الأصوليات الممانعة والليبرالية: وجهان لعملة واحدة

الأصوليات الممانعة والليبرالية: وجهان لعملة واحدة

أنظروا كيف يتماثل الممانعون والمهادنون أو الليبراليون، بالطبع فكلبهما من الطينة نفسها، كلبهما يرتكز في تفكيره على اللعب والقفز ما بين أقطاب التوازنات السلطوية الاقليمية والعالمية، ويراهنان على الانظمة وليس على الشعوب.

فالممانع يرى المشكلة في الحكم “السلفي” و”التكفيري” السعودي مثلاً، وامراء النفط، بالطبع لأنهم احترفوا الجشع عدا عن كونهم غير ديمقراطيين ومهادنين للامبريالية ورأسماليين، والخ… ولكنهم بالطبع لا يرون النظام الإيراني في هذه الخانة، وبالطبع لا يعترفون بأن النظام الإيراني الذي نشأ بعد الثورة اتى على تحالف ما بين الخميني والبرجوازية الإيرانية في محاولة الخميني لضرب اليسار، ومن ثم قام الخمينيون بضرب منظمات اليسار والمظاهرات العمالية والمقرات النقابية واليسارية، وجرى التضييق على الحركة النسائية وضربها وفرض الحجاب (كما هو مفروض بالسعودية مثلاً) ومن ثم قام الحرس الثوري بضرب الحركة الوطنية الكردية، وبنهاية الـ١٩٧٩ كانت قد نجحت الثورة المضادة (الخميني) باقتلاع كل المنظمات القاعدية التي انشأها الحراك الثوري وتم تثبيت السلطة بيد الخمينيين ورجال الدين، الذين اعتبروا ان السلطة العليا ليست للشعب وانما لرجال الدين او للوالي الفقيه. هذا التاريخ كله بالنسبة للممانعين “العلمانيين” (من غير شر ولا حسد) لا يعنيهم في تحليلاتهم، لانهم فعلاً يتماثلون كما التكفيريين في اللغة الطائفية نفسها، هم يهابون التكفير السني ويعتبرونه خطراً على الامة، ولكنهم يعتبرون التكفير الشيعي (اي من يعتبر كل من يخرج عن الدين كافر، كما يفعل النظام الايراني بمن لا يمتثل بالقوانين الدينية الاسلامية) ليس بخطر على الامة!

ومن ناحية اخرى نرى “الليبراليين”، او هؤلاء الذين يعتبرون ان محور الشر هو التوسع الفارسي والشيعي، بالطبع بحجة السلام والديمقراطية، والحريات، نراهم صامتين عن آلة البطش والقمع السعودية والقطرية والبحرينية وغيرهم من الانظمة وكأن القتل هو اختصاص شيعي بحت، ويسكتون عن محاولة هذه الانظمة بفرض الحصار على الثورة السورية من خلال دعم قوى متطرفة تهدف الى التضييق على البنى القاعدية التي انتجها الحراك الثوري في سوريا، بالظبط كما قام الخمينيون في ايران بضرب البنى الثورية للشعب الايراني المنتفض في السبعينيات، هؤلاء ايضاً يتماثلون مع الممانعين بانتهاج نفس الخطاب الطائفي، الذي يرى ان القتل اختصاص ايراني شيعي فقط.

بالطبع كلاهما يعتبر حربه مقدسة (ان بتعابير دينية او علمانية) ضد الآخر ان كان باسم الولي الفقيه أو بالدفاع عن المقامات الدينية الشيعية، او بالحجج الزائفة القائلة بتحرير فلسطين، وكأن تحرير فلسطين سوف يتم من خلال الانغماس بهذه الصراعات المذهبية، او من جهة اخرى بانتصار اهل السنة ضد المدّ العلوي والشيعي، او ان الامبريالية هي التي سوف تأتي بالديمقراطية كما يحلو للبعض ان يقول.

وهنا تصبح المقولة التي استعملها جزء لا يستهان به من اليسار اللبناني في الحرب الاهلية هي التعبير الاوضح عن كيفية اغراق الثورات ونضالات الشعوب المحقة بوجه الطغاة والاحتلال بالطائفية والصراعات اللاعقلانية، وهي الجملة التي تقول بما معناه “يجب مواجهة دين الحاكم بدين المحكومين” اي بتسخير الصراع الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي كله في خدمة الخطاب الطائفي، عوضاً عن كسر الثقافة العامة لدفعها نحو خطاب ثوري، يعمل هؤلاء الى تسخير اهداف ثورية لخدمة النظام والثقافة المهيمنتين، فالمؤامرة الوحيدة اليوم هي مؤامرة الانظمة الاقليمية والعالمية والقوى المحلية المتحالفة معهما ضد حركات ونضالات الشعوب العربية وشعوب المنطقة التواقة الى الحرية والتحرر والتحرير، لأنهم كلهم (الممانعون والليبراليون والمهادنون)، يعرفون ان “الثورة” تنمو في عقول الجماهير المنتفضة هي تكون خطرا عليهم، ومن هنا يشعرون بهذه الحاجة الملحة لاعتبارها غير موجودة او لاغراقها في الطائفية او اعتبار نضالات الشعوب كلها مؤامرات امبريالية اميركية وصهيونية، او من المقلب الآخر، مؤامرة شيعية فارسية.

وسيثبت التاريخ يوماً ان البقاء دائماً للشعب، هو الازل وهو الابد، وكل شيء آخر ساقط وسيسقط، لأن رغم القتل ورغم الكذب وحملات التشويه والتشهير والتنكيل يبقى انه هناك شرارة اشتعلت في نبض واصوات النساء والرجال الذي يقضون يومياً على مذابح الحرية، ولا يزالون/ن مستمرين/ات بالنضال والمواجهة، لأن العودة الى الوراء باتت مستحيلة، ولم يبق مسار سوى مسار انتصار النضال الثوري على وحوش القمع والبطش والاستغلال والطائفية والعنصرية والذكورية، انتصار لن يأتي من الله بل سوف يأتي بالايدي التي تصنعه يوماً بعد يوم من دون كلل او ملل

باسم شيت
أيار ٢٠١٣

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *