حالة اللاجئين السوريين في المخيمات التركية الحدودية

حالة اللاجئين السوريين في المخيمات التركية الحدودية

تعتبر الهجرة واللجوء ومغادرة الإنسان لبلده بصورة اضطرارية، وذلك للبحث عن وطن بديل أو الهرب إلى وطن آمن، أمراً تكرر في التاريخ البشري منذ بداية نشأة الحضارات، حيث شهدت الحضارة العربية في شبه الجزيرة العربية عمليات هجرة متكررة أغلبها نتيجة تغيرات مناخية، وأحيانًا تكون الهجرة بسبب الاقتصاد، بالإضافة لأن تكون الهجرة نتيجة اضطهاد عنصري أو سياسي، وقد تكون الحروب مصحوبة بعمليات تهجير انتقائية لتغيير التوازن السكاني، لكن عندما نستعرض الهجرات الحالية، نكتشف بأنّ منطقتنا تعاني من نزيف بشري حاد، فقد شهد العالم العربي عمليات هجرة متكررة سياسية واقتصادية، تكونت على إثرها جاليات كبيرة من شمال إفريقيا وبلاد الشام في أوربا وأمريكا الشمالية والجنوبية، ولكن تهجير الشعب السوري كان ولا زال أكبر مأساة إنسانية صمت العالم عنها حتى الآن، وذلك على الرغم من ادعاء العالم التقيد بميثاق حقوق الإنسان.

وفي جولةٍ لنا في إحدى المخيمات التركية القريبة من الحدود السورية، واجهتنا العديد من القصص التي تستحق دراستها مطولاً، لكننا توقفنا عند حالة إنسانية مأساوية وهي قصة هذا الطفل الذي يعيش في إحدى الخيم المنتشرة في عراء الارض التركية، بدون أدنى مقومات الحياة.

الطفل عبدالله البالغ من العمر عامين، والذي ولد مريضاً بعيبٍ خلقيٍ في قلبه، كان يواجه صراعاً للبقاء مع أسرته الفارة من قصف النظام على مدينته الحدودية “سرمدا”، إنّها معركة هزم فيها منذ ما يقارب الشهرين في ظل برد قارس في مخيم النيزب في جنوب تركيا، توفي عبدالله بعد يومين من خضوعه لجراحة في القلب بالمخيم الذي يضم حوالي 10  آلاف لاجيء جائوه فارين من حرب شنّها عليهم النظام السوري.

أم عبدالله والتي تبلغ من العمر 28 عاماً  قالت باكيةً: “غطيت إبني ببطانيتين لكنه لم يكن يشعر بالدفء وتحول لونه للزرقة قبل أن يموت بين يدي”، كانت وحدها مع ابنتها التي تبلغ من العمر 5 سنوات بعد أن تركت زوجها في محافظة إدلب مقاتلاً مع الثوار.

عبدالله ليس الطفل الأول الذي يموت خلال شهرين في المخيم الذي تهب فيه الرياح من كل جانب، حيث قال لنا أحد الموظفين التابعين للأمم المتحدة: “إن عدد الوفيات المتزايد ليس فقط بسبب الظروف الجوية السيئة في المخيّم، ولكنها تُبرز التّحديات التي تواجه هيئات الإغاثة التي تسعى جاهدة لتوفير الاحتياجات الأساسية لجميع المخيّمات في تركيا”.

من جهتها صرّحت لنا أحد الموظفات في منظمة Save Children قائلةً: “إنّ سبب هذا العدد من الوفيات نتيجة عوامل تراكمية، بعضها مرتبط بالنقص في الاحتياجات والأسباب الطبية والغذائية، لكن إلى جانب ذلك، فإن حقيقة أنّ الظروف قاسية لا يمكن تجاهلها”.

في لقاء لنا مع أحد موظفي منظمة DRC (المجلس الدانمركي لشؤون اللاجئين)، قال: “كل ليلة نستقبل أطفالاً لا تزيد أعمارهم عن أربعة أيام.. ستة أيام.. أسبوع.. Hسبوعين.. ومن الصعب حقاً محاولة التأكد من بقائهم جميعاً على قيد الحياة، النساء يلدن على الحدود أو يعبرن وهنّ حوامل. إنه وضع نحتاج فيه لمضاعفة الجهود خاصة بينما نقترب من الشتاء لأن هناك المئات من الحوامل اللاتي يعبرن الحدود”.

عند مسيرنا في شوراع هذا المخيم وجدنا أطفالاً يلعبون من كل الأعمار حول منطقة يُطلق عليها سكان المخيم اسم “البازار” والتي يعمل فيها الكثير من الأسر في التجارة، سواء من منطلق الربح أو الحاجة، ليبيع أفرادها كل شيء من الفلافل الساخنة إلى المنتجات المنزلية والملابس المستعملة والخضروات الطازجة.

وفي أحد ساحات اللعب التابعة لصندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، تركت الحرب ندوباً كبيرة في مخيلة أغلب الأطفال رغم وجود ألعاب مثل الميزان والأرجوحات، ومتطوعين يقدمون دروس موسيقى، حيث قال لنا أحد الأطفال واسمه “عاصم”: “أتمنى أن أعود لمنزلي، وأتمنى أن يسقط بشار وتذهب كل الطائرات التي قامت بقصفنا، منزليأفضل بكثير من هنا”.

أما من الناحية الخدمية، فيشكو الآباء من أنّ البطانيتين الرفيعتين لكل لاجئ ليستا كافيتين لتدفئتهم في الخيام التي تسمح بدخول مياه الأمطار، رغم أغلفة واقية من الزنك والطبقات المقاومة للماء والتي تساعد على عزل الخيام، بالإضافة إلى وجود كرفانات غير مستخدمة لكن يتم التوزيع بشكل عشوائي فيتم أخذ البعض إلى الخيم والبعض الآخر إلى الكرفانات.

 من جهة أخرى سمعنا الكثير عن حدوث استغلالات جنسية للاجئين في المخيم، لكن لم يقبل أي لاجيء الحديث عن هذا الموضوع، خصوصاً بعد انتشار أخبار كثيرة أيضاً على وسائل الإعلام الاجتماعي عن وقوع حالات اغتصاب جماعية للأطفال منذ ما يقارب السنتين.

عمران الحلاق – تيار اليسار الثوري في سوريا

Facebook Comments

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *