الاحتلال الثلاثي لسورية.. المختلّ يجلب المحتل.. بقلم د. عبد القادر المنلا

الاحتلال الثلاثي لسورية.. المختلّ يجلب المحتل.. بقلم د. عبد القادر المنلا

لم يحدث في التاريخ أن خضع بلد واحد لعدة احتلالات في آن معاً كما يحدث الآن في سورية..
الفكر الاستعماري رافق الدول على مدار الزمن.. حالما تمتلك دولة ما آليات القوة، تبدأ بمحاولات التوسع على حساب البلدان الضعيفة.. تلك حتمية تاريخية شاهدناها على مدار العصور..

قد لا تكتفي الدولة المستعمرة ببلد واحد، فتحتل عدة بلدان، وربما قارة بأكملها، ولكن الجديد في الحالة السورية، هو قيام عدة بلدان معاً باحتلال بلد واحد، وهو تغيّر جذري في مفهوم الاحتلال التقليدي..

ربما هو التجسيد الفعلي لشعار التطوير والتحديث الذي رفعه الوريث المعتوه في بداية احتلاله لسورية حيث لم يعرف السوريون حينها المعنى الحقيقي لذلك الشعار..

الجديد هذه المرة، هو أن الدول المحتلة “إيران وروسيا”، ليست دولاً قوية تريد التوسع وتسعى لإنشاء إمبراطوريات، بل هي دول متهالكة سياسياً واقتصادياً، مأزومة أخلاقياً، وتسعى لحل مشاكلها عن طريق الاستثمار في بلد أفقده رئيسه كل مكونات القوة، وقدمه لها لقمة سائغة..

وضعه في المزاد العلني بلا ثمن فعلي بخلاف حماية شخصه من السقوط ومن العقاب أيضاً..
الجديد أيضاً أن الوريث أسال لعاب دولة غير استعمارية كروسيا، لتخوض تجربة الاحتلال باعتبارها تجربة سهلة ومضمونة..

إيران وروسيا يتقاسمان هذا الاحتلال المشترك لبلد واحد، ولكن الجديد في سورية لا يقتصر على ذلك، فلأول مرة في تاريخ البشرية على الإطلاق تقوم ميليشيات مسلحة كحزب الله باحتلال دولة..

أما الأكثر تحديثاً وتجديداً من ذلك كله فهو أن احتلال سورية يعد أول ظاهرة احتلال في التاريخ يأتي بدعوة رسمية لكل تلك الكيانات المحتلة ممن يسمى الرئيس، والذي وفّر على المحتل الكثير من الجرائم التي لا بد لأي احتلال من ارتكابها أثناء دخوله البلد الذي يريد احتلاله، فقام بقتل مئات الآلاف من السوريين وتدمير معظم المدن والقرى، وتشريد نصف السكان أو يزيد، ووجدت “الاحتلالات” الثلاثة الباب مفتوحاً والأرض ممهدة ودخلت كمساهم في الجريمة، كلاعب احتياط لا يحتاج للكثير من الجهد.. كمتمم للدور لا أكثر..

لقد جعل الوريث من جرائم المحتل حدثاً ثانوياً بعد أن احتكر قتل السوريين بالوكالة عن تلك القوى التي أدخلها بطلب رسمي منه..

إن بيع سورية كان العادة المتوارثة لدى آل الأسد، الأب سدد فاتورة وصوله إلى الحكم وبقائه ثلاثين عاماً مقابل الجولان، ولكنه كان لصاً محترفاً بما يكفي لإخفاء معالم الجريمة والتغطية عليها وخاصة من خلال تمثيلية حرب الـ 73، رغم أن معظم السوريين يعرفون حقيقية تلك الصفقة..

وعلى ذات النهج سار الأسد الابن، فمدد عقد احتلال الجولان، ثم لم يجد عنتاً في بيع لواء اسكندرون علناً، قبل أن يعرض سورية برمتها في سوق النخاسة..

واقعياً، حكم الأسد الأب سورية بعقلية المحتل، ولكنها كانت عقلية أكثر تشدداً من كل الاحتلالات التي تعاقبت على سورية..

كان آل الأسد والمافيات العائلية المرتبطة بهم يتعاملون مع السوريين بمنطق الملكية المطلقة، ملكية العقار وملكية الشعب معاً، ولم يشعر السوريون خلال ثلاثة عقود إلا أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، مواطنون يشبهون عرب الـ 48 في فلسطين، بخلاف أن إسرائيل كانت أخف حدة بما لا يقاس في تعاملها معهم، أقل غدراً على كل حال.. فبالحد الأدنى يعرف أهل الفلسطيني المعتقل في أي سجن هو، ويمكن أن يخضع المتهمون لديها لمحاكمات حتى لو لم تكن عادلة، كما أن إسرائيل -رغم إجرامها بحق الفلسطينيين-، إلاّ أنها لا تقتل ولا تطارد أهل المطلوبين وذوييهم وأقرباءهم، ولا تغتصب نساءهم أو تحتجزهم لحين حضور المتهم، إلى آخر تلك الممارسات الوحشية لآل الأسد والتي جعلت صورة إسرائيل مثالية بالمقارنة مع ممارسات العصابة الحاكمة في سوريا..

الأسد الأب، ورغم أكوام الجرائم التي ارتكبها ضد السوريين، استطاع أن يخفي حالة العداء المباشر مع السوريين الذين لم يتعمقوا بفهم ذلك الفكر المتعسف، استطاع خداع الكثيرين، غير أن الأسد الابن أعلن حالة العداء بشكل مباشر عند أول امتحان لقدراته الذهنية ومواقفه الأخلاقية والوطنية، وخاض ضدهم حرباً لم يخضها مستعمِر ضد بلد مستعمَر..

وإذ نتحدث عن الاحتلال الثلاثي اليوم، فنحن نتحدث عن إيران وروسيا وحزب الله كاحتلال مباشر وصريح، غير أن سورية اليوم تخضع في الحقيقة لمجموعة أكبر من الاحتلالات الفرعية، ولكنها لا تزال مرشحة للمزيد، فالصين وكوريا الشمالية، على أهبة الاستعداد، ولا حاجة للذرائع إذ يكفي طلب رسمي من “الرئيس الشرعي” لدخول تلك البلدان إلى الأرض السورية، ومن أكثر من بشار الأسد قدرة على تلبية ذلك الطلب؟؟

ربما كان كل ذلك الواقع القاسي الذي تعانيه سورية في كفة، وإصرار الوريث القاصر على مفهوم السيادة الوطنية في كفة أخرى، ولكن من صنف السوريين على أنهم جراثيم وإرهابيين، لن يستطيع أن يجد سيادته الوطنية إلاّ عبر المحتل.

لم يكن من العبث أن يختار السوريون “الحرية” شعاراً لثورتهم، ربما لم يكن السوريون يعنون أي نوع آخر من الحرية سوى التحرر من الأسد باعتباره محتلاً.. وهو في الواقع أخطر احتلال مر على سورية في تاريخها القديم والحديث معاً..

لقد كسر الوريث المعتوه القاعدة المعروفة: الطغاة يجلبون الغزاة، لتصبح: المختل يجلب المحتل..

خاص – المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *