الحراك الثوري: المحكمة العلنيّة لثوّار القطيف

الحراك الثوري: المحكمة العلنيّة لثوّار القطيف

تأتي محاكمة المتظاهرين في القطيف في وقت يتصاعد فيه الحراك الثوري والحقوقي في المنطقة وفي مناطق اخرى من المملكة لتطالب بالأفراج عن المعتقلين في سجون النظام بكافة اطيافهم , ويتزامن ذلك الأعلان عن المحاكمة وبدء القضاء فعليا في اجراءاتها , مع اجراءات اخرى قامت بها السلطات مثل الأفراج عن الداعية يوسف الأحمد , وسلسلة الزيارات المتكررة والتي سمحت فيها السلطةلجهات حقوقية ومؤسسات صحفية بزيارة سجون الدولة لتفقدها ” سجن الحاير على سبيل المثال”, بالأضافة الى المحاكمة العلنية للرموز الحقوقية عبدالله الحامد ومحمد القحطاني .هنا يجب علينا ان نتسائل: لماذا لم تحدث هذه التنازلات الا في الآونة الاخيرة ، و لم نحصل على هذه المكتسبات الحقوقية الا في هذا التوقيت بالذات؟! لماذا لم تتحوّل كل القضايا في المحاكم الى جلسات مُعلنة الا بعد الحركة الأحتجاجية ؟! – ماذا نستنتج من هذه الأجراءات؟! استطاعت الحركة الاحتجاجية ان تُربك السلطات السعودية ، فبعدما كان ملفّ المعتقلين يُعتبر من القضايا الحسّاسة و البالغة السرية ، و التي لا يتجرأ البعض على فتحها ، الى درجة ان هناك من أُعتقل لسبب انه سأل عن اخيه او قريبه المُعتقل ، ، بدأ الناس و بعد تصاعد الحراك الثوري يحضرون المحكمة لمشاهدة المتهمين و هم يدافعون عن انفسهم علناً. و تحوّل الصراع ، من صراع اقليمي الى صراع يشمل كل الاقاليم ، و لا يقتصر على منطقة او مدينة معينة. و تحولت القضية من قضية ذوي المعتقلين و مطالباتهم بالافراج عن اهاليهم الى حراك شعبي ضد الاعتقال التعسفي و الإفقار و الظلم ، و توسعت المطالب و اصبحت لا تُختزل في مطلب واحد. وهذا يجعلنا نتيقن ان الحركة الاحتجاجية هي مستقبل التغيير ، و نحن في بداية الطريق ، و مازال هناك الكثير من القمع و الأضطهاد و العنف المنظّم و شتى التجاوزات التي نعاني منها ، و مازال حقّ الاحتجاج غير مكتسباً ، فنحتاج ان نكتسب شتى الحقوق المختلفة في طريقنا نحو التغيير الجذري – و لن نحصل عليها الا بالنضال و التنظيم و الحراك !

لكن هناك من يعوّل تعويلاً كلياً على هذه التغييرات البسيطة ، و يكتب بعض الصحفيين امثال جاسر الجاسر عن كيف ان المحاكمات العلنيّة حولتنا من دولة رجعيّة الى دولة ديمقراطية تقدمية.! تترائى تلك المحاكمة للوعي الشعبي بصفة عامة والوعي الحقوقي بصفة خاصة انها تطوراً ايجابيا ملحوظاً في القضاء السعودي , وان المنظومة الأمنية باتت مدركة لأهمية احترام حقوق الأنسان والشفافية والعدالة. بينما في الحقيقة ، ان هذه المحاكمة العلنيّة المرموقة ، فضحت المنظومة القضائية المتحيزة للسلطة ، بل وصلت المهزلة العلنيّة في تلك المحاكمات ، بأن يأمر القاضي بأحتجاز احد الحضور لمدة 24 ساعة بتهمة التصفيق للمتهم, ومع هذا فنحن لا يجب ان نغفل عن ان هناك تحولاً لا يمكن انكاره بخصوص ملف المعتقلين وخاصة اولئك الذين يقبعون بدون محاكمة وآخرون اعتقلوا في الآونة الأخيرة ، لكن التعامل مع هذا التحوّل بأعتباره منجز نهائي للصراع هو محض وهم و طرح غارق في العدمية ! فكيف يمكن لعدد من الأجراءات الشكلية التي لا تلامس جذور اشكاليات الواقع الأجتماعي ان تعد تطورا لافتا في تلك المنظومة الأمنية والقضائية ,ففي الوقت الذي تتم فيه تلك المحاكمة المزعومة , مازالت الاجراءات التعسفية على الارض ، ومازالت حملة الأعتقالات العشوائية تطال ابناء القطيف عن طريق الأختطاف التعسفي و المداهمات الوحشيّة مثل ما حصل مؤخرا من اختطاف للمواطن عبدالله المزرع وهو خارجاً من المستشفى مع زوجته , واعتقال المواطن مسلم أل تحيفة من على جسر البحرين . وحيث مازال اكثر من 150 مواطن من القطيف والأحساء يرزحون في سجون النظام , من بينهم اطفال تترواح اعمارهم بين 13 – 17 ، و رجال دين على رأسهم الشيخ توفيق العامر ونمر النمر , ونشطاء حقوقيين من ضمنهم فاضل المناسف وكتاب وشعراء وصحفيين منهم جلال آل جمال , حبيب المعاتيق , زكريا صفوان وشاعر الثورة عادل اللباد !
من هنا نستنتج ان تلك المحاكمة الهزلية للمحتجين السلميين او كما تصفهم الداخلية السعودية ” مثيري الشغب” ماهي الا اجراء تكتيكي جديد لوزارة الأرهاب السعودية وسياسة أمنية تهدف في مضمونها لتكريس المزيد من اشكال القمع لقتل الحراك الثوري والمطلبي في القطيف , وممارسة الضغط على مجمل الحركة الأحتجاجية في السعودية ، ان اي اجراءات شكلية تقوم بها وزارة القمع لايمكن ان نتناولها بأعتبارها تطور ايجابي من قبل السلطة بمعزل عن الحركة الجماهيرية , هذا ماتريدنا تلك المنظومة ان نصدقه ، وذلك ما تمرره وتطبل له عبر آلتها الأعلامية التي تخدمها جيدا في تحقيق ذلك الغرض , ان الحديث عن اصلاحات وتطورات ايجابية في الممارسة الأمنية والقضائية سيدفع بعدة اتجاهات :
اجهاض الحراك الثوري في القطيف بصفة خاصة والحراك الحقوقي بصفة عامة ، فأن تلك الأجراءات المزيفة ستزود المحتجين الذين يرفعون مطالبهم الأجتماعية دفعة معنوية بأن صراعهم بات يعطي نتائج وبأن هناك نوع من العدالة والشفافية و سياسة الباب المفتوح و المحاكمة العلنيّة , فأحرى بهم ان يستجيبوا لدعوات ترك الشارع الآن , ويطالبوا بحقوقهم عبر قنوات اخرى كألأستجداء الحقوقي مثلا عبر كتابة المعاريض و منظمات حقوق الانسان ، فيتحوّل الحراك من المقاومة الى المساومة !
ثانيا ان تلك الأجراءات الأمنية تعطي الحقوقيين والنشطاء وهما كاذبا بالأنتصار فهم يعولون دائما على تلك المصطلحات الرنانة مثل ” علنية , ومكاشفة , وحقوق انسان , ومحاكمات ” ! وبالتالي ذلك الأنتصار سينعكس بالضرورة على الخطاب الحقوقي والذي سيتماهى في مرحلة ما قادمة مع الخطاب السلطوي والأمني ، بينما الحركة الاصلاحية هي نتاج تاريخ من الفشل المتكرر ، فلم يحرزوا تقدماً على الاطلاق ، فها هي منظمة حقوق الانسان تشكر وزارة الداخلية على جهودها و تتلاعب بأرقام المعتقلين في السجون و تستند على احصائيات وزارة الداخلية ، و ماذا فعل الاصلاحيون منذ الخمسينات الى الآن ، عدا المعاريض و الاستجداء في بلاط الامراء ، ان المكاسب الحقوقية لن تحرزها الا الحركة الثورية في الشارع ّ!

ان المناضلين باتوا يدركون جيدا تلك السياسات الأمنية المزدوجة والتضليلية التي تطلق سراح سجناء لتعتقل آخرين , والتي تحاكم البعض علنيا لتغيب الآخرين , والتي تقدم مجموعة من الشباب للمحاكمة بدعوى اثارة الشغب بينما تقوم آلتها العسكرية بقتل المتظاهرين في الشوارع واطلاق الرصاص العشوائي على الآمنين في القطيف عند ساعات الفجر الأولى في محاولة قذرة للترهيب والتخويف.
علينا ان لا نستجيب لذلك التضليل والألهاء و التزييف الممنهج التي تتبعه مؤسسات الطبقة الحاكمة .. و ان الحقوق لا يمكن ان تُقدّم لنا على طبق من ذهب , وان من يقتلون ابنائنا في الشوارع ويعتقلون مناضلينا , لا يمكن الوثوق بهم والتعويل على حسن نواياهم. و يجب علينا ان ننتزع حقوقنا بالقوة عبر تواجدنا في الشارع اولا وعبر استمرارنا في الأحتجاجات والأعتصامات والأضرابات ، و ان لا وجود لحرية في مجتمع مجرموه احرار !
كل الحرية للمعتقلين في سجون النظام السعودي وكل العار للجلادين !

زينب نزار و مهدي عام

شباط ٢٠١٣

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *