الجماهير تستعيد الشوارع انبعاث الحراك الشعبي من جديد

الجماهير تستعيد الشوارع انبعاث الحراك الشعبي من جديد

 

خفت الحراك الشعبي الثوري منذ المنتصف الثاني لعام ٢٠١٣، نتيجة للتأثيرات المدمرة لسياسة الارض المحروقة التي مارسها النظام بحق المناطق الثائرة وتجريفها من بناها وسكانها التي تحول غالبيتها الى نازحين ولاجئين. ولكن تراجع الحراك الشعبي تفاقم ايضا مع زيادة نفوذ القوى السلفية الجهادية الرجعية في المناطق ” المحررة” على حساب الجيش الحر، هذه القوى الرجعية قامت بممارسة نفس سياسات النظام الدكتاتوري البشعة في قمع اي نشاط مستقل للجماهير وفرضت عليها ممارسات قروسطية.
وهكذا بدا جليا ان الوضع السوري تميز باصطفافات لقوى متصارعة متعددة الأطراف ، من جهة الحراك الشعبي والثوري ، في مواجهة قوى الثورة المضادة التي تشمل نظام الطغمة والقوى السلفية الجهادية المعادية للثورة . لترتسم خريطة مع تصارع ثلاثي الأطراف . هذا الحال ليس معهودا كثيراً في تجارب الثورات، وهو ما فاقم من تشوش بعض اليسار ، المتخاذل أصلا تجاه الثورة الشعبية منذ بداياتها.
هذه الهيمنة لقوى الثورة المضادة لمدة تتجاوز العامين، جعلت البعض ، حتى من الثوريين أنفسهم ، يتحدث عن “نهاية ” او “هزيمة” الثورة، وكأنها مشهد يبدأ بالانتفاض ويختتم بسقوط ” الرئيس” او نظامه، كخاتمة.
ولكن الأمر ليس كذلك ، فما نشهده هو دينامية ثورية صحيح ان لها دوافع سياسية ديمقراطية ، لكن، ما هو اهم ان دوافعها الاقتصادية- الاجتماعية هي المحرك الرئيس لها، ما يعني انها دينامي سيرورة صراع طويلة ستشهد لحظات متعددة ، فيها ازمنة صعود وهبوط لنضالات الجماهير. وتقدم كفاحها، ستكون نتائجه مرهونة بمدى تنظيم الاخيرة لنفسها وموازين القوى الاجتماعية والميدانية وخيارات الفاعلين الاساسيين في كل لحظة من لحظاتها ، ووجود ام غياب قيادة ثورية جماهيرية واعية ومنظمة.
هذا ما قد يفسر، انه وبمجرد ما ان خف ضجيج السلاح، والقصف والتدمير، اثر الهدنة الجزئية المعلنة منذ ٢٧ شباط/فبراير من هذا العام، خرجت عشرات المظاهرات الشعبية التي تحمل راية الثورة وشعاراتها، بغياب لرايات القوى الرجعية، في الغالبية العظمى منها، وتعرضت هذه المظاهرات الى اعتداء وقمع من القوى السلفية الجهادية الرجعية ولا سيما جبهة النصرة المعادية للشعب، حيث وجدنا في الشوارع وفي المناطق الخارجة عن سيطرة النظام مظاهرات شعبية ترفع شعارات معادية لكلا من النظام ولجبهة النصرة الرجعية وأمثالها.
خفت السلاح ، فاستعادت الجماهير المنتفضة احتلال الشوارع بمطالبها بالحرية والمساواة والكرامة والعدل الاجتماعي.وتاكيد إرادة الشعب باسقاط النظام. هذا الانبعاث المتجدد للحراك الشعبي والمستمر ،دون التهويل باتساعه أو التهور بالقول بان الثورة باحسن حال، إنما يؤكد اننا نعيش حقبة ثورية ممتدة زمنيا، وعلينا تنظيم أنفسنا ،بشكل افضل واستخلاص الدروس والعبر من السنوات الماضية، من اجل خوض كل معارك الجماهير لصالح أعمق التغييرات السياسية والاجتماعية في بلادنا لصالح الطبقات الشعبية.
لذلك، فإننا لا نراهن عما سيصدر عن مفاوضات جنيف بين أطراف المعارضة المرتهنة ونظام الطغمة، بل اننا سنعمل من اجل تعبئة الجماهير لمتابعة نضالاتها ، لمنع اي تنازل عن حقوقها، وتحقيق مطالبها بالتغيير الجذري الديمقراطي والاجتماعي ، فكلا الوفدين المفاوضين إنما ينهلان من نفس السياسات اللاجتماعية وخرجا من نفس الطبقة الحاكمة ولا يمكن ، ولا باي حال الوثوق بهما. فم كان اعلان الرئيس الروسي، في منتصف شهر اذار الجاري، عن السحب الجزئي لقواته من سوريا سوى محاولة من روسيا، ضمن التوافق الروسي – الامريكي، لتسهيل عقد جولة المفاوضات التي بدأت هي ايضا منتصف الشهر، بين وفدين لا فرق بينهما، في السياسات والانتماء الطبقي، بل يختلفان باختلاف تبعيتهما لقوى إقليمية ودولية متنازعة المصالح في سوريا.
نقف ،إذن، مع الجماهير الثائرة من اجل تحررها وكفاحها الثوري، فحسب.
فالثورة الشعبية كسرت القيود التي كانت تكبل كل القطاعات المضطهدة في بلادنا، وفي مقدمتها الطبقات الشعبية والمرأة وايضا القوميات المضطهدة ولا سيما الشعب الكوردي. وبفضل الثورة الشعبية توفرت الشروط الموضوعية لتحررها.
لقد كانت الثورة بافضل تجلياتها في العامين الأولين منها، حيث خرجت الجماهير السورية ،كلها ، منتفضة، أيا كان جنسها او عرقها او دينها، بشكل أكد ان وحدة كفاح الجماهير السورية كانت وتبقى السلاح الأمضى لتحررها من كل قيد او استغلال او استبداد.وهو الامر الذي أدركته قوى الثورة المضادة ، فعملت كالعادة بسياسة “فرق تسد”، فهيجت الطائفية، وتلاعبت بالمناطقية والمشاعر القومية، وغيرها،وقد ترافق تراجع الحراك الثوري وتقدم الثورة المضادة مع ازدهار لهذه الافات.
ولا بد من الإشارة الى ان كل من النظام كما المعارضة البرجوازية وايضا الاخوان المسلمون لا يختلفون بشيء في مواقفهم الرافضة للاعتراف بالحقوق القومية لكورد سوريا
والحال، فان تحرر كل المضطهدين مرهون بوحدتهم جميعا وليس بتشتتهم. على أساس من الاعتراف المبدأي الواضح بكافة حقوقهم. وبما يخص الشعب الكردي الاعتراف بحقوقه القومية وبما فيها حقه في تقرير مصيره هذا الإقرار المبدأي هو المدخل الصحيح لوحدة كافة الشرائح المضطهدة في بلادنا، لأن تحرر كل شعوب المنطقة هي بوابة تحرر الشعب الكوردي نفسه، في هذه الحالة.
.
لذلك، فان الدعوة لنظام فيدرالي ، من الأعلى ، وبشكل نخبوي لحزب الاتحاد الديمقراطي الكوردستاني، في المناطق التي يسيطر عليها بقواته المسلحة، المدعومة بحلفائه، تشكل ، برأينا، وبغياب المشاركة من الأسفل وعبر تعبير ديمقراطي حر وشامل ، لكل الجماهير في المنطقة المعنية وعموم سوريا، عائقا وليس دافعا لعملية التحرر لعموم الجماهير السورية.
فالدرس الاول من الثورة الشعبية السورية وكل الثورات في عصرنا، هو ان تحرر الجماهير ، كل الجماهير، بغض النظر عن انتمائها العرقي او الجهوي او الديني او الجنسي ، لا يمكن ان تتم سوى بفعل الجماهير السورية ، كلها ، في مواجهة كل استبداد واستغلال واضطهاد وتمييز.

والثورة مستمرة !

الخط الأمامي
تيار اليسار الثوري في سوريا
آذار/ مارس ٢٠١٦

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *