامية ضد حركة الإخوان المسلمين، كان لأبي عيطة دورا سياسيا واضحا: سعيه لتهدئة غضب العمال بسبب عدم تلبية آمالهم بالتغيير الاجتماعي والوعود بالإصلاح.

في تونس، على العكس مما سبق، فإن الوضع مختلف. مع عضوية 680 ألف نقابي، يبقى الاتحاد العام التونسي للشغل، إلى حد كبير، أكبر منظمة للطبقة العاملة، تماما كما كان عليه قبل الثورة.

في السنوات التي سبقت الثورة أُسقطت قيادة الاتحاد عدة مرات بسبب قربها من بن علي، على العكس من الحالة المصرية، وكانت المستويات الدنيا من البيروقراطية النقابية قادرة على تأكيد استقلالها عن الدولة وأجبرت القيادة على فك ارتباطها عن النظام في كانون الثاني عام 2011.

وعندما فازت حركة النهضة بالانتخابات التي أعقبت الإطاحة ببن علي ووصلت إلى السلطة، وجد الاتحاد العام التونسي للشغل نفسه بمواجهة، على نحو متزايد، مع الحكومة. في البداية، كانت ترسم خطوط المعركة حول السياسات الاقتصادية النيوليبرالية لحركة النهضة. ومع ذلك، تطورت الأمور بسرعة إلى صراع سياسي، مع الاتحاد العام التونسي للشغل العامود الفقري للمعارضة المناوئة للنهضة، والاتحاد يضم ضمن قاعدته عددا واسعا من المؤيدين للجبهة الشعبية اليسارية.

وهاجمت عصابة من البلطجيين المنتمين على ما يبدو إلى حزب إسلامي، مكاتب الاتحاد العام التونسي للشغل في كانون الأول عام 2012، فدعا الاتحاد إلى إضراب عام سياسي، الأول من نوعه منذ العام 1978.

هذا الإضراب لم يحصل بعد أن توصلت قيادة الاتحاد في اللحظة الأخيرة إلى تسوية مع الحكومة. خلال الأشهر التالية، وحتى أثناء الصراع السياسي بين النهضة والجبهة الشعبية المتنامي إثر اغتيال اثنين من قادتها، شكري بلعيد في شهر شباط عام 2013 ومحمد براهمي في تموز من العام نفسه، عاد الاتحاد مرة أخرى إلى لعب واحد من أدواره التاريخية: وسيط في أوقات الأزمات السياسية.

بحلول خريف هذا العام كان الاتحاد العام التونسي للشغل يلعب دورا قياديا في تسهيل المفاوضات بين النهضة وأحزاب المعارضة متبعا بنود خارطة الطريق التي اقترحها بهدف تشكيل حكومة انتقالية.

وبالتالي، وعلى الرغم من الاختلافات الظاهرية، برزت قضية البيروقراطية النقابية في كل من مصر وتونس. يسعى المسؤولون في نقابات البلدين إلى تحقيق التوازن بين العمال من جهة وأصحاب العمل والدولة من جهة أخرى، كما تعمل على احتواء الصراعات الاجتماعية والسياسية داخل الحدود الضيقة للإصلاح ومحاولة منع حصول تلاقح بينهما.

في تونس، وعلى نحو غير معتاد، يتوسط الاتحاد العام التونسي للشغل مع جميع الأطراف السياسية الرئيسية، ويعمل بطريقة مباشرة باعتبارها واحدة من الضامنين للدولة.

ما العمل؟
المشكلة المركزية التي تواجه أولئك الذين يرغبون في موصلة وتجذير الثورة في البلدين، هو أن الدولة لم تتغير كثيرا منذ سقوط الطغاة السابقين. وهذا الأمر شديد الوضوح في مصر، حيث تعافت المؤسسات القمعية لنظام مبارك، الجيش والشرطة، من الأضرار الكثيرة التي لحقت بها في المراحل الأولى من الثورة.

ولكن على الرغم من الصعوبات، هناك أسباب كثيرة للأمل. فالصمود والإبداع الرائع للمنظمات العمالية في كل من مصر وتونس على مستوى القاعدة- على الرغم من الخيانة العرضية للقيادات العمالية- هو المفتاح.

التجربة الديمقراطية الجماعية المنظمة على مستوى مكان العمل هي المورد الثمين الذي يجب أن تحافظ عليه الحركة الشعبية الثورية، حتى في الأوقات التي تحتل فيه الشوارع قوات معادية لها.

الأهم من ذلك، لا تزال المنظمات العمالية المجموعة الوحيدة من ضمن صفوف الفقراء والمظلومين القادرة على وقف كل أجهزة الحكومة وعجلات الانتاج. ومن إحدى أبرز سمات الحراك العمالي خلال السنوات الثلاث الماضية كان إصرار العمال على “تطهير” القطاع العام من الموظفين الفاسدين المنتسبين إلى الحزب الحاكم السابق.

على الرغم من أن هذه الصراعات كثيرا ما حدثت بمعزل عن بعضها البعض، لكنها تظهر أن مئات الآلاف من المصريين فهموا أفضل بكثير من غالبية السياسيين- سواء من الإسلاميين أو العلمانيين- أن الثورات هي الطريق لإعادة بناء الدولة، وليس لتقديم التنازلات معها.

هتاف كانون الثاني عام 2011 “خبز، حرية، عدالة اجتماعية، عمل وكرامة” يشكل رابطا مثاليا بين المطالب الاجتماعية والسياسية. عمليا، طُلِب من العمال الاختيار بين الحقوق الاجتماعية والسياسية.

واجهوا نموذجا من النيوليبرالية (والاستبدادية على نحو متزايد) لحكومة برلمانية في ظل حكم الإسلاميين، أو الحكم العسكري الذي قدم وعودا غامضة بالإصلاح الاجتماعي. فمن الواضح أنهم بهذه الوسائل لن يحصلوا لا على الخبز أو على الحرية.

ما العمل؟ خلق صوت سياسي مستقل للعمال يتصل بنضالهم في هاتين الثورتين هو اليوم أمر مهم أكثر من أي وقت مضى. تشبيك أكبر للمنظمة الثورية مع العمال داخل أماكن العمل، القادرة على مواكبة وقيادة المعارك في النهاية في الشوارع، هو أمر شديد الإلحاح بعد أحداث عام 2013.

آن ألكسندر.
ترجمه‫ الى العربية‫:‬ وليد ضو
تشرين الثاني   ٢٠١٣
Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *